في الواجهةمقالات قانونية

الخروج القضائي عن التوجه  التشريعي “جناية السرقة مع حمل السلاح نموذجا”

 

  • إنجاز الطالب الباحث :

                         معاذ فخصي

                         طالب باحث بسلك الماستر

                   ماستر القانون المدني والتجاري تخصص قانون الأعمال.

مقدمة:

تعتبر الظاهرة الإجرامية من الظواهر الخطيرة على المجتمع، وذلك لكونها تمس الإنسان مباشر في جسمه أو ماله أو عرضه، لأجل ذلك كان التدخل التشريعي فيها يقوم على مبادئ وقواعد حساسة ومتشددة.

وتعتبر جريمة السرقة بصفة عامة وجناية السرقة الموصوفة المقترنة بحمل السلاح بصفة خاصة[1]، من الجرائم التي خلفت استياء مجتمعيا كبيرا، لما أنتجته من انتشار وأضرار كبيرين، غير أن التوجه القضائي الناتج عنها والمتدخل لردعها كوظيفة من الوظائف التي يلعبها القضاء الجنائي بالخصوص، يؤخذ عليه أنه توجه يسير ومخفف إلى درجة كبيرة، مقارنة مع حجم الخسائر والأضرار الناتجة عن هذا الفعل الجرمي، لكن الغريب هو أن التوجه التشريعي الذي سلكه المشرع في القانون الجنائي بشأن السرقة المقرونة بحمل السلاح هو توجه صارم ومشدد جدا، حيث عاقب عليها وكما سنفصل في المقال بالسجن المؤبد. وهي عقوبة قاسية توضح غاية المشرع المغربي في تحقيق ردع مطلق وفاعل.

لأجل ذلك يتضح الاختلاف وعدم التوازن ما بين التوجه التشريعي الصارم من جهة، والتوجه القضائي اليسير المخفف من جهة أخرى.

ومن ثم فالإشكالية المحورية تتلخص كالآتي:  “إلى أي حد يمكن وصف التوجه القضائي في جريمة السرقة المقترنة بحمل السلاح خارج الشرعية النصية الجنائية”؟

                   وتنبثق عن هذه الإشكالية المحورية تساؤلات فرعية كالآتي:

  • كيف تناول المشرع جريمة السرقة المقترنة بحمل السلاح؟
  • ما دور ظروف التخفيف المنظمة أحكامها في القانون الجنائي بالتوجه القضائي لهذه الجريمة؟
  • كيف يكيف القضاء بسلطته المقررة قانونا وصف هذا الفعل الجرمي؟
  • وما هي أهم الأسباب والنتائج المترتبة عن هذه الأحكام المخففة؟

وفي إجابتنا عن كل هذه التساؤلات القانونية نقترح التصميم الآتي:

 

المبحث الأول: التوجه التشريعي في جريمة السرقة مع حمل السلاح

المبحث الثاني: التوجه القضائي في جريمة السرقة مع حمل السلاح

 

 

المبحث الأول: التوجه التشريعي في جريمة السرقة مع حمل السلاح

      نظم المشرع المغربي جريمة السرقة في الفصول من 505 إلى 522 من القانون الجنائي، فإن كان المشرع تحدث عن السرقة العادية كجنحة تأديبية معاقب عليها بالحبس من سنة إلى 5 سنوات، لكنه عاد ليتحدث عن ظروف التشديد لهذه الجنحة وعلى رأسها الفصل 507 (المطلب الأول)، غير أن القاضي الذي يقتنع بإسقاط ظروف التخفيف على الواقعة وجبه الامتثال لقواعد وأحكام الظروف القضائية المخففة المنصوص عليها في مجموعة القانون الجنائي (المطلب الثاني).

المطلب الأول: جريمة السرقة مع حمل السلاح وفق الفصل 507 من القانون الجنائي

جاء في الفصل 507 من القانون الجنائي ” يعاقب على السرقة بالسجن المؤبد إذا كان السارقون أو أحدهم حاملا لسلاح، حسب مفهوم مادة 303، سواء كان ظاهرا أو خفيا، حتى ولو ارتكب السرقة شخص واحد وبدون توفر أي ظرف آخر من الظروف المشددة. وتطبق نفس العقوبة، إذا احتفظ السارقون أو احتفظ أحدهم فقط بالسلاح في الناقلة ذات المحرك التي استعملت لنقلهم إلى مكان الجريمة أو خصصت لهروبهم”  يتناول الفصل 507 بالدراسة والتحليل جناية السرقة الموصوفة، فالحامل للسلاح سواء بشكل ظاهر علني، أو باطن مخفي من أجل السرقة، يعتبر سارقا بمفهوم الفصل 507، وقد أحال المشرع إلى الفصل 303 من القانون الجنائي والذي يعرف السلاح وتوسع في تحديده، فجاء فيه “ يعد سلاحا في تطبيق هذا القانون جميع الأسلحة النارية والمتفجرات وجميع الأجهزة والأدوات أو الأشياء الواخزة أو الراضة أو القاطعة أو الخانقة”

فكأن المشرع قد تعمد التوسيع من دائرة هذه الأسلحة لتغطية مغلب الحالات المتصورة في استعمال الأسلحة من أجل غرض جرمي، ويدخل السلاح الأبيض الذي يعتبر أكثر شيوعا في جريمة السرقة في حكم الأسلحة القاطعة التي تثبت معها هذه الجناية.

وفي تنبه كبير من المشرع وتنبؤ لواقع انتشار هذا الفعل الجرمي الكبير، عاقب على جريمة السرقة المقترنة باستعمال السلاح بالسجن المؤبد، كمظهر واضح لتشدد المشرع في العقاب ورغبة في تحقيق الأمن القانوني والردع العام، كأدوار رئيسية يقوم عليها الجزاء الجنائي، كما أنه وإن كان في فصول أخرى قد اشترط ثبوت أكثر من فعل للقول بالتشديد، كالفصل 509 من القانون الجنائي، فإنه وفي باب السرقة المقترنة باستعمال السلاح يقصر ذلك فقط على تحقق حمل السلاح لقيام الجريمة، بل وإن المشرع عاقب بنفس العقوية حتى لو احتفظ السارق بالسلاح في الناقلة ذات محرك المستعملة للنقل إلى مكان الجريمة أو التي خصصت لهروبه.

فالتوجه التشريعي إذن في جريمة السرقة مع استعمال السلاح توجه صارم لا في تكييفه ولا في عقوبته.

المطلب الثاني: السرقة مع حمل السلاح وظروف التخفيف.

    إن الأحكام والقرارات القضائية الصادرة بشأن جناية السرقة باستعمال السلاح[2]، جعلتنا نحاول البحث في الظروف القضائية المخففة وأحكامها، لعلنا نجد أساس قانونيا صريحا يعتبر مصدرا ليسر تلك الأحكام و القرارات، مقارنة مع التوجه التشريعي في الفصل 507 وعقوبته، ولقد نظم الشارع الجنائي ظروف التخفيف في المواد من 146 إلى 151 من القانون الجنائي، وأعطى السلطة التقديرية للقاضي لإقرارها مع التزامه بتعليل منطوقه، وقد حدد الفصل 147  وما بعده  المدد القانونية التي يمكن للقاضي الجنائي تفريد العقاب فيها من دون أن يتجاوز حدها الأقصى أو أن ينزل تخفيضه عن حدها الأدنى، وبما أن جريمة السرقة الموصوفة المقترنة باستعمال السلاح تأخذ وصف الجناية، وبما أن المشرع عاقب عليها بالسجن المؤبد، فإن المدة القانونية المحددة في الفصل 147 هي السجن ما بين 10 سنوات و 30 سنة، فالقاضي الجنائي وإن ارتأى بسلطته التقديرية تمتيع المدان بظروف التخفيف، فإن الحد الأدنى الذي يجب أن يحكم به هو 10 سنوات تطبيقا للفصل 147 ولشرعية ونصية القانون الجنائي، وهو عكس ما هو معمول به يوميا في الأحكام والقرارت الصادرة من المحاكم، مما يدفعنا للتساؤل عن الأساس القانوني الذي يأخذ به القاضي الجنائي في تعليله لهذه الأحكام والقرارات؟ وما هي أبعاد وخلفيات ذلك؟

 

المبحث الثاني: التوجه القضائي في جريمة السرقة المقترنة بحمل السلاح.

المشرع وكما اتضح لنا من خلال المبحث الأول، كان متشددا في الإقرار بعقوبة هذه الجريمة، سواء أ كانت العقوبة الموضوعة في الفصل 507 من القانون الجنائي، وهي السجن المؤبد، أو التي يسقط عليها القاضي ظروف التخفيف، وهي السجن ما بين 10 و 30 سنة وفق الفصل 147 من القانون الجنائي. لكن هذا التوجه التشريعي لا يقوم ولا يخرج إلى حيز التطبيق، دون تطبيق سليم له من القضاء، سواء في التكييف أو النطق بالعقوبة، ويتضح أن القضاء في أحكامه وقراراته قد شهد نوعا من التباين من جهة، واليسر والتخفيف من جهة أخرى (المطلب الأول). ولنا بشأن هذه الأحكام و القرارات تعليق ووجهة نظر متواضعة عنها (المطلب الثاني).

المطلب الأول: تحليل التوجه القضائي في جريمة السرقة مع حمل  السلاح

إنه وبعد إطلاعنا وقراءتنا للعديد من الأحكام و القرارات القضائية، خاصة تلك الصادرة من المحكمة الزجرية بالدار البيضاء، ومحكمة الاستئناف بالجديدة، ومحكمة الاستئناف بأكادير، نؤكد أن التوجه القضائي في السرقة المقترنة بحمل السلاح يعرف يسرا قضائيا كبيرا في التعامل مع هذه الجريمة مقارنة مع العقوبة المكرسة في الفصل 507، ومع الخطورة الإجرامية لهذا الفعل وانتشاره الواسع في دائرة الإجرام الوطني، فأحكام هذه المحاكم لا تكاد تتجاوز في حدها الأقصى 8 سنوات، أما الحد الأدنى فيها فيصل إلى الشهر والشهرين والثلاث من دون أي تناسب ما بين الحكم والفعل الجرمي. مما يجعلنا نطرح تساؤلات استنكارية عن كيفية خروج القاضي عن النص؟ وكذا التعليلات التي يستند إليها؟

نبدأ بمحكمة الاستئناف بأكادير في شخص غرفتها الجنائية الابتدائية، والتي في قراراتها لم تتجاوز 5 سنوات كحد أقصى للعقوبة الناطقة بها. وقد أخذت هذه المحكمة في بعض القرارات اتجاهات غريبة، وجاءت بما سمته باستبعاد الفصل 507، بعلة تحقق ظرفين من الظروف والأفعال المنصوص عليها في الفصل 509 من القانون الجنائي، فأعطت الأولوية للفصل 509 الذي يتحدث عن اقتران السرقة بظرفين من الظروف التي حددها هذا الفصل، بتعداد وضعه على سبيل الحصر لا المثال، فجاء في أحد تعليلات الغرفة الجنائية بمحكمة الاستئناف بأكادير “ وحيث يتعين استبعاد مقتضيات الفصل 507 من القانون الجنائي، لكون الجريمة قد ارتكبت بأكثر من ظرفين من الظروف المشار إليها في الفصل 509″[3]

أما المحكمة الزجرية بالدار البيضاء، فقد اتجهت في منحى واتجاه مختلف وأشد يسرا من ما أخذت به استئنافية أكادير، فمحكمة الدار البيضاء لا تكيف الجريمة هذه أنها سرقة موصوفة مقترنة باستعمال السلاح، وإنما تكيفها بوصفين مختلفين أو أكثر، الوصف الأول هو السرقة العادية المنصوص عليها في الفصل 505 من القانون الجنائي، وهي جنحة تأديبية يعاقب فيها المشرع بالحبس من سنة إلى 5 سنوات، أما الوصف الثاني فهو التهديد  باستعمال السلاح، وهي صورة من صور جنحة مستقلة الأركان والشروط أطرها المشرع الجنائي في الفصل 429 من القانون الجنائي، والتي عاقب عليها بالحبس من شهر إلى 3 أشهر فقط، كما تعطي غالبا وصفا ثالثا وهو الفصل 400 وجريمة الإيذاء باستعمال العنف، والذي عاقب عليه المشرع بالحبس من 6 أشهر إلى سنتين،  كما تعطي بعض الأحكام أوصافا أخرى باختلاف الوقائع كاستعمال المخدرات، والعنف، وتكوين عصابة إجرامية، فنصبح والحالة هذه أمام تعدد الأوصاف الجرمية في الفعل الواحد، هذا التعدد الذي يطلق عليه فقها التعدد الصوري للجريمة، أعطى المشرع حكمه في الفصل 118 من القانون الجنائي الذي جاء فيه “ الفعل الواحد الذي يقبل أوصافا متعددة يجب أن يوصف بأشدها”، وبذلك فالفعل الأشد هنا هو المتحقق في الفصل 505 وجريمة السرقة العادية التي يعاقب المشرع عليها بالحبس من سنة إلى 5 سنوات، لذلك نجد أحكاما صادرة عن المحكمة الزجرية بالدار البيضاء تتأرجح في عقابها ما بين السنة و الخمس سنوات، ومن أمثلة ذلك ما جاء في أحد هذه الأحكام “ … وبتاريخ الحادث تقدم منه السالف الذكر خلال فترة الصباح وبعدما تحوز بالسكين انطلق متن الدراجة النارية من نوع MBK SWING  سوداء اللون يجوبان الشوارع والأحياء بحثا عن الضحية وبشارع مقداد الحريزي أثار انتباهما الضحية وتوجها صوبه بعد أن ركنا الدراجة بإحدى الأزقة غير البعيدة عن الضحية، وتوجها صوبه واستفسره أول الأمر وبمجرد أن تجاوزه باغثه من الخلف وأحكم قبضته مستوى عنقه وشل حركته فيما مرافقه أشهر في وجهه السكين وبعدها سلم هاتفه النقال لمرافقه ولاذا بالفرار اتجاه الدراجة النارية وانطلقا متنها بسرعة مفرطة واستمرا في البحث والتربص لضحايا آخرين وسلكا نفس الشارع السالف الذكر وبمجرد وصولهما الخط 81 اثار انتباههما الضحية المسماة … وهي بصدد استعمال هاتفها النقال وقتها توجه نحوها أحدهم فيما مرافقه تكلف بالسياقة وعن طريق الخطف تمكن من سلبها الهاتف ولاذا بالفرار ….. تصرح المحكمة بمؤاخذة المتهم من أجل ما نسب إليه وتحكم عليه بعشرة أشهر حبسا نافذا وغرامة نافذة قدرها 500 درهم مع تحميله الصائر والإكراه البدني في أدنى أمده القانوني “[4]

فيلاحظ إذن وبالواضح الملموس عدم التناسب ما بين الفعل المرتكب والعقوبة المحكوم بها من طرف المحكمة، كما يلاحظ وضوح توفر الفعل على شروط الفصل 507 من القانون الجنائي مما يجعله هو الواجب التطبيق وهو التكييف الصحيح، ومن الأمثلة الواضحة كذلك والتي تبين عدم صحة التكييف من جهة وعدم التناسب ما بين الفعل والعقوبة من جهة أخرى، ما جاء في حكم لزجرية البيضاء والذي جاء فيه “ بناء على محضر الضابطة القضائية الذي يستفاد منه أن الشخص … كان في حالة غير طبيعية وتحت التهديد بالسلاح الأبيض استولى على الساعة اليدوية للضحية ومبلغ مالي قدره 1150 درهم، ثم أصابه بالسكين على مستوى رأسه وأدلى بشهادة طبية مدة العجز بها 22 يوم …. وبعد التأكد من هوية المنسوب إليه والشروع في استنطاقه فأكد استعماله للمخدرات وتبادل الضرب والجرح بالسلاح مع المشتكي … وحيث إن جنحتي استعمال المخدرات والضرب والجرح باستعمال السلاح قائمتين، وحيث إن جنحة السرقة ثابتة في حق المتهم بمقتضى تصريحه أمام الضابطة القضائية ….. تصرح المحكمة وهي تبث في القضايا الجنحية علنيا ابتدائيا حضوريا بمؤاخذة المتهم من أجل ما نسب إليه وتحكم عليه بسنة واحدة حبسا نافذا وغرامة مالية قدرها 500 درهم مع الصائر و الإجبار”[5]

وما لاحظناه عن الحكم الأول نلاحظه عن هذا الحكم، فالمتهم اعترف بحمل السلاح، ومحضر الضابطة القضائية يحتوي على اعترافات المتهم بذلك ووضوح نية المجرم في حمل السلاح واستعماله من أجل السرقة، مما يجعل الفصل 507 ثابت وواجب التطبيق والتكييف بناء عليه. كما أن العقوبة المحكوم بها والمتمثلة في سنة واحدة لا تتلاءم وجسامة الفعل موضوع النازلة.

أما الأحكام التي تحكم بمدة أقل من سنة، فإن أساس ذلك هو اقتناعها بتطبيق ظروف التخفيف على المدان بالوصف السالف الذكر، حيث أنه وحسب الفصل 149 من القانون الجنائي فإن الجنح التأديبية المعاقب عليها بالحبس أو الغرامة أو أحدهما، يجوز فيها للقاضي الذي اقتنع بتمتيع المدان بظروف التخفيف أن يفرد العقاب ما بين حد أدنى مدته شهر واحد، وحد أقصى مدته 5 سنوات، وبذلك فهو ينهج المنهج الصحيح نصا، لكن الخلل كل الخلل في التكييف المعتمد والذي لا يتلاءم والفعل الجرمي الممارس. ومن أمثلة هذه الأحكام التي نزلت فيها العقوبة إلى أقل من سنة، ما جاء في أحد الأحكام الصادرة عن زجرية الدار البيضاء الذي يتعلق أيضا بالسرقة مع استعمال السلاح لكن المحكمة كيفت الفعل حسب الفصل 505 المتعلق بالسرقة العادية، فجاء في نص الحكم “وحيث تبين من خلال ظروف القضية وملابساتها وما نطقت به وثائق الملف ومحتوياته أن الجزاء المقرر قانونا لجنحة المتابعة قاسيا خاصة غي حده الأدنى مقارنة مع درجة إجرام المتهم، مما ارتأى معه نظرا لظروفه الاجتماعية وتطبيقا لمقتضيات المادة 146 من القانون الجنائي تمتيعه بظروف التخفيف وبالنزول بالعقوبة الحبسية عن حدها الأدنى … فإن المحكمة تصرح علنيا ابتدائيا حضوريا بمؤاخذة المتهم عما نسب إليه، ومعاقبته بأربعة 04 أشهر حبسا نافذا وغرامة قدرها 500 درهم.”[6]

أما محكمة الاستئناف بالجديدة، فإن الأمر يختلف فيها عن ما هو معمول به في الدار البيضاء، لكن في شق العقوبة فقط، أما في التكييف فلا يكاد يخرج قضاء استئنافية الجديدة عن نفس الوصف المحدد في الفصول 505 و 400 و303 و429 وغيرها من القانون الجنائي، اللهم إن تحققت بعض الشروط المنصوص عليها في الفصل 509 واقترن الفعل بظرفين من تعداد ظروفها، فيحكم بعقوبات تتراوح ما بين سنة وخمس سنوات أو 5 سنوات و8 سنوات حسب التكييف المعتمد، ونفس ما لاحظناه عن استئنافية أكادير يلاحظ عن استئنافية الجديدة، فتسبق المحكمة تطبيق الفصل 509 على 507. وقد يتساءل متسائل عن كيفية تحديد العقوبة في 8 أو 5 سنوات بشأن جريمة ثابتة بالفصل 509 من القانون الجنائي الذي يعتبر حدها الأدنى 10 سنوات؟ فنقول أن الفصل 148 من القانون الجنائي تجعل من العقوبة إن اقتنع القاضي الجنائي بتمتيع الشخص بظروف التخفيف محددة في حد أدنى وأقصى ما بين 5 و 10 سنوات، فإن كيف قضاء الجديدة الجريمة بالفصل 509 فتكون قراراته في عقوبتها تتأرجح ما بين الخمس وثمن سنوات، أما إن تم تكييفها وفق الفصل 400 أو 505 مثلا، فجاء في تكييف أحد القرارات “ المتهم بجناية السرقة الموصوفة وجنح استهلاك مادة مخدرة وحمل السلاح بدون مبرر مشروع والعنف”[7] فلم تأخذ المحكمة بالفصل 507 وأخذت بجريمة السرقة الموصوفة فقط  لتحكم عليه بخمس سنوات، علما أنه قرار استئنافي، وأن الحكم الابتدائي قد أدانه بعقوبة أقصى قبل أن تخفضها الغرفة الاستئنافية. فجاء في منطوق الحكم بالعقوبة “حيث توبع المتهم وأدين من أجل المسطرة في حقه أعلاه. وحيث استند القرار المستأنف لإدانته من أجل السرقة الموصوفة على اعترافه تمهيديا وبكل تفصيل باقتراف عدة سرقات بمعية …  وحيث استند القرار لإدانته من أجل استهلاك مادة مخدرة وحمل السلاح بدون مبرر مشروع والعنف لاعترافه بذلك تمهيديا … في الموضوع: بتأييد القرار المستأنف مع تعديله بخفض العقوبة المحكوم بها على المتهم إلى خمس سنوات حبسا نافذا”[8]

المطلب الثاني: التعليق على التوجه القضائي في السرقة مع حمل السلاح

إنه وكما عالجنا في الفقرات السابقة، فالقضاء يتعامل بنوع من المرونة والليونة في العقوبة والتكييف المقرر لجريمة السرقة مع حمل السلاح، ونبدأ بتوجه محكمة الاستئناف بأكادير، ونقول أن الطريق الذي سلكته باستبعادها لتطبيق الفصل 507 بعلة ثبوت الفصل 509، واقتران الفعل بظرفين من ظروف تعداد هذا الفصل، هو توجه يحترم نعم، لكنه وحسب وجهتنا المتواضعة، خارج الشرعية الجنائية، ولا يقوم على أي أساس قانوني سليم وواضح، والغريب أن المحكمة وهي تعلل قراراتها، تتحدث عن مصطلح “الاستبعاد”، هذا المصطلح الذي وجب أن يكون قانونيا وله أساس يؤخذ عليه، فلو أن الفصل 509 مثلا نص على تطبيقه واستبعاد الفصل 507 في الحالة التي يثبت فيها ظرفين من ظروفه المحددة، لقلنا بصحة هذا القول وتلاءمه مع النص القانوني، ولكن وبعد محاولة استجلاء هذا التوجه من خلال النصوص القانونية المؤطرة في القانون الجنائي، لم نجد أي تفسير وأي أساس قانوني واضح لفكرة الاستبعاد هذه، بل إن الأساس الذي يجب على القاضي تطبيقه هو الفصل 118 من القانون الجنائي، والذي يتحدث عن تطبيق عقوبة الوصف الأشد في حالة تعدد الأوصاف في الفعل الواحد، والوصف الأشد هنا وبكل وضوح هو الفصل 507 المتعلق بالسرقة مع استعمال السلاح، وبذلك فهذه التعليلات التي تعلل بها محكمة الاستئناف بأكادير قراراتها لا تقوم من وجهة نظرنا المتواضعة على أساس قانوني سليم، وهنا نتساءل عن دور المحامي في نقض هذه الأحكام تحت موجب انعدام الأساس القانوني أو انعدام التعليل والذي يعطي الحق في الطعن بالنقض في القرارات المشوبة بهذا الموجب بمدلول البند 5 من المادة 534 من قانون المسطرة الجنائية؟

أما الخطير فهو أن محكمة الاستئناف بالجديدة وكما وضحنا سابقا، فهي تسير في نفس النهج والتوجه، لكن الفرق بينها وبين استئنافية أكادير، أنها لا تتحدث عن مصطلح الاستبعاد، وإنما تكيف الفعل حسب الفصل 509 وتحكم بموجبه مباشرة من دون أي إحالة للفصل 507 ولا توضيح لاستبعاده وأسباب ذلك، ومن تم يمكن الجزم أن التوجه القضائي لكلا هاتين المحكمتين هو توجه غير شرعي، يضرب بالصميم في مبدأ الشرعية النصية الجنائية كمبدأ أساسي ومهم في القانون الجنائي. كما أن القاضي والحالة هذه يتوسع في تفسير النصوص مما يضرب بمبادئ اعترف بها بل وأجمع عليها الفقه الجنائي وهي عدم جواز قيام قواعد القانون الجنائي على التفسير الواسع والقياس والتأويل، وأن استبعاد المحكمة للفصل 507 بعقوبته المرتفعة كاجتهاد منها، وتطبيق الفصل 509 بعقوبته المنخفضة مع تمتيع الجاني بظروف التخفيف، كلها تدخل من وجهة نظرنا الخاصة في الاجتهاد والتفسير والتأويل المحرم في القانون الجنائي.

أما عن توجه المحكمة الزجرية بالدار البيضاء، فهو توجه مردود أيضا وفيه نظر، لكنه وعلى الأقل يقوم على أساس قانوني واضح ومنطقي، فقضاء البيضاء لا يكيف الفعل أنه سرقة مصحوبة بحمل السلاح أصلا، وإنما يكيفه حسب سلطته المعطاة له قانونا سواء كان قضاء واقفا أو جالسا أنه فعل جرمي آخر، ويطبق ظروف التخفيف على الواقعة ويحكم بعقوبات مؤسسة على أساس قانوني سليم إن نحن قارناه مع فصول المتابعة، بيد أن هذه العقوبات الصادرة من زجرية الدار البيضاء، أقل ما يقال عنها أنها غير منسجمة مع ما تنتجه هذه الجريمة من آثار، فالأحكام الذي حاولنا الإحاطة بها نجد الضابطة القضائية فيها توضح في محاضرها قيام المجرم بحمل السلاح على الضحية واختلاس الأموال منها، وعلى الرغم من ذلك يتنكر قاضي التكييف لكل هذه الوقائع، ويكيف حمل السلاح هذا بجرائم أخرى مستقلة عن السرقة المنصوص عليها في الفصل 507 من القانون الجنائي، وهدفه في ذلك الإبقاء على إمكانية القول بعقوبة السرقة العادية بعد أن يعمل على الأخذ بالعقوبة الأشد، والخطير هو أن هذا القاضي لا يطبق الفصل 505 في عقوبته كما هي، بل ينزل عن حدها الأدنى، مؤسسا حكمه على ظروف التخفيف القضائية والمادة 149 التي تعطيه حق النزول إلى حد أدنى يصل إلى شهر واحد، وهذا لا يستقيم وطبيعة هذا الفعل ونتائجه، وبذلك فالتكييف القانوني الموكول للقاضي أن يقدره، والذي يتحول إلى تكييف قضائي، هو تكييف نعتبره من وجهة نظرنا المتواضعة غير قائم على أساس واقعي وتفريدي مع الجريمة والفعل المرتكب، فلا النيابة العامة ولا قضاء الحكم -بوصفهما جهاز قضائي له سلطة التكييف مع عدم نسيان مؤسسة قضاء التحقيق- وجبهم الأخذ بالتكييف السليم والملائم للواقعة من دون النظر إلى أبعاد وأسباب خارجية وغير قانونية، والغريب في الأمر هو أن المشرع الجنائي الإجرائي، حمى المتهم والمجتمع بضمانات متعددة في قانون المسطرة الجنائية، أهمها التعدد والاختلاف المؤسساتي في الإجراءات والمراحل القضائية، من نيابة عامة وقضاء تحقيق وقضاء حكم، فكيف أن الملف يمر من خلال كل هذه المؤسسات والمراحل الإجرائية، وكلها مؤسسات لها حق التكييف، ولا ينتبه إليه وإلى التكييف المعتمد والمعتل ومعيبيته أي مؤسسة من هذه المؤسسات؟ والحال أن الفعل الجرمي وحمل السلاح هو واضح وثابت، بل وأن الجاني في بعض الأحكام يعترف بحمله للسلاح ويقر بذلك، فكيف نغض الطرف عن الاعتراف وهو سيد الأدلة؟

 

خاتمة

صفوة القول في الأخير، أن المشرع الجنائي قد جاء بنصوص قانونية تستجيب وتتلاءم مع ما تنتجه جريمة السرقة مع حمل السلاح من آثار ونتائج، وذلك بتشدده في العقاب عليها، غير أن التوجه القضائي الذي يعتبر هو المكمل والمتمم لهذه النصوص والمطبق لها، شهد نوعا من اليسر وعدم التطبيق الصحيح لها، والحال أن الإحصائيات تثبت وبالملموس على أن السرقة المصحوبة بحمل السلاح تتربع على هرمية الجرائم الأكثر انتشارا وشيوعا في مملكتنا المغربية، كما أن هذه الأحكام القضائية تضرب عرض الحائط بمبدأ الشرعية القانونية، فيصبح القاضي المفترض فيه العلم بالقانون، هو أول من يضرب بهذا المبدأ المقدس جنائيا ويخل به. وأكثر من ذلك فإن هذا الوضع يؤدي إلى الضرب بمبدأ أساسي دستوري آخر، وهو مبدأ فصل السلط، لأن القاضي وعند خروجه عن النص الجنائي، يصبح وكأنه يخلق قاعدة قانونية جنائية جديدة بينما التشريع هو من اختصاص السلطة التشريعية، وما السلطة القضائية إلا مطبق ومكرس لتلك النصوص القانونية، خاصة في الميدان الجنائي. وعموما فالأمن القانوني والأمن القضائي غايتان ومطمحان يقومان على أساس الترابط والتكامل بين المؤسسات التشريعية والقضائية لتحقيق العدالة الجنائية المرجوة.

ونختم مقالنا المتواضع هذا ببعض الاقتراحات على الشكل الآتي:

  • حث القضاء وهو يتعامل مع هذه الظاهرة والنوع الإجرامي بشيء من الصرامة والتطبيق الحرفي لنص الفصل 507
  • تدخل السيد رئيس النيابة العامة بمناشير يحث فيها الوكلاء والوكلاء العاميين للملك ونوابهم بالحرص على وضع التكييف الصحيح وتتبعه أمام قضاء الحكم
  • حث المحاميين بوصفهم صناع القرار بالتأكيد في دفوعهم على التطبيق السليم للقانون في هذه النقطة ولجوءهم للطعن في القرارات المخالفة للقانون بالنقض
  • تدخل محكمة النقض لتوحيد التوجه القضائي
  • التفكير في وضع قانون يؤطر ما يمكن تسميته بالدفع بعدم دستورية الحكم القضائي على غرار مشروع القانون المتعلق بالدفع بعدم دستورية القوانين.

 

[1] – أعطيناها وصف الجناية لسبب ظرف التشديد المتعلق بها والذي يغير من نوع الجريمة بمدلول الفصل 113 من القانون الجنائي.

[2] – والتي ستكون موضوع التحليل والتمحيص في المبحث الثاني

[3] – محكمة الاستئناف بأكادير، قرار عدد 596 بتاريخ 2018/04/27 ملف جنائي ابتدائي عدد 17/2609/254، غير منشور

[4] – حكم ابتدائي صادر عن المحكمة الزجرية بالدار البيضاء بتاريخ 2017/06/11 عدد 6559 ملف جنحي تلبسي عدد 17/2103/5941، غير منشور

[5] – حكم ابتدائي صادر عن المحكمة الزجرية بالدار البيضاء بتاريخ 2018/01/12 تحت عدد 388 ملف جنحي تلبسي رقم 18/123 غير منشور

[6] – حكم صادر عن المحكمة الزجرية بالدار البيضاء عدد 5581 بتاريخ 2018/06/19 ملف جنحي تلبسي رقم 2018/2103/5351.

[7] – ملف جنائي استئنافي صادر عن محكمة الاستئناف بالجديدة عدد 17/2612/220 بتاريخ 2017/09/20 رقم 485، غير منشور.

[8] – نفس القرار الأخير.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق