الدكتور مصطفى الفوركي : الذكاء الاصطناعي والبحث العلمي: عندما تصبح البيانات بداية لاكتشاف المعرفة

الذكاء الاصطناعي والبحث العلمي: عندما تصبح البيانات بداية لاكتشاف المعرفة
بقلم: د. مصطفى الفوركي
مدير مجلة القانون والأعمال الدولية
رئيس المركز الدولي للدراسات القانونية و الاقتصادية و الاجتماعية
لم يعد الحديث عن الذكاء الاصطناعي في البحث العلمي حديثاً عن المستقبل. فقد أصبح حاضراً في حياة الباحث اليومية، سواء في البحث عن المعلومات، أو تنظيمها، أو تحليل البيانات، أو المقارنة بين النتائج، أو حتى في اكتشاف أفكار وأسئلة جديدة يمكن أن تتحول إلى موضوعات للبحث.
لكن التطور الأهم، في رأيي، لا يكمن في قدرة الذكاء الاصطناعي على القيام ببعض المهام بسرعة أكبر من الإنسان، وإنما في قدرته على فتح طرق جديدة أمام الباحث لفهم الظواهر واكتشاف ما قد لا يظهر بسهولة بالوسائل التقليدية.
وهنا تطرح أمامنا مرحلة جديدة من البحث العلمي: مرحلة لا تكون فيها البيانات مجرد مادة نجمعها ونحللها، وإنما تصبح نقطة انطلاق لاكتشاف علاقات جديدة وطرح أسئلة جديدة وربما بناء تصورات حول ما يمكن أن يحدث مستقبلاً.
البيانات أصبحت في قلب البحث العلمي
في السابق، كان الباحث يواجه مشكلة أساسية تتمثل في صعوبة الوصول إلى البيانات والمعلومات. أما اليوم، فقد تغير الوضع بشكل كبير.
المعلومات أصبحت متوفرة بكميات هائلة، والبيانات أصبحت تنتج باستمرار ومن مصادر مختلفة.
وهذا أمر إيجابي بالتأكيد، لكنه خلق مشكلة جديدة: كيف يستطيع الباحث التعامل مع كل هذه الكمية من البيانات؟
هنا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يقدم مساعدة حقيقية.
فبدلاً من أن يقضي الباحث وقتاً طويلاً في ترتيب البيانات وتصنيفها والبحث عن العلاقات بينها، يمكن للأدوات الذكية أن تساعده في القيام بهذه المهام بسرعة أكبر، خاصة عندما يتعلق الأمر بمجموعات كبيرة ومعقدة من البيانات.
والأهم من ذلك أنها تستطيع أن تساعد في الكشف عن أنماط أو علاقات قد لا تكون واضحة من القراءة العادية.
وهذا ما يجعل البيانات أكثر أهمية في البحث العلمي؛ ليس بسبب حجمها فقط، وإنما بسبب ما يمكن استخراجه منها من معلومات ومعارف جديدة. ويبرز الفصل أهمية البيانات في البحث العلمي في عصر الذكاء الاصطناعي، باعتبارها أساساً مهماً للاستفادة من هذه التقنيات.
لكن هل تستطيع الآلة أن تفهم ما تقوله البيانات؟
هنا تبدأ المسألة الأكثر أهمية.
قد يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يكتشف أن هناك علاقة بين متغيرين، أو أن ظاهرة معينة تتكرر في مجموعة من الحالات، لكن اكتشاف العلاقة لا يعني بالضرورة فهم أسبابها.
وهذا فرق مهم جداً.
فالباحث لا يريد فقط أن يعرف أن شيئاً ما يحدث، بل يريد أن يعرف لماذا يحدث، وكيف يحدث، وما النتائج التي يمكن أن تترتب عليه.
ولهذا لا يمكن أن يكون الذكاء الاصطناعي بديلاً عن التفكير العلمي.
يمكنه أن يلفت انتباه الباحث إلى شيء مهم داخل البيانات، لكنه لا يستطيع أن يتحمل وحده مسؤولية تفسير هذا الشيء.
وهنا تظهر قيمة الباحث.
فالآلة تستطيع أن تقول لنا: هناك نمط معين.
لكن الباحث هو الذي يسأل:
لماذا ظهر هذا النمط؟ وهل هو حقيقي؟ وهل يمكن تفسيره؟ وهل يمكن أن يتكرر في ظروف أخرى؟
من تحليل البيانات إلى اكتشاف أسئلة جديدة
من الأفكار المهمة التي يطرحها الفصل إمكانية استخدام الذكاء الاصطناعي في توليد الفرضيات.
وهذه نقطة تستحق التوقف عندها.
عادة ما يبدأ الباحث بفكرة أو مشكلة معينة، ثم يضع مجموعة من الفرضيات ويحاول اختبارها من خلال البيانات.
لكن ماذا لو كشفت البيانات نفسها عن علاقة لم يكن الباحث يتوقعها؟
هنا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد في لفت الانتباه إلى هذه العلاقة، ومن ثم يبدأ الباحث في طرح سؤال جديد حولها.
وبهذه الطريقة، لا يصبح الذكاء الاصطناعي مجرد وسيلة للإجابة عن الأسئلة، وإنما يمكن أن يساعد الباحث أيضاً في اكتشاف أسئلة جديدة.
وهذا أمر مهم جداً، لأن البحث العلمي لا يتقدم فقط عندما نجد الإجابات، بل يتقدم أيضاً عندما نكتشف أسئلة لم نكن نطرحها من قبل.
البحث العلمي لا يبدأ دائماً من الإجابة
ربما نحتاج هنا إلى تغيير طريقة تفكيرنا قليلاً.
في كثير من الأحيان، نتصور أن الباحث يعرف السؤال، ثم يبحث عن الإجابة.
لكن مع الأدوات الجديدة يمكن أن يحدث العكس أحياناً.
قد يبدأ الباحث بكمية كبيرة من البيانات، ثم تساعده الأدوات الذكية على اكتشاف علاقة أو اتجاه معين، فيبدأ من هناك في بناء سؤال علمي جديد.
وهذا لا يعني أن الذكاء الاصطناعي أصبح باحثاً مستقلاً.
بل يعني أن الباحث أصبح يمتلك أداة إضافية تساعده على النظر إلى المشكلة من زاوية مختلفة.
والقرار النهائي يبقى دائماً للباحث: هل هذا الاكتشاف مهم؟ هل يستحق الدراسة؟ كيف يمكن اختباره؟ وما المنهج المناسب لذلك؟
من فهم الماضي إلى محاولة توقع المستقبل
هناك جانب آخر مهم في استخدام الذكاء الاصطناعي في البحث العلمي، وهو النمذجة التنبؤية.
فبعد تحليل البيانات واكتشاف الأنماط، يمكن استخدام النماذج الذكية لمحاولة تقدير الاتجاهات المستقبلية.
بمعنى آخر، لا يعود السؤال فقط:
ماذا حدث؟
بل يمكن أن يصبح:
ماذا يمكن أن يحدث؟
وهذا النوع من الاستخدام يمكن أن يكون مفيداً في العديد من المجالات.
ففي الاقتصاد، يمكن أن يساعد في دراسة الاتجاهات الاقتصادية.
وفي العلوم الاجتماعية، يمكن أن يساعد في فهم بعض أنماط السلوك.
وفي الدراسات القانونية، يمكن أن يفتح المجال أمام دراسة بعض الاتجاهات والظواهر بناءً على معطيات سابقة.
لكن علينا أن نكون حذرين هنا.
التنبؤ ليس معرفة مؤكدة بالمستقبل.
النموذج يقدم احتمالاً مبنياً على البيانات التي تم استخدامها في بنائه، ولذلك فإن جودة البيانات وطريقة اختيارها وطريقة بناء النموذج كلها عوامل تؤثر في النتيجة.
المشكلة ليست دائماً في الذكاء الاصطناعي، وإنما في البيانات التي نقدمها له
هناك قاعدة بسيطة ينبغي ألا ننساها:
إذا كانت البيانات ضعيفة، فلن تجعلها الخوارزمية قوية.
إذا كانت البيانات ناقصة أو غير دقيقة أو منحازة، فإن النتائج التي نحصل عليها قد تكون بدورها غير دقيقة.
ولهذا فإن استخدام الذكاء الاصطناعي لا يلغي المراحل الأساسية للبحث العلمي.
بل ربما يجعلها أكثر أهمية.
يجب أن نعرف من أين جاءت البيانات، وكيف تم جمعها، وهل تمثل الظاهرة التي ندرسها فعلاً، وهل هناك متغيرات أخرى يمكن أن تؤثر في النتائج.
فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يعالج البيانات بسرعة، لكنه لا يستطيع دائماً أن يعرف أن البيانات نفسها غير مناسبة للسؤال الذي نطرحه.
وهذه مسؤولية الباحث.
