في الواجهةمقالات قانونية

أثر الطلاق على نظام الاشتراك في الملكية بين الزوجين في القانون التونسي

 

أثر الطلاق على نظام الاشتراك في الملكية بين الزوجين في القانون التونسي[1]

 

 

 

محمد زيتونة

قاض بدائرة الأحوال الشخصية بالمحكمة الابتدائية بتونس

باحث في العلوم السياسية

إن دعم مكانة المرأة في المجتمع التونسي تجسد على أرض الواقع منذ الاستقلال خاصة مع صدور مجلة الأحوال الشخصية بتاريخ 13 أوت (غشت) 1956، والتي كرست مبدأ المساواة بين المرأة والرجل، ثم عبر التنقيحات التي شهدتها المجلة المذكورة التي حققت التكامل والشراكة بين الجنسين، نظرا للمكانة التي أصبحت تحتلها المرأة في المجتمع.

وتمثلت أولى الإرهاصات الأولية في مجال التمكين الاقتصادي للمرأة التونسية في مشروع قانون اقترح سنة 1981 بهدف تنقيح مجلة الأحوال الشخصية، وتكريس مبدأ الاشتراك في الملكية بين الأزواج، وحماية الزوجات من مخلفات الطلاق في ظل مجتمع ينظر بارتياب للمرأة المطلقة، وواقع يكرس النظرة الدونية لها وحرمانها من حقوقها المالية والاجتماعية، وعلى رأسها حق السكن في حالة إنهاء  الرابطة الزوجية .

لكن المشروع لقي موجة من الانتقادات بسبب تعارضه مع المقتضيات القانونية المنظمة للمواريث، وزاد من حدة الوضع الأحداث السياسية شهدتها تونس في تلك المرحلة، وهو ما عجل بالتخلي عن المشروع[2].

لكن ذلك لم يمنع المشرع من مواصلة السير في تكريس مكانه المرأة و حمايتها في آن واحد، فتم سن قانون عدد 81 المؤرخ في 18 فيفري (فبراير) 1981، والذي خول للزوجة في صورة ايقاع الطلاق حق التعويض لها في شكل رأس مال أو جراية عمرية[3] .

ثم انتهج المشرع التونسي منهجا آخر ساهم في تغيير مركز المرأة، وتحولها من طرف (ضعيف) محمي، الى طرف فاعل، وعليه، تم إلزامها بواجب الإنفاق في حالة احتكامها على عمل أو مورد رزق[4].

وفي نفس السياق تم سن القانون عدد 94 لسنة 1998، المؤرخ في 9 نوفمبر 1998 والمتعلق بنظام الاشتراك في الأملاك بين الزوجين[5]، الذي جاء متأثرا بالقانون الفرنسي ولا سيما الفصول من 1387 الى 1581 من المجلة المدنية الفرنسية[6]، مع وجود فارق جوهري بينهما، يتمثل في أن المشرع الفرنسي جعل من المبدأ هو الاشتراك في الملكية بين الزوجين، في حين أن المشرع التونسي جعل من التفرقة في الأملاك بين الزوجين هو المبدأ [7].

وأول ما يلفت النظر في هذا القانون هو التسمية التي تبناها المشرع، أي “نظام الاشتراك في الأملاك”، وليس الأموال. وهي تسمية لم تكن عبثية، وإنما كانت الغاية منها التأكيد على أن نطاق تطبيق هذا القانون، يتعلق فقط بالعقارات دون المنقولات، وذلك بالنظر لما للعقارات  من أهمية اقتصادية. علما بأن هذا الموقف التشريعي يبقى محل نظر خاصة وأن بعض المنقولات لها قيمة اقتصادية قد تفوق العقارات كالأسهم والأصول التجارية.

 

أما ثاني ملاحظة يمكن إبداؤها حول قانون الاشتراك في الأملاك بين الزوجين فتكمن في  صبغته الاختيارية. فللزوجين الأخذ به، أو تركه، فهو متوقف على الإرادة المشتركة للزوجين، سواء ساعة إبرام عقد الزواج، أو بصفة لاحقة بموجب عقد مستقل .

وتتمثل الملاحظة الثالثة في أن هذا القانون لا يمكن تطبيقه إلا بعد إتمام البناء بين الزوجين، وهو الرأي الذي ذهبت إليه محكمة التعقيب التونسية في اجتهاد جاء فيه: “إن نظام الاشتراك في الملكية ينطلق بعد اتمام البناء بين الزوجين وإن عبارة الزواج الواردة في القانون المذكور إنما يراد منها الزواج التام باعتبار أن النص القانوني أصر على القول أن العقار يكون مخصصا لاستعمال العائلة أو لمصلحتها، والعائلة لا تتكون إلا بعد اتمام البناء”[8].

ولئن كان الدخول في ظل النظام المكرس بموجب القانون عدد 94 لسنة 1998 وتحديد مجال تطبيقه لا يثير إشكالا كبيرا على المستوى النظري[9]، فانه على مستوى التطبيق العملي يطرح  إشكاليات عديدة خاصة  عند إنهاء حالة الشياع بين الزوجين[10].

وقد حدد الفصل 18 من هذا القانون الحالات الني ينتهي بها نظام الاشتراك بين الزوجين وأهمها الطلاق، الذي عرفه الفصل 29 من مجلة الأحوال الشخصية بكونه “حل عقدة الزواج”. وأهم أثر للطلاق على نظام الاشتراك في الملكية هو خروج الأموال المشتركة من الذمة المالية المشتركة للزوجين، ودخولها في الذمة المالية المستقلة لكل واحد منهما.

لكن قبل الوصول الى هذه المرحلة لابد من المرور باجرائين تم إقرارهما في صلب قانون الاشتراك في الأملاك بين الزوجين، وهما مرحلة التصفية ثم القسمة .

المبحث الأول: تصفية الأملاك

إن لهذه العملية أهمية كبيرة في تحديد مجال الاشتراك بين الزوجين، وقد نص الفصل 22 من قانون الاشتراك في الأملاك بين الزوجين على انه “متى وقع ما من شأنه أن ينهي حالة الاشتراك، عدا صورة الاتفاق، فعلى الزوج الباقي علي قيد الحياة أو الساعي في إنهاء حالة الاشتراك أن يطلب من المحكمة تكليف مصف للمشترك، ويتولى المصفي ضبط قائمة في الأملاك المشتركة وفي الديون المتعلقة بها.”

وبالتالي تستوجب عملية التصفية بيان الأملاك الخاضعة لنظام الاشتراك في الأملاك بين الزوجين، وتتم هاته العملية بانتهاج تقنيتين، هما جرد المشترك،  وضبط الديون .

المطلب الأول: جرد المشترك

حدد الفصل 22 من قانون الاشتراك في الأملاك بين الزوجين من يختص بهاته العملية وهو المصفي[11]. وحدد مهامه في ضبط قائمة للأملاك والديون المتعلقة بها  .

وهو ما يطرح تساؤلا حول مفهوم الأموال التي تدخل ضمن نطاق قانون قانون الاشتراك في الأملاك بين الزوجين ؟

لقد نص الفصـل 10 من قانون 9 نوفمبر لسنة 1998 على  أنه ” تعتبر مشتركة بين الزوجين العقارات المكتسبة بعد الزواج أو بعد إبرام عقد الاشتراك ما لم تؤول ملكيتها الى أحدهما بوجه الإرث أو الهبة أو الوصية، بشرط أن تكون مخصصة لاستعمال العائلة أو لمصلحتها، سواء كان الاستعمال مستمرا أو موسميا أو عرضيا  « .

وبالتالي فإن نطاق الاشتراك حسب هذا القانون ينحصر في العقارات دون المنقولات، وتحديدا المخصصة لسكن العائلة، وهنا تطرح إشكالية كيفية تحديد ما اذا كان العقار مخصصا للاستعمال والسكن العائلي، خاصة في صورة ملكية العائلة لأكثر من عقار ؟

إن المتأمل في أحكام القانون المذكور يلاحظ عدم وضوح مجال الأملاك المشتركة، إذ إن المشرع التونسي راوح بين مفهوم موسع يشمل كافة العقارات المخصصة لاستعمال العائلة أو مصلحتها وتوابعها وغلالها مهما كانت طبيعتها، وبين مفهوم ضيق ضمن الفصل 11 باعتماد عنصر التخصيص، اذ جاء به “تعد عقارات مخصصة لاستعمال العائلة أو لمصلحتها العقارات المكتسبة بعد الزواج والتي تكون لها صبغة سكنية “.

