
الدكتورة مارية جوهري: باحثة في القانون العام والعلوم السياسية
قراءة في مضامين البرنامج الحكومي للولاية 2026-2031
بناء على أحكام الفصل 88 من الدستور، قدمت رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري في جلسة عمومية مشتركة أمام البرلمان بمجلسيه، يوم الإثنين 19 أكتوبر2026، مضامين البرنامج الحكومي الذي يؤطر عمل الجهاز التنفيذي خلال الفترة الممتدة ما بين 2026 و2031، وهو البرنامج الذي يوازن بين تقديم التزامات جديدة، وبين استكمال أوراش كبرى ممتدة أوموروثة عن الولاية السابقة، وعلى رأسها منظومة الحماية الاجتماعية، قضية التشغيل، حماية القدرة الشرائية للمواطنين، والدفع بعجلة الاستثمارات لتأهيل البنية التحتية واللوجستية الخاصة بتنظيم مونديال 2030.
فماهي المحاور الكبرى التي استعرضها البرنامج الحكومي 2026-2031؟
يستند البرنامج الحكومي لهذه الولاية (2026-2031) على ثلاث مرجعيات أساسية، الثوابت الوطنية، والتوجيهات الملكية السامية، والنموذج التنموي الجديد، ويترجم توجهاته عبر سبع أولويات استراتيجية تلتزم الحكومة بتنفيذها، وهي كالتالي:
أولا: توطيد دولة الحق والقانون والـمؤسسات
– تقريب القضاء من المواطنين، وتكريس الأمن القانوني والبعد الحقوقي في السياسات العمومية؛
– تعـزيز المساواة وتكافؤ الفـرص؛
– إعادة هندسة اختصاصات الجهات، ورفع حجم التحويلات المالية لفائدتها إلى ما لا يقل عن 12 مليار درهم ابتداء من سنة 2027.
ثانيا: محاربة الفساد والريع
-استكمال المنظومة الوطنية للنزاهة وتفعيل الفصل 36 من الدستور، من خلال تجريم الإثراء غير المشروع، ومعاقبة تضارب المصالح؛
– تنظيم الأسواق ومحاربة الاحتكار؛
– شفافية الصفقات العمومية، وتخصيص 30% من قيمتها للمقاولات الصغرى والمتوسطة المغربية.
ثالثا: صيانة الهوية الوطنية والتماسك الاجتماعي
– النهوض بسياسات مندمجة لحماية وتيسير حقوق النساء، الأطفال، الشباب، المسنين، والأشخاص في وضعية إعاقة، إلى جانب تقوية مؤسسات المناصفة ومحاربة التمييز.
– تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية من خلال إحداث صندوق خاص بميزانية 2 مليار درهم، وتأسيس لجنة وزارية دائمة لدى رئيسة الحكومة لتتبع إدماج الأمازيغية في الحياة العامة.
رابعا: ضمان العيش الكريم والدولة الاجتماعية
– ضبط العلاقة بين التصدير والتموين المحلي بقواعد معلنة ومستقرة؛
– إقرار تعويض اجتماعي تلقائي يعادل الفاتورة الشهرية للكهرباء التي لا تتجاوز 100 درهم للمسكن الرئيسي للأسر المستحقة (دون طلب ورقي أو تنقل)؛
– الرفع من الدعم الاجتماعي المباشر، من 500 درهم إلى 1000 درهم عند نهاية الولاية (2031)؛
– الرفع التدريجي للحد الأدنى للمعاشات الرئيسية إلى 3000 درهم شهرياً في مختلف الأنظمة؛
– تمكين الأرامل من معاش كامل يعادل100% من المعاش الرئيسي للزوج المتوفى (بدل 50% حاليا) مع حفظ حقوق الأيتام؛
– الرفع من نسبة التلاميذ المتحكمين في الكفايات الأساسية إلى80% على الأقل في أفق 2031 عبر تعميم “مؤسسات الريادة؛
– محاربة الهدر المدرسى: تحقيق هدف “صفر انقطاع عن الدراسة” بحلول 2030؛
– إحداث عرض وطني مخصص للكراء، وحلول سكنية لموظفي القطاعات الصعبة الاستقطاب؛
– تأهيل أو بناء 100 ألف مسكن في المراكز القروية الصاعدة بدعم مباشر قيمته 40 ألف درهم للأسرة المؤهلة مع مواكبة تقنية مجانية؛
– إخراج قانون للتعمير بالوسط القروي.
خامسا: إدماج الشباب في التعليـم والتكوين والشغل اللائق
– تكوين 100 ألف شاب سنويا وفق متطلبات المقاولات، وتمكين 100 ألف شاب سنويا من أول تجربة مهنية؛
– رفع الطاقة الاستيعابية للتكوين بالتدرج إلى ما بين 150 ألفا و200 ألف مستفيد سنويا؛
– مواكبة 60 ألف مقاولة لضمان استمراريتها عبر التمويل، والولوج إلى الصفقات العمومية.
سادسا: تأمين السيادة الاستراتيجية للمملكة وتعزيز حضورها الدولي
– الرفع من حصة الطاقات النظيفة إلى أزيد من 52% من المزيج الطاقي في أفق سنة 2030؛
– مضاعفة إنجاز السدود (خاصة بالمناطق الجافة والجبلية)، وتسريع محطات تحلية مياه البحر لتعبئة 1.8 مليار متر مكعب في أفق سنة 2031؛
– الرفع من حصة البذور الوطنية من 20% إلى 50% خلال هذه الولاية؛
– وضع آلية وطنية مندمجة لحماية البيانات والأنظمة الحيوية، توسيع شبكة الإنترنت بالمناطق النائية.
سابعا: بناء اقتصاد قوي قادر على تمويل هذه الالتزامات
– رفع مساهمة القطاع الخاص إلى ثلثي الاستثمار الوطني عبر تفعيل ميثاق الاستثمار، إصلاح المراكز الجهوية للاستثمار، ومواكبة المقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة؛
– تسريع إعادة هيكلة المحفظة العمومية لمعالجة الوضعية المالية للمؤسسات والمقاولات العمومي؛
– تحقيق نمو سنوي متوسط بنسبة %5 خلال الفترة 2027 – 2031؛
– تحقيق معدل تضخم سنوي في حدود 2% خلال الفترة 2027 – 2031؛
– ضبط عجز الميزانية في حدود 3% من الناتج الداخلي الإجمالي طيلة 2026-2031؛
– تخفيض المديونية العمومية لتصل إلى حوالي 62% من الناتج الداخلي بحلول سنة 2031.
إلى أي حد يساهم هذا البرنامج الحكومي في تحقيق التوازن بين الطموحات التنموية والتوازنات المالية؟
بقراءتنا لمضامين البرنامج الحكومي (2026–2031)، يتبين تعهد الحكومة بمجموعة من الالتزامات الاجتماعية والتنموية التي ستقابلها إجراءات مالية، تضع البرنامج الحكومي أمام إشكالية التوازن بين الشق الاجتماعي التنموي وبين الإكراهات الماكرو-اقتصادية.
أولا، في الجانب المتعلق بدولة القانون والمؤسسات، التزمت الحكومة بوضع آليات تشريعية وإجرائية لإدماج البعد الحقوقي في مختلف السياسات العمومية، ولعل أبرزها تخصيص دفعة قوية للأمازيغية، من خلال إحداث صندوق خاص بميزانية 2 مليار درهم، وتأسيس لجنة وزارية دائمة لدى رئيسة الحكومة لتتبع إدماج الأمازيغية في الحياة العامة. وفي مقابل هذه الالتزامات، يسجل البرنامج الحكومي فجوة بين الوعود والالتزام بأهداف النموذج التنموي الجديد، حيث يلاحظ استثناء المغاربة المقيمين بالخارج أي سياسة عمومية أو إجراءات تشركهم في القرارات وتعزز تمثيليتهم السياسية، وهو تراجع عما أسس له تقرير النموذج التنموي الجديد، والذي جعل من مغاربة العالم ركيزة أساسية في أفق “مغرب 2035”.