الباحث لا يفقد دوره… وإنما يتغير دوره
أحياناً يطرح السؤال بطريقة مخيفة:
هل سيحل الذكاء الاصطناعي محل الباحث؟
أعتقد أن السؤال يحتاج إلى إعادة صياغة.
فالمسألة ليست أن الآلة ستأخذ مكان الباحث، وإنما أن طبيعة عمل الباحث نفسها ستتغير.
في الماضي كان الباحث يقضي وقتاً كبيراً في جمع المعلومات وترتيبها ومعالجتها.
أما مستقبلاً، فمن المتوقع أن يصبح الجزء الأكبر من قيمته العلمية مرتبطاً بقدرته على:
- طرح الأسئلة الصحيحة؛
- اختيار البيانات المناسبة؛
- فهم النتائج؛
- نقد المخرجات التي تنتجها الأدوات الذكية؛
- الربط بين النتائج والإطار النظري للبحث؛
- واستخلاص نتائج يمكن الدفاع عنها علمياً.
بمعنى آخر، قد تقوم الآلة بجزء أكبر من العمل التقني، بينما يصبح دور الباحث أكثر ارتباطاً بالفهم والتحليل والنقد.
وهنا تظهر أهمية التكوين العلمي
إذا أردنا فعلاً الاستفادة من الذكاء الاصطناعي في البحث العلمي، فلا يكفي أن نعلّم الباحث كيفية استعمال أداة معينة.
المطلوب أعمق من ذلك.
نحن بحاجة إلى باحث يعرف منهجية البحث العلمي، ويفهم طبيعة البيانات، ويعرف كيف يقرأ النتائج، وفي الوقت نفسه يستطيع التعامل مع الأدوات الجديدة.
فالمشكلة ليست في امتلاك أداة للذكاء الاصطناعي، وإنما في معرفة ماذا نفعل بها.
وقد أشار الكتاب في عرضه للتطبيقات التعليمية والبحثية إلى أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يساهم في تطوير الممارسات التعليمية والبحثية وتحسين التعامل مع البيانات، لكنه يطرح في المقابل تحديات مرتبطة بطريقة الاستخدام والموثوقية والتقييم.
نحن أمام علاقة جديدة بين الباحث والآلة
في النهاية، ربما لا يكون من المفيد أن ننظر إلى العلاقة بين الباحث والذكاء الاصطناعي باعتبارها علاقة منافسة.
الأفضل أن ننظر إليها باعتبارها علاقة تكامل.
الذكاء الاصطناعي يستطيع أن يتعامل مع كمية ضخمة من البيانات بسرعة كبيرة.
والباحث يستطيع أن يفهم السياق ويطرح السؤال ويقيم النتيجة.
الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكتشف علاقة.
والباحث يستطيع أن يبحث عن تفسيرها.
الذكاء الاصطناعي يمكن أن يقترح احتمالاً.
والباحث يستطيع أن يختبره.
والذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد في بناء نموذج.
لكن الباحث هو الذي يقرر ما إذا كان هذا النموذج مفيداً، وما حدود استخدامه، وكيف يمكن الاستفادة من نتائجه.
الخلاصة
الذكاء الاصطناعي يغير البحث العلمي، وهذا أمر لم يعد محل شك.
لكن التغيير الحقيقي ليس في أن الآلة أصبحت قادرة على القيام ببعض المهام التي كان يقوم بها الباحث، وإنما في أنها أصبحت قادرة على فتح طرق جديدة لاكتشاف المعرفة.
من تحليل كميات كبيرة من البيانات، إلى اكتشاف علاقات جديدة، إلى المساعدة في صياغة الفرضيات، ثم محاولة بناء نماذج تساعد على فهم المستقبل، أصبح أمام الباحث مجال أوسع للعمل والابتكار.
لكن هذا التطور لا يجعل المنهجية العلمية أقل أهمية.
على العكس تماماً.
كلما أصبحت الأدوات أكثر قوة، أصبح الباحث بحاجة إلى عقل نقدي أكثر قوة.
فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعدنا على الوصول إلى نتائج أسرع، لكنه لا يستطيع أن يقرر وحده ما إذا كانت هذه النتائج تستحق أن نثق بها.
وهنا تبقى مسؤولية الباحث.
المستقبل ليس للباحث الذي يرفض الذكاء الاصطناعي، ولا للباحث الذي يعتمد عليه بشكل كامل؛ وإنما للباحث الذي يعرف كيف يستخدمه دون أن يتخلى عن دوره في التفكير والتحليل والنقد.
د. مصطفى الفوركي
مدير مجلة القانون والأعمال الدولية