وهناك شرط ثان اشترطه المشرع التونسي في العقار ليكون مشتركا بين الزوجين، وهو ذو طابع زمني، إذ يجب أن يكون تاريخ اكتسابه لاحقا لعقد الزواج، وأن يتم التنصيص صراحة على اختيار الزوجين نظام الاشتراك في الملكية. ولا شك أن الغاية من هذه المقتضيات تتمثل في حماية الأملاك التي آلت للزوج والزوجة قبل الزواج، فضلا عن تحقيق الانسجام بين هذا القانون  ومقتضيات مجلة الأحوال الشخصية، المكرسة لمبدأ ” لا ولاية للزوج على أموال زوجته”[12].

وهنا تجدر الإشارة الى انه عملا بقاعدة عدم رجعية القوانين فان الزيجات التي تمت قبل دخول قانون 9/11/1998 حيز التنفيذ تحتكم الى نظام  التفرقة في الملكية، ولا مجال بالتالي لتطبيق النظام القانوني للاشتراك في الأملاك بين الزوجين عليهما، لكن هذا لا يمنع المتزوجين قبل تاريخ صدور هذا القانون، من الانضواء تحت نظام الاشتراك في الأملاك بموجب عقد مستقل يتفقان فيه بشكل واضح وصريح على اختيار هذا النظام[13].

زيادة على ذلك اشترط المشرع التونسي شرطا ثالثا وهو أن يكون العقار أو العقارات المطبق عليها نظام الاشتراك قد آلت ملكيتها لأحد الزوجين أو كلاهما بغير الإرث أو الهبة أو الوصية .

لكن ككل مبدأ هنالك استثناء فقد خول قانون 9/11/1998 حق الخيار للزوجين في توسيع نطاق تطبيقه ليشمل جميع العقارات مهما كانت طبيعتها والغرض منها ومهما كان مصدر ملكيتها[14].

ولا شك أن اختيار المشرع التونسي لتحديد مناط هذا القانون في العقارات سالفة الذكر سببه الدور الذي يلعبه مسكن العائلة في نفسية التونسي اذ هو من أولويات تفكير الفرد، ويكرس له جهدا كبيرا واهتماما بالغا لكسبه، واعتباره أيضا من ضمانات تواصل الحياة الزوجية واستقرار العائلة، إضافة الى الرغبة في حفظ حق الزوجة باعتبارها الحلقة الأضعف في العائلة في مجتمع لا تزال فكرة التمييز على أساس الجنس مترسخة فيه .

المطلب الثاني :ضبط الديون

ان الاشتراك في الأملاك بين الزوجين على معنى قانون 1998 لا ينحصر في مكلية العقارات السكنية فقط، بل يمتد الى الاشتراك في الديون، وقد كرس الفصل 13 من القانون المذكور ذلك، اذ نص على أنه “تعد مشتركة الديون والأعباء المترتبة عن اكتساب ملكية المشترك أو استغلاله…”

والدائن يمكن أن يكون غيرا أو أحد الزوجين الذي تولى الإنفاق من ماله الخاص على المشترك لصيانته و حفظه في فترة التصفية وبعد الطلاق .

وبالتالي فالديون المشتركة تشمل تلك التي نشأت أثناء الاشتراك في الملكية، أو بعده، وخلال مرحلة التصفية، ومنها خصوصا أجرة المصفي.

بعد بيان الأعمال الموكولة للمصفي بعد إيقاع الطلاق ورغبة احد الطرفين في الخروج من حالة الشياع، فان التساؤل يطرح مدى إلزامية هذا الإجراء، ومرد هذا التساؤل يكمن في عدم تحديد المشرع التونسي طبيعة هذا الإجراء إن كان وجوبيا من عدمه، فرغم  استعمال عبارة “على” وهي تدل على الوجوب والالزامية، فإنه لم يتم ترتيب جزاء إذا ما تم الإخلال بهذا الاجراء، عكس المشرع الفرنسي الذي نص في الفصل 1444 من المجلة المدنية على أن التفريق في الأموال يكون باطلا ولو وقع بحكم، إذا لم يقع الشروع في الأعمال اللازمة لتصفية المشترك.

المبحث الثاني : قسمة الأموال المشتركة بين الزوجين

من الطبيعي أن تنتهي حالة الاشتراك بين الزوجين بانفصال العلاقة الزوجية، وهو ما استقر عليه فقه القضاء الذي أكد أنه “لا جدال أن لكل واحد من الزوجين أن يطلب تصفية الأملاك المشتركة باعتبار أن الاشتراك ينتهي بالطلاق”[15].

وبالتالي ينتج عن حل الزواج بالطلاق انتهاء حالة الاشتراك في الملكية بين الزوجين، باعتبار أن هذه الأخيرة تقوم على تحقيق مصلحة العائلة وبتفككها فان المصلحة تنتفي ولا موجب لبقائها .

لكن تجدر الإشارة الى أنه ليس بالضرورة أن يؤدي الطلاق الى انهاء حالة الشيوع، بل انه يبقى فقط من بين أسباب طلب إنهاءها، وهو ما يستشف من قراءة الفصل 19 من قانون الاشتراك في الأملاك بين الزوجين الذي نص على أنه تظل حالة الاشتراك قائمة حتى تتم تصفية الأملاك المشتركة.

وعليه، فانه يمكن للطليقين الإبقاء على حالة الشيوع بينهما، الأمر الذي يجعل من جدوى القانون والغاية التي سُنّ فيها محل تساؤل.

أما في صورة رغبة  أحد الزوجين في قسمة المشترك على ضوء قانون الاشتراك في الملكية بين الزوجين والخروج من حالة الشياع، فلا بد من تبيان تاريخ طلب القسمة في صورة الطلاق، ثم كيفية قسمة المشترك .

المطلب الأول: تاريخ طلب القسمة في صورة الطلاق

إن قراءة سريعة للفصلين 18 و19 من قانون الاشتراك في الأملاك بين الزوجين، تدفع للتساؤل حول التاريخ المعتمد لإنهاء حالة الاشتراك بين الزوجين؟

وهكذا ينص الفصل 18 على أنه “ينتهي الاشتراك:

–  بوفاة أحد الزوجين؛

–  بالطلاق؛

–  بفقدان أحدهما؛

–  بتفريق أملاكهما قضائيا؛

–  بالاتفاق”.

وينص الفصـل 19 على أنه “تظل حالة الاشتراك قائمة حتى تتم تصفية الأملاك المشتركة”.

ان الدافع للتساؤل حول التاريخ المعتمد لإنهاء حالة الاشتراك بين الزوجين يكمن في أن عبارة “الطلاق” الواردة في الفصل 18 المذكور كإحدى الحالات التي تؤدي الى انتهاء الاشتراك، وردت مطلقة، ومن المعلوم انه اذا وردت العبارة مطلقة تؤخذ على إطلاقها، وهو ما يطرح إشكالية تحديد التاريخ المعتمد في إنهاء حالة الاشتراك، هل هو تاريخ صدور حكم الطلاق، أو تاريخ صيرورته باتا . وفي صورة استئناف أحد فروع حكم الطلاق، فهل يعتد بتاريخ الحكم الابتدائي أو تاريخ صدور الحكم الاستئنافي،  ذلك أن للاستئناف أثر انتقالي ينقل الدعوى برمتها، وأثر توقيفي  إذ يوقف التنفيذ، مع ضرورة استحضار خصوصية قضايا الطلاق، فعكس غيرها على مستوى التشريع التونسي، فإن الطعن بالتعقيب فيها يوقف التنفيذ كذلك . فإذا ما تم اعتماد تاريخ رفع دعوى الطلاق، فإنه من الشائع انه في تلك المرحلة، وقبل صدور حكم إيقاع الطلاق ،يكون الزوجان في حالة انفصال وقطع للتواصل، فما مآل التصرفات التي يقدم عليها أحد الزوجين ويكون موضوعها عقارا خاضعا لنظام قانون 9/11/1998، وما مآل الأملاك التي اكتسبت أثناء نشر الدعوى،  خاصة وأن هذه التصرفات قد تؤثر سلبا على الذمة المالية المشتركة لأحد الزوجين وعلى العقارات المندرجة ضمن نظام الاشتراك، بإعتبار انه في تلك المرحلة يتم تغليب المصلحة الفردية على مصلحة العائلة نظرا لوجود الشقاق.

وبالتالي فإن  المشرع التونسي تغافل عن تداعيات تنصيصه على الطلاق وترك العبارة عامة على الواقع، وما سيخلفه من تداعيات سلبية على الأملاك الزوجية [16].

وفي صورة اذ تم اعتبار تاريخ صدور حكم الطلاق هو التاريخ الذي تنتهي به حالة الاشتراك يطرح إشكال آخر، ففي التشريع التونسي بين صدور الحكم وصيرورته قابلا للتنفيذ عبر تسجيله بدفاتر الحالة المدنية، حيز زمني قدره 30 يوما، فأي التاريخين يعتمد لإنهاء حالة الاشتراك، هل  تاريخ النطق بالحكم أم تاريخ قابليته للتنفيذ ؟

في نفس السياق تتجلى مجافاة قانون 1998 للواقع أيضا في أنه لم يأخذ بعين الاعتبار طول اجراءات التقاضي، وفي مادة الطلاق على وجه الخصوص التي قد تمتد ولا سيما في حالات الطلاق  للضرر لأكثر من سنة، الأمر الذي سيؤثر بدوره سلبا على وضعية العقار أو العقارات المشتركة بين الزوجين .

إضافة الى ذلك فان إنهاء نظام الاشتراك في الأملاك بين الزوجين بموجب الطلاق يطرح تساؤلا آخر حول وجوب تلازم النظر في قضية الطلاق والقسمة أم استقلالية كل دعوى على حدة؟

إن ما تجدر ملاحظته هو انه من الثابت أن المشرع و إن رتب عن الطلاق انتهاء الاشتراك في الأملاك، إلا انه لم يفرض على الزوجين أن يقوما بقسمة المشترك وتصفيته في إطار نفس قضية الطلاق، أو في إطار قضية مستقلة، إذ لا يوجد أي مقتضى في قانون 9 نوفمبر 1998 يرجح هذه الإمكانية أو تلك، و مع ذلك فإن الأفضل جعل قضية قسمة المشترك و تصفيته لاحقة لقضية الطلاق و ذلك لسببين على الأقل :

فمن ناحية أولى فان قسمة المشترك لا تتم إلا بعد خلاص الديون، أو تأمين ما يلزم لخلاصها، وإعداد مشروع قسمة فيها قد تجعل من البت في الفرعين في قضية واحدة يأخذ حيزا زمنيا كبيرا، ويجعل من اجراءات البت طويلة بعض الشيء ومرهقة للمتقاضيين.

من ناحية ثانية فان النظر في قضية الطلاق وفي مسألة الاشتراك من شأنه أن يجعل قضية الطلاق ذات طابع مدني مالي، في حين اتجهت رغبة المشرع التونسي في قضايا الأحوال الشخصية الى الإبقاء على طابعها العائلي حيث تهتم المحكمة في هذه المرحلة بمحاولة إصلاح ذات البين بين الزوجين، واتخاذ الوسائل الوقتية اللازمة والقرارات الفورية المتصلة خاصة بالأبناء .

لكل هذا استقر العمل بالمحاكم التونسية على إفراد كل فرع بالنظر على حدة، على أن لا يتم طلب القسمة إلا بعد صدور حكم طلاق للاعتبارات سالفة الذكر .

المطلب الثاني: كيفية القسمة

بخصوص طلب القسمة من أحد الزوجين فإن أحكام الفصل 24 من قانون الاشتراك في الاملاك بين الزوجين تحيل الى القواعد العامة المعتمدة في الشأن والمحددة صلب أحكام مجلة الحقوق العينية .

وسواء كانت القسمة قضائية أو رضائية فإن الفصل 25 من القانون المذكور حدد مناب كل من الزوجين في النصف[17].

ولئن كانت القسمة الرضائية لا تثير إشكالا باعتبارها تقوم على التراضي، فإن الإشكال يطرح في حالة القسمة القضائية، حين يتم تخويل المحكمة إجراء القسمة، وهنا يثار إشكال بخصوص إثبات الملكية المشتركة موضوع طلب القسمة[18].

فأول الدفوع المعتمدة من قبل أحد الزوجين هو كون العقار موضوع طلب القسمة لا ينضوي تحت طائلة قانون الاشتراك في الملكية بين الزوجين لعدة اعتبارات وهو ما يجعل المحكمة في إطار دعوى قسمة تبحث عن مسألة استحقاقية، الأمر الذي تطول به إجراءات التقاضي، هذا إن لم يتم رفض هذه الدعوى اعتمادا على أحكام الفصل 23 من مجلة المرافعات المدنية والتجارية الذي يمنع تحوير الطلب في إطار دعوى، الأمر الذي يجعل الخروج من حالة الشياع قضائيا بين الزوجين يأخذ حيزا زمنيا كبيرا قد يؤدي للإضرار بالمشترك .

إشكالية ثانية يطرحها الواقع العملي ولم يسن المشرع لها حلا، وهي حالة إبقاء الزوجة بوصفها حاضنة للأبناء القصر بمسكن الزوجية، في إطار القرارات المتخذة بمناسبة حكم إيقاع الطلاق، ثم تقديم طلب إيقاع القسمة، حيث قد يتبين أن المحل (مسكن الزوجين) غير قابل للقسمة العينية، فتحكم المحكمة ببيعه بالمزاد العلني، على أن تتم قسمة ثمنه بين المستحقين، الأمر الذي سيجبر الزوجة، إن لم تكن المبتت لفائدتها أو لقرينها، على الخروج من بيت الزوجية رغم صدور حكم بالبقاء به الى حين بلوغ المحضونين سن الرشد القانوني. ذلك أن حكم التبتيت له اثر تطهيري إذ يطهر العقار من كل التحملات الموظفة عليه .

 

وفي الأخير فان الهدف من هذه الدراسة تسليط الضوء على أهم الإشكاليات العملية لنظام الاشتراك في الأملاك والتي مصدرها أساسا عدم وضوح القاعدة القانونية، وهو ما أدى الى خلق نوع من الغموض ساهم غي اختلاف العمل القضائي بشأنها. وأظن أن صدور تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة بتاريخ 1 جوان 2018 والنقاش المجتمعي الواسع الذي خلفه التقرير، قد يشكل حافزا لدى المشرع التونسي لإعادة النظر في قانون الاشتراك في الأملاك بعد مرور 21 سنة على صدوره.

 

[1]مداخلة قدمت ضمن أشغال ندوة دولية حول موضوع :”تدبير الذمة المالية للزوجين وفق مبادئ العدالة الاجتماعية”،  المنظمة من طرف جمعية حقوق وعدالة، بتعاون مع الاتحاد الأوربي والسفارة السويسرية بالمغرب، بفندق ايدو أنفا بالدار البيضاء، يوم الجمعة 25 يناير 2019.

[2] – بخصوص الجدل الذي أثارته فكرة اشتراك الأموال في تونس، راجع:

-الطيب اللومي:الجديد في مجلة الأحوال الشخصية، مقال منشور بالمجلة القانونية التونسية، 1983، (تصدر عن كلية الحقوق والعلوم السياسية، والاقتصادية بتونس، مركز الدراسات والبحوث والنشر)، ص 66 وما بعدها.

[3] ـ جويدة قيقة: مجلة الأحوال الشخصية وواجب التعاون بين الزوجين، مقال منشور بمجلة الكريديف، العدد 34 ـ عدد خاص بمناسبة الذكرى الخمسين لصدور مجلة الأحوال الشخصية سنة 2006، ص: 25.

[4] ـ محمــــد حسـن: التجربة التونسية في مادة الأحوال الشخصية، مقال منشور بالمجلة المغربية للقانون واقتصاد والتنمية، عدد خاص باليوم الدراسي حول الأسرة المغربية بين الفقه المالكي والقانون الوضعي، العدد 50، 2004.

[5] صدر منشور مشترك عدد 16/99 المتعلق بنظام الاشتراك في الأملاك بين الزوجين، حيث يفسر هذا المنشور الأحكام التي أتى بها القانون عدد 94 لسنة 1998 المؤرّخ في 9 نوفمبر 1998 والمتعلّق بنظام الاشتراك في الأملاك بين الزوجين، ويوضح الواجبات الجديدة المناطة بعهدة رؤساء البعثات الدبلوماسية والقنصليات بالخارج وعدول الإشهاد وضباط الحالة المدنية عند تحرير عقود الزواج، وكذلك الواجبات الموكولة إلى حافظ الملكية العقارية. كما يشتمل المنشور على استمارة خاصة بتصريح الزوجين على بنظام الاشتراك في الأملاك الذي يتم اختياره من طرفهما عند ابرام عقد الزواج أو بعده.

[6]  -أنظر لمزيد من التفاصيل:

– Laurent le veneur : leçon de droit civil, tomme I, troisième volume, 7ème édition, Montchrestien 1995 ; p 535 et S.

[7] ـ محمد الحبيب الشريف ” الرصيد القانوني لحقوق المرأة في تونس ” مطبعة ستنباكت، الطبعة الأولى 1999 ص 79.

[8]  محكمة التعقيب التونسية: قرار تعقيبي عدد 41051 مؤرخ في 16 سبتمبر 2010 ، غير منشور.

[9]-إن نظام الاشتراك في الأملاك بين الزوجين يبقى نظاما ماليا اختياريا يتفق عليه الزوجان عند إبرام عقد الزواج أو حتى بعده، بمقتضى كتاب لاحق مستقل عنه.

وإذا سكت الزوجان ولم يصرحا بالنظام المالي الذي يختارانه عند إبرام عقد الزواج، فان ذلك يعد منهما اختيارا لنظام الفصل في الأموال، باعتباره المبدأ والأصل، وعلى المأمور العمومي المحرر لعقد الزواج أن يذكر الطرفين بمحتوى هذا النظام و شروطه.

وينطبق نظام الاشتراك على العقارات المكتسبة بعد تاريخ الزواج والمعدة للاستغلال العائلي، ولا ينسحب أثره على المنقولات والعقارات غير المعدة للاستعمال العائلي على غرار العقار المعد للاستعمال المهني لأحد الزوجين، وكذلك على العقارات المكتسبة بعد الزواج بدون مقابل، أي بإرث أو هبة أو وصية أو ما شابه ذلك، ولو كان مخصصا لاستعمال العائلة.

ويتبين مما سبق بيانه أن نظام الاشتراك في الأملاك يسري فقط على العقارات المكتسبة بمقـابل مالي أثناء قيام العلاقة الزوجية، والتي هي معدة لمصلحة العائلة كأن تـكون مخصصة للسكنى المستمرة أو الفصلية؛ أو أن يكون العقار مسـوغ للغير وتنتفع العائلة من مداخيله

وقد نص الفصلان 14 و15 من قانون 9 نوفمبر 1998 إشهار نظام الاشتراك لإعلام الغير، وذلك بالتنصيص عليه في دفاتر الحالة المدنية للزوجين وفي مضامين دفاتر الملكية العقارية وشهادات الملكية.

ويجوز لكل من الزوجين أن يقوم بمفرده بكل الأعمـال التي يستوجبها حفظ الملك المشترك كالتسييج أو التعهد أو إبرام العقود اللازمة لذلك، غير أن بعض العقود لا يجوز إبرامها إلا بموافقة الزوجين كالبيع أو الرهن والكراء لمدة تتجاوز ثلاث سنوات، وذلك نظرا لأهمية هذه العقود التي قد تؤدي إلى التفويت في سكنى العائلة.

وينقضي نظام الاشتراك بانتهاء العلاقة الزوجية بطلاق أو وفاة أو فقدان احد الزوجين، أو كذلك أثناء قيام العلاقـة الزوجية رضائيا باتفاق الطرفين على انهاء الاشتراك أو قضائيا بالتجاء احدهما إلى الجهة القضائية المختصة من اجل إنهائه إذا اثبت أن الطرف الآخر قد أساء التصرف في الملك المشترك. ويقع عند ذلك تحديد الأملاك المشتركة وحصرها ثم قسمتها بين الزوجين أو احد الزوجين وورثة الزوج المتوفى أو المفقود بموجب قسمة قضائية أو اتفاقية.

لمزيد من التفاصيل يراجع:

-عمار عبد الواحد عمار الداودي: العلاقات بين الزوجين جدلية التقليد والتجديد في القانونين التونسي والمقارن، مركز النشر الجامعي بتونس، طبعة 2007، ص 424 وما بعدها.

[10] -نجية الشريف: قانون الاشتراك في الملكية بين الزوجين، منشورات الشركة التونسية للنشر وتنمية فنون الرسم، الطبعة الأولى 2003، ص17.

[11]وهو شخص يعهد له اجراء الاعمال اللازمة لتصفة مال مشترك، من استيفاء ما لها من حقوق عند الغير، وإيفاء ما عليها من ديون للغير، وبيع ما لا يتيسر قسمته، وتسليم الصافي الى الشركاء حسب نصيبهم.

[12]الفصل 24 من مجلة الأحوال الشخصية.

[13]– يلاحظ أن المشرع التونسي اعتبر أن العقارات المكتسبة بعد اختيار نظام الاشتراك في الأملاك هي عقارات مشتركة بين الزوجين، وهي قرينة قانونية بسيطة يمكن لكل من الزوجين أو للغير إثبات عكسها بجميع وسائل الإثبات،

وجدير بالذكر أنه ليس لأحكام نظام الملكية المشتركة المنظمة بالقانون عدد 91 لسنة 1998 المؤرخ في 09 نوفمبر 1998  أي مفعول رجعي إلا في صورة الاتفاق على الاشتراك بعقد لاحق لعقد الزواج ينص فيه الزوجان صراحة على توسيع نظام الاشتراك ليشمل المكاسب التي تعود ملكيتها إلى ما قبل الاتفاق على الاشتراك في الملكية أو تلك المتأتية ملكيتها من هبة أو إرث أو وصية.

 ـالطيب اللومي: دراسة حول القانون عدد 94 المؤرخ في 9 نونبر 1998 المتعلق بنظام الاشتراك في الأملاك بين الزوجين، مقال منشور بالمجلة القانونية التونسية، سنة 1999، ص:26.

[14]نصت الفقرة الرابعة من الفصل 10 “يمكن للزوجين، إن صرحا بذلك في العقد، اعتبار الاشتراك شاملا للعقارات التي تم اكتسابها بداية من تاريخ عقد الزواج.

كما يمكنهما الاتفاق علي جعل الاشتراك شاملا لجميع عقاراتهما، بما فيها تلك المكتسبة ملكيتها قبل الزواج وتلك المتأتية ملكيتها من هبة أو إرث أو وصية.

[15]  – قرار تعقيبي مدني عدد 38226 مؤرخ في 26 نوفمبر 2009.

[16]  وحسب الأستاذ الطيب اللومي فإن التاريخ المعتد به بالنسبة للغير هو تاريخ إدراج الإعلام بوقوع الطلاق من طرف ضابط الحالة المدنية بدفاتره بصفة فعلية.

ـ الطيب اللومي: دراسة حول القانون عدد 94 المؤرخ في 9 نونبر 1998 المتعلق بنظام الاشتراك في الأملاك بين الزوجين،  م. س، ص 42.

[17] – حسب الفصل 25 من قانون الاشتراك في الأملاك فإن قسمة الأملاك المشتركة تتم مناصفة بين الزوجين، بغض النظر عن نسبة مساهمة كل منهما في تنميتها، وفي حالة تجاوز الديون المترتبة عن هذه الأملاك لقيمتها فإنها توزع على الزوجين أو من بقي منهما على قيد الحياة وورثة الهالك مناصفة بينهما طبقا لأحكام الفصل 26 من هذا القانون.

[18]وهو أمر بديهي طالما أن مرحلة التصفية لا يتم اللجوء إليها على المستوى التطبيقي طالما لم يحدد المشرع اي جزاء عن عدم المرور بها كإجراء قبل طلب القسمة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق