
آليات لتجويد الرقابة المالية
Mechanisms to improve financial control
زكرياء مسامح: دكتور في القانون العام والعلوم السياسية
باحث في العلوم الإدارية والمالية
إن تبني مقاربة جديدة للرقابة على المال العام، تقتضي نهج سياسة واضحة وهادفة وشاملة لكل جوانب الرقابة بدءا من إعادة النظر في مفهوم الرقابة، وضرورة توفير الآليات والوسائل الكفيلة بتجويد أجهزة الرقابة المالية لممارسة مهامها على أحسن وجه، اعتبارا على أن المراقبة المالية لطرق تدبير المال العام وفق الآليات التقليدية العتيقة لم يعد تفي بما هو معقود عليه من آمال في الوقت الراهن، خصوصا إذا علمنا أن أساليب المراوغة تتطور والأشخاص الذين يتحايلون على القانون يكتسبون مع الوقت مهارات وخبرات في المراوغة والتحايل على النصوص القانونية وفي التلاعب بالإمكانيات والممتلكات العمومية ، لذلك كان من اللازم تجاوز أسلوب المباغتة والتفتيش بالطرق المعتادة والتي لم يعد لها مكان، في وقت أصبحت الرقابة المالية ملزمة بتحديد الهدف المتوخى منها وفق المتغيرات الحالية، ولا يجب أن تختزل في تقنيات تصيد الأخطاء والإدانة والزجر في حق المتابعين، بل يجب أن يتضمن استراتيجية شاملة في إرساء وتكوين وتوجيه الجهات الخاضعة للرقابة لمساعدتها على ترسيخ القيم والمناهج والآليات الجديدة في الرقابة الداخلية على المال العام قبل تبني الزجر والتفتيش والعقاب رغم أهميته .
غير أن نجاح كل ما سبق يظل مرتبطا بالأساس بضرورة تطوير أسلوب الميزانية العامة بكيفية تجعل منها مرتبطة واضحة الأهداف، في إطار ميزانية البرامج والأداء مما يساعد على قياس التكلفة والعمل المنجز، وبالتالي يصبح من السهل ترسيخ سلوكيات وقيم الرقابة الشمولية والأساليب المبنية على آليات التدقيق والافتحاص، والتي تسعى للإحاطة بالجوانب الجوهرية في قياس وتقييم النتائج، لكن هذه التدابير في حاجة لمجموعة من الإجراءات المواكبة لها من قبيل تأهيل الموارد البشرية وتوفير الموارد المادية وإشراك الرأي العام في المنظومة الرقابية.
إن تنزيل وتفعيل الأساليب والآليات الرقابية الحديثة، قصد تفعيل المنظومة الرقابية على المال العام، يقتضي بالضرورة مجموعة من التدابير المرافقة من قبيل الاعتناء بالموارد البشرية للأجهزة الرقابية وتوفير الموارد المادية الكافية وإشراك المجتمع المدني والإعلام في المهمة الرقابية على المال العام إلى جانب الأجهزة الرقابية المالية.
وبالتالي سنتطرق في هذا الموضوع إلى ضرورة تطوير الموارد البشرية والمادية للأجهزة الرقابية في (المطلب الأول)، ورهان الانفتاح على الرأي العام (المطلب الثاني).
المطلب الأول: تطوير الموارد البشرية والمادية للأجهزة الرقابية.
لا يمكن الحديث عن إصلاح حقيقي للمنظومة الرقابية المالية، وتطهيرها من الانحرافات دون الرجوع إلى العنصر البشري الذي يبقى أساس كل إصلاح، فإضافة إلى تبني المقاربات الحديثة للرقابة المالية، يلزم تطوير العنصر البشري وتوفير الموارد المادية الكافية، كأحد شروط نجاح إصلاح المنظومة الرقابية المالية وتبني الآليات الرقابية الحديثة، وبذلك سنتطرق إلى تأهيل وتحفيز الموارد البشرية الخاصة بالأجهزة الرقابية حتى تستطيع مواكبة الآليات الحديثة في الرقابة المالية، (الفقرة الأولى) وتعزيز الموارد المالية(الفقرة الثانية).
الفقرة الأولى: تأهيل وتحفيز الموارد البشرية
إن العنصر البشري يعتبر حجر الزاوية في كيان الإدارة،[1] ولا يمكن الحديث عن إصلاح حقيقي للإدارة (الأجهزة الرقابية المالية) وتطهيرها من الانحرافات من دون الرجوع إلى العنصر البشري، الذي يبقى أساس كل إصلاح، ولا سيما وأن المنظومة الرقابية المالية في المغرب أمام رهان كبير يتجلى في تفعيل هذه المنظومة لكبح مظاهر الفساد المالي المستشرية في كافة مستويات الإدارة العمومية، من خلال تبني مجموعة من المناهج والآليات الرقابية الحديثة وبالتالي فتأهيل العنصر البشري هو أحد شروط نجاح المنظومة الرقابية المالية، وتحسين أدائها وذلك عبر الأخذ بالاعتبار دور التكوين المستمر والتحفيز في تحسين الأداء.
كما أن تكوين الموظفين وتحفيزهم يعد مطلبا لا يقل أهمية عن الاحتياجات الأخرى وذلك قصد إنجاح مسلسل التخليق الإداري والنهوض بالأجهزة الرقابية المالية، فأهمية التكوين تظهر في كونه يطور أداء العنصر البشري ويكسبه الخبرات والمهارات، كما أن التحفير سواء المادي أو المعنوي يلعب دورا كبيرا في ضخ دماء الحيوية ورغبة العمل في سلوك المراقبين والمدققين.
- التكوين المستمر[2]
إن التكوين المستمر عملية شاملة ومعقدة تتناول جميع التدابير اللازمة لإيصال المتكون إلى وضع يخوله الاضطلاع بوظيفة معينة (الوظيفة الرقابية)، وإنجاز المهام التي تتطلبها هذه الوظيفة بفعالية وكفاءة عالية، وجعله قادرا على مسايرة ومتابعة التطورات في الإدارة العمومية[3](الأجهزة الرقابية).
وللتدريب أهمية بالغة ودور أساسي في تنمية معلومات الأفراد وصقل مهاراتهم وتطوير قدراتهم ورفع مستوى أدائهم وزيادة فعاليتهم، للوفاء بمتطلبات الوظيفة الرقابية والقيام بمهامها ومسؤولياتها على وجه المطلوب، فضلا عن تهيئة المراقب لشغل الوظائف الجديدة ومسايرة التطور المستمر في أساليب العمل الحديثة، والتدريب بهذه الصورة يمثل عملية مستمرة يتلقاها المراقب ما دام قائما على رأس العمل وعلى مدى حياته الوظيفية، كما أن المراقب بما لديه من صفات وقدرات فانه يؤثر ويتأثر بالأعمال التي يؤديها، وهذه العلاقة المستمرة ذات التأثير المتبادل بين المراقب والعمل تحتاج إلى تنشيط وتجديد، فهي إن تركت فقد يترتب على ذلك تقادم معلومات المراقبة وعدم صلاحيتها وتجمد خبرات المراقب ومهاراته عند حد معين، ولربما انتقاصها وانكماشها وعجزها عن مقابلة ما يستجد من تطورات.[4]
فلابد من التركيز على عملية التدريب المستمر، فالمراقب (المفتش والمحاسب المالي) الذي يحمل شهادة أكاديمية عالية لا يعني أنه أصبح على دراية بجميع نواحي المهنة بدون تكوين مستمر، يستطيع المراقب أو المدقق عن طريق مواكبة التطور العلمي واكتساب المعارف الجديدة والتقنيات المتطورة والأساليب الحديثة في مجالات العمل الرقابي.
ويمكن تلخيص أنواع التدريب التي يمكن أن تخضع لها الموارد البشرية داخل الأجهزة الرقابية المالية في النقط التالية:[5]
- التدريب داخل مقر العمل:
يقوم الجهاز الرقابي بوضع خطة سنوية لتدريب المنتسبين له داخل مقر العمل، ويقوم بتنفيذها مدربون من الجهاز نفسه من ذوي الخبرة الذين سبق تأهيلهم لتقديم دورات تدريبية، لشرح الطرق والأساليب الحديثة في مجال أعمال المراقبة المالية وتدقيق الأداء والحاسب الآلي وغيرها من التخصصات الأخرى التي تمكن المراقبين من ممارسة العمل الرقابي بكفاءة.
- التدريب خارج مقر العمل:
يقوم الجهاز الرقابي بالحاق المتدرب بمعاهد متخصصة يتلقى خلالها المتدربون دورات وندوات تدريبية تتصل بعملهم الوظيفي، حيث يتم اختيار البرامج التدريبية حسب حاجة العمل ووفقا للعمل الرقابي الذي يمارسه الجهاز، وفي بعض الأحيان تقوم بعض الأجهزة الرقابية بتنفيذ برامج خاصة لمنسوبيها بالتعاون مع أحد المعاهد المتخصصة، ويتم تصميم هذه البرامج بناءا على الإحتياجات الفعلية لطبيعة عمل الجهاز.
- التدريب خارج الوطن:
تقوم بعض الأجهزة الرقابية بالحاق العاملين بها إلى الدورات التي تقيمها المنظمات الدولية والاقتصادية والجامعات والمراكز العلمية المتخصصة في الخارج، لاكتساب الأساليب الحديثة في مجالات العمل الرقابي التي تأخذ بها الدول المتقدمة.