وفي نفس السياق، لم يشر البرنامج الحكومي إلى قضية التمكين الاقتصادي للمرأة، ولم يضع أي مؤشرات رقمية ترفع من معدل مشاركتهن في سوق الشغل بحلول سنة 2031، كما أوصى بذلك تقرير النموذج التنموي الجديد. كما أغفل، تفعيل بعض هيئات الحكامة الدستورية المعطلة، وعلى رأسها “هيئة المناصفة ومكافحة كل أشكال التمييز” المحدثة بموجب الفصل 19 من الدستور، والتي تظل رهانا تشريعيا معلقا، بالرغم من صدور إطارها القانوني منذ سنوات.
أما بالنسبة للجهوية المتقدمة، تعهدت الحكومة بتسريع تنزيلها وتنزيل الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، من خلال رفع التحويلات المالية المباشرة من ميزانية الدولة لتصل إلى أكثر من 12 مليار درهم سنويا ابتداء من سنة 2027، وتخصيص غلاف مالي إجمالي يصل إلى 25 مليار درهم لتنزيل برامج الجيل الجديد من التنمية الترابية. جميل أن ترفع الحكومة من حصة التحويلات المالية المخصصة لفائدة الجهات بمبلغ 2 مليار درهم، مقارنة ب 10 مليار درهم، وهو مقتضى تشريعي نصت عليه المادة 188 من القانون التنظيمي رقم 31.26 القاضي بتغيير وتتميم القانون التنظيمي رقم 111.14 المتعلق بالجهات وليس بمستجد حكومي.
لكن، هل تكفي هذه الإجراءات لاستفادة الجهات من الموارد المالية لتمويل البرامج الجهوية؟ ماذا عن مبدأ التدبير الحر ودور الجهة في إعداد وتنفيذ برامج التنمية الجهوية؟ وماذا عن إجراءات العدالة المجالية ومغرب السرعتين؟
إن الرفع من مبلغ التحويلات لم يأت في إطار تنفيذ برامجها التنموية، بقدر ما جاء لتمكينها من الوفاء بالتزاماتها التعاقدية تجاه صندوق التنمية الترابية المندمجة( 25 مليار درهم)، لتنفيذ برامج الجيل الجديد من التنمية الترابية التي يشرف عليها الولاة والعمال إعدادا وإنجاز وتمويلا. إن غياب التوازن بين نقل الأموال للجهات واحتفاظ الإدارة المركزية بسلطة القرار في تمويل وانجاز برامج الجهة، يفرغ الجهوية من محتواها الدستوري، إذ يتحول هذا الصندوق من أداة لتمكين الجهات إلى وسيلة لإعادة تكريس الوصاية العمودية للمركز على حساب الاستقلال المالي والإداري للجهات.
ثانيا، فيما يخاص محاربة الريع والفساد، التزمت الحكومة بتدابير، مثل منع تضارب المصالح وتجريم الإثراء غير المشروع، وتعتبر هذه الالتزامات فرصة ذهبية للحكومة لتحقيق مكاسب سياسية، دون الحاجة إلى مصادر تمويل من الميزانية. لكن رغم القوة السياسية لهذه التعهدات، لم تعلن الحكومة عن جدولة زمنية لتنزيل قانون الإثراء غير المشروع وتنازع المصالح خاصة في المهام الانتدابية والسياسية، ويبقى التخوف أن هذا يظل هذا الوعد شعارا استهلاكيا، خاصة بعد سحبه من البرلمان في الولاية السابقة.
بالإضافة إلى ماسبق، خلى البرنامج الحكومي، من أي إشارة إلى تفعيل أو تقييم نتائج الاستراتيجية الوطنية لمحاربة الفساد، خاصة وحالة الجمود التي تعيشها اللجنة الوطنية لمكافحة الفساد، إذ لم تجتمع سوى مرتين فقط منذ إحداثها سنة 2017، ولم يتم تفعيلها طيلة الولاية السابقة 2021-2026. وبما أن البرنامج تعهد بوضع إجراءات لمحاربة الفساد وتضارب المصالح، فهي لن تكتمل إلا بالالتزام بتنفيذ استراتيجية وطنية جديدة أو تحيين السابقة، لضمان التنزيل الفعلي ومواكبة القطاعات المعنية بمكافحة الفساد وضمان التقائية الإجراءات المعلن عنها في البرنامج.
وأما بخصوص دعم المقاولات المتوسطة والصغرى، التزمت الحكومة بتخصيص 30% من قيمتها للمقاولات الصغرى والمتوسطة، وهو التزام تشريعي قديم، لا يحمل أي تجديد فعلي، تم إقراره في مرسوم الصفقات العمومية لسنة2022، بعد أن كان محددا في 20 % في مرسوم الصفقات لسنة 2013. وبالتالي، فإن إعادة تقديم هذا المقتضى، كالتزام حكومي جديد يعكس نوعا من “الاجترار التشريعي”، ليظل الإشكال الحقيقي ليس في التشريع، بل في غياب آليات الرقابة الصارمة لتنزيل هذه النسبة على أرض الواقع.
ثالثا، فيما يتعلق بالتزامات الحكومة في الشق الاجتماعي وضمان العيش الكريم للمغاربة، تضمن البرنامج الحكومي مجموعة من التدابير المالية الرامية إلى الرفع من الدعم الاجتماعي المباشر، ومن المعاشات الأساسية وتمكين الأرامل من معاش كامل، ودعم السكن، لاسيما القروي، وهي تدابير طموحة تحتاج إلى كلفة مالية مستدامة لم يعلن البرنامج عنها، وجعلها مؤجلة التنفيذ إلى نهاية الولاية 2031. فحين، أن الواقع يؤكد حسب المندوبية السامية للتخطيط، أن أزيد من ,376 % من الأسر المغربية تشتكي تدني مستواها المعيشي بسبب ارتفاع الأسعار المتواصل، و6.4% من المواطنين يعيشون تحت وطأة الفقر متعدد الأبعاد، و10.9% يواجهون خطر الهشاشة.
وبالتالي، فالبرنامج الحكومي لم يجب عن هذه المؤشرات الميدانية والواقعية بتدابير فورية وفق جدولة زمنية واضحة، كما أن تأجيل تنفيذ هذه التدابير الاجتماعية إلى نهاية الولاية الحكومية سنة 2031 سيعمق الفجوة بين الأهداف الاستراتيجية المعلنة والمعيش اليومي للمغاربة، وقد يؤدي إلى ارتفاع خط الفقر الفعلي، مما سيزيد من الكلفة الاجتماعية والمالية للإصلاح لاحقا. نفس الأمر بالنسبة للزيادة في المعاشات من 1000 درهم إلى 3000، تعني بالأساس إصلاح صناديق التقاعد، التي تعاني أصلا من عجز مالي هيكلي، وإصلاحها لن يتم إلا بموارد ضريبية جديدة أو رفع سن الاشتراك ونسب المساهمة، وهو ما يهدد الإصلاح بالتأجيل إلى حين التوافق مع المركزيات النقابية.
رابعا، فيما يخص الشق المالي والتمويلي للالتزامات الاجتماعية والاقتصادية، اعتمدت الحكومة في برنامجها على مؤشرات مهمة، الرفع من مساهمة القطاع الخاص إلى ثلثي الاستثمار الوطني عبر تفعيل ميثاق الاستثمار ومواكبة المقاولات الصغرى والمتوسطة، وتحقيق نمو سنوي متوسط بنسبة 5% وضبط التضخم في حدود 2% خلال الفترة (2027 –2031)، وحصر عجز الميزانية في 3%. كلها طموحات عالية جدا تصطدم، بارتهان الاقتصاد الوطني بالتقلبات المناخية (الجفاف ) وبتقلبات أسعار السواق الدولية، وبالارتفاع المستمر للمديونية والاقتراض من أجل تمويل البنية التحتية لمشاريع كأس العالم 2030.
إن المالية العامة تواجه ضغطا كبيرا بسبب تزامن الكلفة المالية للمونديال مع الكلفة المالية لتنزيل الورش الحماية الاجتماعية والدعم الاجتماعي المباشر للأسر. وتعهد البرنامج الحكومي بتخفيض المديونية العمومية إلى 62% بحلول 2030، يقتضي بالضرورة نهج سياسة تقشفية وهو ما يضعف الاستثمار العمومي كرافعة ومحفز أساسي للاستثمار ويعيق قدرة الدولة على تقديم الدعم لإنعاش المقاولات الصغرى. ليبقى إصلاح وتوسيع الوعاء الضريبي ليشمل القطاع غير المهيكل كما جاء في البرنامج الحكومي، مدخل لتوفير موارد مالية مستدامة للاستثمار العمومي بشكل عام، وتمويل المشاريع الكبرى(المونديال، تحلية المياه، والطاقات المتجددة).
ومن جانب أخر، لمحاربة التضخم، تملك الحكومة أدوات أخرى التزمت بها في هذا البرنامج، ستمكنها من ضبط مستوياته، كالتحكم في عوامل الإنتاج، وتأمين المخزونات الاستراتيجية وضبط الأسواق. حيث التزمت الحكومة بالرفع من حصة البذور الوطنية من 20% حالياً إلى 50% بحلول نهاية 2031، وهو إجراء سيقلل التبعية للسوق الدولية ويحقق مناعة ضد التغيرات المناخية، كما التزمت بهيكلة مسالك التوزيع لتقريب المنتج من المستهلك مباشرة، عبر إحداث شركات جهوية لأسواق الجملة وإصلاح قطاعات اللحوم والأسماك، من شأنه أن يضمن استقرار أسعار المواد الغذائية عند مستويات معقولة وتنافسية. بالإضافة إلى التزام الحكومة بإعادة تكوين وتأهيل القطيع الوطني، من خلال دعم صغار الكسابة وتسهيل ولوجهم إلى السلالات المحلية والعالمية عالية الإنتاجية (للحوم والحليب)، من شأنه تخفيض كلفة الاستيراد وضبط أسعار اللحوم.
إن التزام الحكومة بإصلاح هيكلي شامل لتنظيم الأسواق، ومحاربة الاحتكار، والحد من الوساطة الانتهازية، هي التزامات لا تتطلب تمويل مباشر من الميزانية، بقدرما تتطلب إصلاحات هيكلية وتنظيمية تعتمد على الإرادة السياسية لتفعيل الأدوار الزجرية والرقابية للمؤسسات الدستورية، مثل مجلس المنافسة، والجرأة في اعتماد آلية لتقنين وتسقيف أسعار المحروقات التي تسببت في موجة غلاء غير مسبوق أنهكت القدرة الشرائية للمواطنين.
كما تتطلب إعادة النظر في الإعفاءات الضريبية الموجهة لسياسات الدعم المالي، كالدعم الاستثنائي أو الاستيراد المدعم، فالبرنامج الحكومي لم يشر إلى أي إصلاح في هذه النفقات الجبائية، على الرغم من تصريح وزير المالية أثناء الحملة الانتخابية بأن 280 مليار درهم وجهت لدعم القدرة الشرائية للمواطنين خلال الولاية الحكومية السابقة، لكنها تلاشت بدون أثر ملموس على الأسعار. ولذلك، فإن غياب الحكامة في تدبير الإعفاءات الضريبية خاصة الموجهة لتحسين المعيش اليومي للمغاربة، يفرغ سياسة الدعم الاستثنائي من أهدافه التنموية، ولعل أزمة غلاء أسعار اللحوم الحمراء وبروز مصطلح الفراقشية في النقاش العمومي، وحرمان المغاربة من ممارسة شعيرتهم الدينية” عيد الأضحى ” خير دليل.
مما سبق، يمكن القول، إن البرنامج الحكومي 2026-2031 يحمل عدة مؤشرات إيجابية قابلة للتنزيل، رغم الاكراهات السياسية والماكرو اقتصادية. فبالإضافة إلى محدودية الموارد المالية، والكلفة الاستثمارية الباهظة التي يتطلبها تنزيل الأوراش الاستراتيجية الكبرى كتعميم الحماية الاجتماعية، ومشاريع البنية التحتية المرتبطة بمونديال 2030، تواجه الحكومة مخاطر الصدمات الخارجية والتقلبات الجيوسياسية، التي تنعكس على أسعار الطاقة والمواد الأولية، مما يفرض عليها الموازنة بين الالتزامات المالية وبين الاستجابة للمطالب الاجتماعية الملحة وأولها التشغيل وتحسين القدرة الشرائية للمواطنين.
على العموم، في إطار التحالف الرباعي للحكومة، وكأول تجربة حكومية لحزب الأصالة والمعاصرة، تترأسها امرأة مغربية لأول مرة في التاريخ السياسي للمغرب، نتمنى لهذه الحكومة النجاح في تحقيق الانسجام السياسي الكفيل بتنزيل وعودها خاصة في الشق الاجتماعي (الشغل والصحة التعليم العيش الكريم). ومن خلال برنامجها الحكومي، يتأتى لها تنزيل حزمة واسعة من الإصلاحات التشريعية والتنظيمية، التي لا تعتمد على ميزانيات ضخمة، وعاى جدولة زمنية بعيدة، بل تعتمد بشكل أساسي على الجرأة والإرادة السياسية. ومن هذه الإصلاحات على سبيل المثال:
- إصلاح وتطوير مناهج التعليم الأساسي والعالي؛
- محاربة الفساد وتخليق الحياة العامة كتفعيل مقتضيات قانون الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الفساد ومحاربته، ومنحها صلاحيات أوسع في التحري وإحالة الملفات على القضاء مباشرة، دون الحاجة لإنشاء مؤسسات جديدة مكلفة؛
- تعديل القوانين: مدونة الشغل، الضريبة على الدخل، مراجعة القانون التنظيمي للتعيين في المناصب العليا ليعتمد بشكل صارم على الكفاءة والاستحقاق والمقابلة الشفافة، مما يرفع مردودية الإدارة دون تكلفة مالية إضافي؛
- إدماج القطاع غيرالمهيكل، من خلال وضع نصوص قانونية تحفز التجار والحرفيين على الانخراط في القطاع المنظم عبر تدابير إدارية مبسطة وليس جبائية معقدة؛
- تبسيط المساطر الإدارية والرقمنة؛
- إصلاح الإدارة الترابية واللاتمركز، وتنزيل حقيقي للجهوية ودعم المناطق الجبلية؛
- تفعيل ميثاق المرافق العمومية، وتفعيل المحاسبة وتقييم الأداء داخل الإدارات وربط المسؤولية بالمحاسبة عبر نصوص تنظيمية واضحة؛
- ترشيد السياسة المائية وإعادة توجيه الدعم الموجه لمياه السقي والفلاحة؛
- إعداد مخطط وطني يهدف إلى تحقيق الالتقائية والتنسيق بين السياسات المائية، والفلاحية، والطاقية، والبيئية لضمان تدبير الموارد على المدى البعيد.