- تحفيز الموارد البشرية
لا يكفي التكوين وحده لتطوير الموارد البشرية للأجهزة الرقابية المالية، بل يعتبر التحفيز مطلبا هاما وضروريا للتصدي لمجموعة من الممارسات السلبية التي يسود داخل الأجهزة الرقابية باعتباره يساهم في رفع دافعية الأفراد للعمل بشكل جدي ومسؤول مما ينعكس إيجابا على الإنتاجية والمردودية في الأداء.
ويمكن تعريف التحفيز بأنه “الفرص أو الوسائل التي توفرها إدارة المنظمة (الأجهزة الرقابية) للأفراد العاملين، ليثني بها رغباتهم وتخلق لديهم الدافع من أجل السعي نحو العمل المنتج والسلوك السليم”.[6]
كما يعرف التحفيز على أنه مجموعة العوامل والمؤثرات التي تدفع العاملين أيا كان موقعهم نحو بذل جهد أكبر للإقبال على تنفيذ مهامهم بجد وكفاءة لرفع مستوى العمل كما ونوعا.[7]
بينما يعرفه فوزي جيش بأنه “… مجموعة العوامل الخارجية التي تثير أو تدفع الموظف إلى التصرف على نحو معين أو سلوك مسلك معين بهدف إشباع رغباته وحاجاته”.[8]
فالحوافز إذن هي مجموعة الوسائل التشجيعية التي توفرها الأجهزة الرقابية للمراقبين لزيادة رغبتهم في أداء العمل بأحسن الطرق بعيداً عن الانحرافات والتجاوزات وتنقسم الحوافز إلى نوعين، مادية وأخرى معنوية.
الحوافز المادية: يقصد بها مجموع الوسائل العينية المرتبطة بحاجيات الموظف (المراقب، المحاسب أو المفتش المالي) المادية ويدخل فيها الراتب الأساسي والتعويضات المرتبطة به كالتعويضات المرتبطة بالدرجة…، والتي تشكل جزءا هاما من الأجرة المرتبطة بالوضعية النظامية، حيث أصبحت هذه التعويضات تكتسي طابعا قارا يتناقض مع المفهوم الحقيقي للتعويضات التي يفترض أن تكون أداة لتشجيع الإنتاجية والمردودية أو تغطية الأتعاب الخاصة، ويجب بالتالي أن تكون قابلة للتغيير حسب تغير هذه العوامل في اتجاه أو آخر.[9]
ونظرا لأهمية التحفيز المادي في تحسين الأداء وتشجيع المراقب أو المفتش على بذل مختلف الجهود، لتأدية العمل الرقابي بأحسن الطرق وكذا صده على كافة الانحرافات والسلوكيات اللامشروعة، غير أن الاهتمام كذلك بالجانب النفسي يبقى له دور مهم وكذلك من خلال التحفيز المعنوي.
الحوافز المعنوية: هي التي لا تعتمد على المال في إثارة وتحفيز الموظفين على العمل، بل تعتمد على وسائل معنوية أساسها احترام العنصر البشري الذي هو كائن حي له أحاسيس وتطلعات اجتماعية يسعى إلى تحقيقها، من خلال عمله في الإدارة. ومن أهم جوانب هذه الحوافز المعنوية، إيلاء الإدارة الاهتمام الكافي لموظفيها من خلال منحهم بعض الامتيازات الاجتماعية لهم ولأفراد أسرهم، والسهر على تطوير خبراتهم وتزويدهم بالمهارات اللازمة من خلال تكوينهم بشكل مستمر، بالإضافة إلى توفير ظروف وبيئة عمل مناسبة لتحفيزهم على العطاء.[10]
الفقرة الثانية: تعزيز الموارد المادية
لإنخراط الأجهزة الرقابية في تبني الآليات الرقابية الحديثة، يلزمها بالإضافة إلى تأهيل مواردها البشرية وتحفيزهم، توفير التقنيات الحديثة وتعزيز الاحتياجات المادية الضامنة لإستقلال هذه الأجهزة.
- استعمال تقنيات المعلوميات
إن التحديات المتمثلة في التغيرات السريعة والمتلاحقة والحاجة إلى السرعة والجودة في الإنجاز وتحسين أداء الخدمات الإدارية، وكذا التزايد الهائل في حجم المعلومات والبيانات المتداولة تفرض على الإدارات كيفما كان نوعها (من بينها الأجهزة الرقابية المالية)، إنشاء وتطوير نظم معلومات متكاملة تتولى تجميع وتنظيم معالجة هذه البيانات. فضلا عن ذلك أضاف تعدد وتنوع مشاكل التسيير الإداري ضرورة الاستفادة من تكنلوجيا المعلومات خاصة نظم المعلومات المبنية على استخدام الحواسيب، والتي تعتبر حصيلة تفاعل وتداخل ثلاثة أنماط من التكنلوجيا هي: تكنلوجيا الحواسب، وتكنلوجيا الاتصالات، وتكنلوجيا البرمجيات.[11]
كما واكب تطور الأساليب والمناهج الرقابية الحديثة تطور ملحوظ في مجال المعلوميات والثورة الإلكترونية، وبذلك أصبح يحتم على الأجهزة الرقابية المالية الاستعانة بتقنيات المعلوميات وبرامج الحاسوب كأسلوب حديث لمواجهة متطلبات الإفتحاص والرقابة[12]، إذ أن المنظمات الدولية والإقليمية المتخصصة في الرقابة المالية والمحاسبة، انطلاقا من توصياتها وإعلاناتها تدعو إلى ضرورة اعتماد أسلوب المعلوميات من قبل الأجهزة الرقابية المالية، كما أكدت على ضرورة حسن التحكم في التقنيات المعلوماتية واستعمالها في الرقابة المالية.[13]
وفي ظل التطور السريع والمتلاحق الذي عرفته الإدارة وتعدد المهام المعهود بها إليها أصبح الولوج إلى تقنيات التحليل المعلوماتي ضروريا لتسهيل تجميع ومعالجة المعلومات بهدف اتخاذ القرارات الصائبة، [14]ولهذه الغاية عملت الأجهزة الرقابية في التجارب الأجنبية على الأخذ بشكل موسع بنظام المعالجة بالحاسوب في ميدان الرقابة المالية.[15]
من هنا أصبحت نظم المعلوميات المبنية على استخدام الحواسيب بتطبيقاتها المتعددة والمتنوعة تستخدم في مختلف الأنشطة والمجالات وفي كافة التنظيمات الإدارية الحديثة (من بينها الأجهزة المكلفة بالرقابة المالية) حيث يلاحظ حاليا انشغال واضح ومتزايد بموضوع التكنلوجيا الحديثة للمعلوميات والاتصال.[16]
- دعم الاستقلال المالي للأجهزة الرقابية
إن الاستقلال المالي من أبرز التدابير المعول عليها للرفع من نجاعة الأجهزة الرقابية المالية، كما يعتبر أحد أهم الوسائل في تأمين قدرتها على إجراء رقابة فاعلة، فالتبعية القانونية والمالية للسلطة التنفيذية قد تدفع برئيس الجهاز الرقابي الأعلى مثلا إلى حجب التقارير المحرجة لهذه السلطة.[17]
وبالتالي فان الأجهزة الرقابية المالية يجب أن تكون مزودة بالوسائل المالية التي تمكنها من القيام بأعمالها على أكمل وجه[18]، وإذا لزم الأمر فيجب أن تكون الأجهزة الرقابية وخصوصا الأجهزة العليا مخولة أن تطلب مباشرة من السلطة المختصة باعتماد الميزانية التقديرية للدولة، أن تمنحها الإعتمادات المالية اللازمة لها حسب إعلان ليما[19] بشأن المبادئ الأساسية للرقابة المالية.
والواقع أن هذا الإعلان يمثل وثيقة هامة اتفقت عليها أغلب دول العالم لأنها توصف بدستور نموذجي للرقابة المالية، فالإعلان يضع بين الدول جميعها المبادئ الأساسية التي تحدد بوضوح ما ينبغي أن يكون عليه نظام الرقابة ليستطيع مواكبة التطورات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والتقنية.
وكذلك أجمعت عليه الدول العربية في المؤتمر الثالث للأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة، حيث أوصت “على أن تتوفر للأجهزة العليا للرقابة والمحاسبة حرية إعداد تقديرات نفقاتها في الميزانية العامة واستعمال تلك التقديرات من دون تدخل أو رقابة من أية جهة إدارية.[20]
المطلب الثاني: الانفتاح على رقابة الرأي العام.
تعتبر جمعيات المجتمع المدني ووسائل الاعلام شريكا أساسيا في بناء الديموقراطية وفي بناء مجتمع تسوده قيم المواطنة وحقوق الانسان، وفي هذا الإطار أصبحت جهود الدولة وحدها غير كافية (ومن بينها الأجهزة الرقابية) للتصدي لمجموعة من الظواهر من بينها انتشار الفساد المالي وما يواكبه من اعتداء على المال العام، مما يتطلب بالتالي تظافر الجهود من أجل وقف هذه الإنحرافات الخطيرة.
الفقرة الأولى: المجتمع المدني والرقابة على المال العام
لقد شكل الاعتراف بوزن المجتمع المدني في مسار التطور الشامل إحدى مميزات الحداثة، وساهم هذا المعطى في الاعتقاد بمعادلة أن استقرار التنمية والسلام كفيلين في البدء بإشراك المجتمع المدني وصيانة حقوقه، ومنذ تأسيسها سنة 1948 عملت منظمة الأمم المتحدة على ضمان الاعتراف له بجملة من الحقوق كشرط لكل إقلاع اقتصادي أو تنمية اجتماعية، ويشكل الانخراط في عدة منظمات وجمعيات مدنية إحدى القنوات الأساسية للاقتراب من دوائر القرار سواء عبر الضغط أو التأثير.[21]
ومن المناسب التذكير أن إشراك المجتمع المدني في مسارات الحكامة الجيدة هو أحد المعايير الأساسية المتعارف عليها دوليا، كما أن المؤسسات المالية الدولية تولي دور المجتمع المدني أهمية متزايدة كالبنك الدولي وصندوق النقد ووكالة التنمية الأمريكية وغيرها. وكذلك التنصيص الدستوري على أهمية هذا الفاعل داخل منظومة الدولة وإعتباره شريكاً لا يمكن الاستغناء عنه.
وبذلك أصبح الرهان على إشراك المجتمع المدني في الرقابة على المال العام مطلبا ضروريا لما له من إمكانيات تتيح له الكشف عن بؤر الفساد، وبالتالي العمل بجانب الأجهزة الرقابية المالية الرسمية في ظل تفاقم قضايا الاعتداء على المال العام.
وأمام هذه الأهمية المتزايدة لإشراك منظمات المجتمع المدني في منظومة الرقابة المالية، فالغاية اليوم تأسيس هيئات مدنية مستقلة للرقابة والمتابعة ومكافحة الفساد تعنى بجمع المعلومات وإعداد الدراسات، وإنجاز حملات تحسيسية ونشر تقارير تستهدف الضغط على صناع القرار من أجل اتخاذ تدابير تشريعية ومؤسساتية لتجفيف منابع الفساد، وتوصي هذه المنظمات بتدعيم أسس الشفافية والمساءلة في الإدارة الحكومية والقطاع الخاص وإصلاح البرلمان والقضاء، وتقوية الترسانة القانونية والعقابية المتعلقة بجرائم الاختلاس والرشوة.[22]
كل هذه الافاق في وجود مجتمع مدني قوي وفعال يراقب المال العام ويمارس سلطة المساءلة، لم يمنع من وجود منظمات مدنية عملت على هذا الموضوع بصفة غير رئيسية وأخرى متخصصة في موضوعات الشفافية والمساءلة ومكافحة الفساد، أهمها وأولها الجمعية المغربية لمحاربة الفساد “تراسبرنسي المغرب” والهيئة الوطنية لحماية المال العام، واللجان المحلية لحماية المال العام كتنظيمات لا مركزية.
- الجمعية المغربية لمحاربة الفساد “تراسبرنسي المغرب”
تراسبرنسي المغرب هي جمعية تتمتع بصفة المنفعة العامة طبقا للمرسوم رقم 2.09.391 الصادر بتاريخ 11 يونيو 2009، ولقد أسست بتاريخ 6 يناير 1996 من طرف مجموعة من المواطنين لمواجهة الوضعية المقلقة للرشوة ونقص الشفافية والأخلاق والحكامة الجيدة، وهي منظمة غير حكومية تتبنى المبادئ المتضمنة في ميثاق المنظمة الدولية تراسبارانسي الدولية، التي حددت محاربة الرشوة عالميا كهدف لها.[23]
وتعد من أهم الجمعيات التي تنشط في مجال محاربة مظاهر الفساد، عبر عدة وسائل منها القيام بحملات تحسيسية داخل المؤسسات التعليمية وكذا تكوين المكونين في مجال التحسيس ضد الرشوة، كما تعمل هذه الجمعية بشراكة مع كل من القطاعين العام والخاص، حيث انخرطت في عدة أعمال مشتركة مع كل من إدارة الجمارك وقطاع الصحة وهيأة المفتشين بالوزارات وإدارة التحفيظ العقاري، مما نتج عنه سن عدة مواثيق أخلاقية تهتم بالشفافية.[24]
- الهيئة الوطنية لحماية المال العام
تأسست الهيئة الوطنية لحماية المال العام بمبادرة من 44 منظمة حقوقية وشبابية ونسائية ونقابية وشخصيات مشهود لها بالنزاهة والنضال، وذلك بهدف النضال الجماعي الوحدوي لحماية المال العام والثروات الوطنية التي تعرضت ولا تزال للنهب، بشكل ممنهج أنهك الاقتصاد الوطني وأثر سلبا على التنمية الشاملة للبلاد.
ولقد انطلق عملها منذ 24 مارس 2002 تاريخ جمعها العام التأسيسي، الذي توج بانتخاب سكرتارية وطنية، عملت على تنفيذ توصيات مقرراتها من خلال إعداد تصور عام للأشغال وإعادة تجديد المفاهيم، حيث ركزت عملها على الملفات التي كانت معروضة على القضاء في مرحلة التحقيق وأخرى جامدة، إضافة إلى الملفات التي توصلت بها من طرف المواطنين والمناضلين، وهيآت غيورة على ثروات البلاد، وقد شمل نشاط الهيئة ثلاث واجهات أساسية:
الواجهة الأولى: تتعلق بالتحسيس والتنبيه بأهمية وخطورة ظاهرة نهب المال العام على مستقبل الشعب المغربي.
الواجهة الثانية: ترتكز على مراسلة المسؤولين المعنيين بالأمر تطالبهم من خلالها باتخاذ جميع التدابير لحماية المال العام ومحاسبة المتورطين على قاعدة عدم الإفلات من العقاب.
الواجهة الثالثة: فقد ترتكز على النضال والمطالبة بالإصلاحات القانونية والقضائية والمؤسساتية وملائمتها مع مقتضيات المنصوص عليها في الاتفاقيات والمعاهدات الدولية وخصوصا الاتفاقية الدولية لمكافحة الرشوة، والمطالبة بإصدار قانون يعنى بوضع حد لظاهرة الإفلات من العقاب وضمان المحاكمة العادلة.
كما طالبت بإنشاء هيئة مستقلة لكشف الحقيقة في كل ملفات الفساد المالي التي عرفها المغرب منذ الاستقلال إلى اليوم وارجاع الأموال المنهوبة، باعتبارها جرائم اقتصادية من بين الأسباب الرئيسية لما تعانيه الأغلبية الساحقة من المغاربة من فقر وتهميش وأمية وحرمان.[25]
- اللجان المحلية لحماية المال العام
تأسست هذه اللجان في إطار أنشطة كل من السكريتارية الوطنية للهيئة الوطنية لحماية المال العام وتراسبارنسي المغرب، ودورهما في تأطير أو إنشاء هيئات لحماية المال العام أو العمل المشترك والمساهمة في أنشطة هذه الهيئات.[26]
الفقرة الثانية: دور الاعلام في ممارسة الرقابة ومجابهة الفساد
تعتبر وسائل الإعلام أحد أبرز أعمدة نظام النزاهة سواء على المستوى الوطني أو حتى على المستوى العالمي، لذا فهي تؤدي دورا مهما في تعزيز منظومة مكافحة الفساد، وفي ظل ثورة المعلومات والاتصال التي يشهدها عالم اليوم، فان وسائل الاعلام الحرة تشكل أداة رئيسية فعالة في عملية المحاسبة والمساءلة سواء بشكل مباشر أو من خلال ما تقدمه من دعم للأجهزة الرقابية العامة، وذلك من خلال فضحها لحالات الفساد وجمع المعلومات ورصد الانتهاكات المتعلقة بالفساد التي تهدد مستقبل التنمية الوطنية.[27]
وبتقدم الخوصصة في العالم وظهور عدة صحف مستقلة وإذاعات وفضائيات تغير المشهد الإعلامي ولم يبق للإحتكار العمومي إمكانية السيطرة على المعلومات والإعلام، وبهذا أصبح الإعلام سلطة رابعة بالفعل كما أضحى يلعب دور سلطة مضادة تساعد على التوازن.[28]
يمتلك المغرب قدرا متواضعا من البنية التحتية لوسائل الإعلام، يمكن إذا أحسن استخدامها أن تمكن المواطن من الوصول إلى المعارف الخاصة بمجتمعه وسلطاته ووضع المسؤولين في موقع المساءلة والمحاسبة عبر الصحف والحوارات ومقالات الرأي والبرامج التي أصبحت متوافرة عبر الانترنت والفضائيات بشكل غير مسبوق.
وانطلاقا من ذلك قامت الصحف الحزبية أولا ثم المستقلة منذ أواخر التسعينات بدور هام في تتبع حالات الفساد وفضحها بل والقيام بتحقيقات ممتازة، وكثيرا ما أدى الصحفيون الثمن غاليا.[29]
وبما أن الشفافية والمساءلة مفهومان مترابطان ويعزز أحدهما الآخر، فمن دون الشفافية وهي الوصول غير المقيد إلى معلومات موثوقة وآنية حول القرارات المتخذة يصبح من الصعب إخضاع الهيئات الحكومية للمساءلة، ولا يمكن أن تتحقق الشفافية إلا إذا كانت هناك جهات تسعى إلى الكشف عن الحقائق وإطلاع الجمهور عليها وهو ما تقوم به وسائل الإعلام.
وتتعدد المحاولات التي تسعى من خلالها وسائل الإعلام إلى تعزيز الرقابة والمساءلة، ومن أبرز الأمثلة على ذلك دفع المسؤولين للإجابة عن التساؤلات التي تطرحها هذه الوسائل حول القضايا العامة، وذلك من خلال البرامج التلفزيونية والمقابلات الصحفية والنقاش الذي تفتحه وسائل الإعلام حول القضايا العامة بضغط من مؤسسات المجتمع المدني ونشر وسائل الإعلام للتقارير الصادرة عن الهيئات الحكومية والتعليق عليها وتحليلها.
لكن من الواضح أن هناك ضعفا في العلاقة بين الإعلام وأجهزة الرقابة المالية ومن أبرز مظاهر هذا الضعف:
- النقص الحاد في الصحافة التحقيقية، والتي تعد من أهم الوسائل للتحقيق من قرارات الحكومة ونشاطاتها وفضح سوء الإدارة والفساد، حيث يخضع الصحفيون إلى قيود مشددة وأحيانا إلى التهديد، للحيلولة دون أدائهم لهذا الدور الرقابي، إضافة إلى عدم توافر تدريب إحترافي على هذا النوع من الصحافة على الرغم من أهميته.
- ينصب اهتمام وسائل الإعلام عموما حول القضايا السياسية، ويغيب اهتمامها بالقضايا المتعلقة بإدارة الموارد المالية للدولة.
- عدم توزيع التقارير الصادرة عن هذه الأجهزة الرقابية على وسائل الإعلام بحجة سرية هذه المعلومات، وهو ما يحول دون إطلاع الجمهور عليها باستثناء تقارير المجلس الأعلى للحسابات التي أصبحت في السنوات الأخيرة تنشر للعموم.
- كما أن هناك ضعفا في بنية إدارة المعلومات وعدم تطويرها، ويشمل النقص في تشريعات حق الوصول إلى المعلومة رغم التنصيص عليها في الدستور، وبروز التشريعات المقيدة لحرية العمل الصحفي والافتقار إلى وسائل الإعلان عن المعلومات الحكومية باستثناء بعض مواقع الانترنت الخاصة بوزارات معينة ومحطات الإذاعة والتلفزة الحكومية والبيانات الصحفية للمسؤولين الحكوميين.[30]
يضاف إلى ما تقدم مجموعة أخرى من المحددات التي تعاني منها وسائل الاعلام والتي تحد من فعاليتها في مواجهة الفساد أو تقديم الدعم لأجهزة الرقابة والمساءلة، وهي معوقات تتعلق بالقوانين المنظمة للعمل الإعلامي، وتوافر الموارد المالية لوسائل الإعلام بما في ذلك ملكية هذه الوسائل وعدم وضوح السياسات ومحدودية الكفاءات الإعلامية.[31]
[1]– رضوان بوجمعة: الوظيفة العمومية المغربية على درب التحديث، مطبعة المعارف الجديدة، الطبعة الأولى، 2003، ص129.
[2]– تعرف الأمم المتحدة التكوين في الإدارة العامة بأنه “عملية متبادلة يتم بموجبها تعلم مجموعة من المعارف وتعليمها لأطراف العمل المختلفة، وأنه نشاط ينتقل بموجبه فريق صغير من الأشخاص يعرفون بالأساتذة إلى فريق من الموظفين ومجموعة من المعلومات التي يمكن اعتبارها مفيدة لعملهم في الوظيفة وفي نفس الوقت، مساعدة الأساتذة بجميع فئات الموظفين على تطوير قدراتهم وامكانياتهم”
[3]– فضل اشمير: مساهمة في رصد واقع الإدارة العمومية، وآفاق إصلاحها، مرجع سابق ص 685.
[4]– ورقة تقديمية: في إطار الدورة 8 للجمعية العامة للمجموعة العربية للأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة التي انعقدت بالمملكة الأردنية 2004، تحت عنوان” تحديث طرق الرقابة في الأجهزة العليا للرقابة” ص18.
[5]– ورقة تقديمية: في إطار الدورة 8 للجمعية العامة للمجموعة العربية للأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة التي انعقدت بالمملكة الأردنية 2004، تحت عنوان” تحديث طرق الرقابة في الأجهزة العليا للرقابة” ص19.
[6]– عمر عقيلي وصفي: نظرية التوقع، محاولة كمية لقياس دافعية العمل، المجلة العربية للإدارة، مجلد 45، 1988، ص88.
[7]– عادل جودة: الحوافز، اصدار المنظمة العربية للعلوم الإدارية، دار النشر والسنة غير متوفرين، ص15.
[8]– فوزي جيش: الإدارة العامة والتنظيم الإداري، دار النهضة العربية، بيروت 1991، ص250.
[9]– وديعة مرشد: ظاهرة الفساد الإداري في الإدارة المغربية، مرجع سابق، ص60.
[10]– عبد الهادي خياطي، تأثير التحفيز على أداء الموظف العمومي، رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون العام، جامعة الحسن الأول، كلية الحقوق سطات، الموسم الجامعي 2010/2011، ص25.
[11]– الإصلاح الإداري بالمغرب: أعمال المناظرة الوطنية الأولى للإصلاح الإداري المنظمة من طرف وزارة الوظيفة العمومية والإصلاح الإداري، يومي 7-8 ماي 2002، المجلة المغربية المحلية للتنمية، العدد 68، الطبعة الأولى 2002، ص149
[12]– سعيد جفري: الرقابة المالية المحلية، مرجع سابق، ص323.
[13]– مدني احميدوش: المحاكم الكمالية بالمغرب، مرجع سابق، ص359.
[14]– مدني احميدوش: المحاكم الكمالية بالمغرب، مرجع سابق، ص360.
[15]– عبد الكريم نيباوي: دورا لمحاكم المالية في حماية المال العام، مرجع سابق، ص178.
[16]– محمد فضل اشمير: مساهمة في رصد واقع الإدارة العمومية، وآفاق إصلاحها، مرجع سابق، ص355.
[17]– فيفيك رامكومار: نتائج المسح على مؤسسات الرقابة واستقلالها في إطار مبادرة الموازنة المفتوحة، المجلة الدولية للرقابة المالية الحكومية، العدد 54، يونيو 2009، ص 11.
[18]– محمد حركات: استقلالية الأجهزة الرقابية، وعدم اخضاعها للمؤثرات السياسية الضامن الأساسي لفعاليتها في أداء مهامها، الرقابة المالية في الأقطار العربية، منشورات المنظمة العربية لمكافحة الفساد 2009، ط الأولى 2009.
[19]– إعلان ليما حول الخطط التوجيهية للرقابة على المال العام، نتائج المؤتمر التاسع للرقابة المالية. (الأنتوساي).المنعقد فيما ليما 2009 -www.Intosai.ng
[20]– إلهام محمد عبد الملك المتوكل: أجهزة الرقابة المالية العليا وفعاليتها في الرقابة الإدارية والمالية، ندوة نظمتها المنظمة العربية لمكافحة الفساد تحت عنوان، المساءلة والمحاسبة، منشورات المنظمة العربية لمكافحة الفساد، ص288.
[21]– الزهرة الصروخ: المجتمع المدني في المغرب المفهوم والتجليات، ندوة الإصلاح الدستوري والسياسي في المغرب العربي التي نظمتها كلية الحقوق بمراكش، يومي 26-28 أكتوبر 1999، سلسلة ندوات ومناظرات، العدد 15، مراكش 2000، ص95.
[22]– محمد براو: الشفافية والمساءلة والرقابة العليا على المال العام في سياق الحكامة الرشيدة، مرجع سابق، ص49.
[23]– www.transparencymaroc.ma
[24]– علي صديقي: الاتجاهات الجديدة للعمل الجمعوي، نشرة الشفافية، تراسبارانسي المغرب، العدد 13-14، 2002، ص17.
[25]– ديباجة التقرير السنوي للهيئة الوطنية لحماية المال العام 2010.
[26]– محمد براو: الشفافية والمساءلة والرقابة العليا على المال العام في سياق الحكامة الرشيدة، مرجع سابق ص 68.
[27]– أحمد أبودية: دور وسائل الاعلام في دعم أنظمة المساءلة والرقابة والمحاسبة في الأقطار العربية، في إطار ندوة أقامتها المنظمة العربية لمكافحة الفساد، تحت عنوان: المساءلة والمحاسبة تشريعاتها وآلياتها في الأقطار العربية، المنعقدة يومي 7و8 فبراير 2007، ببيروت، منشورات المجلة العربية لمكافحة الفساد، الطبعة الأولى، 2007، ص545.
[28]– محمد براو: الشفافية والمساءلة والرقابة العليا على المال العام في سياق الحكامة الرشيدة، مرجع سابق ص 69.
[29]– محمد براو: الشفافية والمساءلة والرقابة العليا على المال العام في سياق الحكامة الرشيدة، مرجع سابق ص 69.
[30]– تقرير التنمية الإنسانية العربية لعام 2003، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، عمان 2005 ص 49
[31]– من كتاب نظام النزاهة العربية في مواجهة الفساد “كتاب المرجعية” الحق في الوصول إلى المعلومة ودور الاعلام في تعزيز الشفافية، منظمة الشفافية الدولية، بيروت، المركز اللبناني للدراسات 2005.





