تأملات في جريمة الإجهاض
Reflections on the Crime of Abortion
الباحث : أناس الخماس
طالب باحث في سلك الدكتوراه جامعة عبد المالك السعدي
كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، طنجة
مركز دراسات الدكتوراه: الدراسات القانونية والاقتصادية والتدبير والتنمية المستدامة والرقمنة
الدكتور : عبد الصمد عدنان
أستاذ محاضر مؤهل كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، طنجة
ملخص
يعد الإجهاض ظاهرة اجتماعية شديدة التركيب والتعقيد، يختلط فيها الموضوعي بالشخصي، والأخلاقي بالبراغماتي، وهو موضوع يمكن مقاربته من منظورات عدة، فهو من مشكلات الشأن العام لانعكاساته المجتمعية، وهو في الوقت ذاته شأن شخصي يرتبط بالأفراد وحريتهم في الإنجاب وتنظيم الخصوبة، وهو موضوع يتقاطعه العلم (الطب)، والدين، والأخلاق، والسياسة، وعلما الاجتماع والاقتصاد.
وتقع مشكلة الإجهاض في المغرب بين مطرقة الفكر المحافظ – خصوصا ذا المرجعية الإسلامية- والقانون الجنائي من جهة، وسندان ممارسة مغايرة تماما، بحيث يمارس بشكل واسع وبأرقام مهولة في السر وفي ظروف غير صحية، بل وغير إنسانية، وهو ما يبرز وجود بون شاسع وهوة سحيقة بين الخطاب المحافظ الذي يتبناه القانون، وبين الواقع المعاش، ودائما ما تكون فاتورة هذا الشرخ صحة المرأة بل وحياتها في بعض الأحيان.
وتحاول هذه الورقة البحثية مناقشة كيفية تناول المشرع المغربي لجريمة الإجهاض، ليس من خلال التدقيق في الفصول المنظمة لها، وإنما من خلال محاولة فهم الفلسفة التي على أساسها تم اختيار المقاربة الزجرية للتعامل مع قضية الإجهاض، والسياسة الجنائية في هذا الصدد، بالإضافة إلى عرض ومناقشة بعض أدلة المطالبين بالإبقاء على التجريم. هكذا فمن خلال مبحث أول سيتم التطرق باقتضاب إلى أهم ركائز النظام القانوني لجريمة الإجهاض، في حين سوف يتناول المبحث الثاني الأسس الفلسفية التي تبناها المشرع عند تنظيمه جريمة الإجهاض، وأدلة دعاة تجريمه والعقاب عليه.
الكلمات المفتاحية: الإجهاض، الإجهاض المأمون، فلسفة التجريم، المصلحة المحمية، الحق في الحياة.
Abstract
Abortion is a highly complex and intricate social phenomenon, where the objective intertwines with the personal, and the ethical with the pragmatic. It is a subject that can be approached from various perspectives. It is a public issue due to its societal implications, yet at the same time, it is a personal matter related to individuals and their freedom in reproduction and fertility regulation. It intersects with science (medicine), religion, ethics, politics, and the fields of sociology and economics.
The issue of abortion in Morocco lies between the hammer of conservative thought—especially that rooted in Islam—and the criminal law on one hand, and the anvil of a completely different practice, which is widely carried out in secret and under unhealthy, even inhumane, conditions. This highlights the vast gap and deep chasm between the conservative discourse adopted by the law and the lived reality. The price of this rift is always paid by women’s health and, at times, their lives.
This research paper attempts to discuss how the Moroccan legislator has addressed the crime of abortion, not by scrutinizing the articles regulating it, but by trying to understand the philosophy on which the punitive approach to dealing with the issue of abortion was chosen, and the criminal policy in this regard, in addition to presenting and discussing some evidence from those advocating for the retention of criminalization. Thus, the first section will briefly address the main pillars of the legal system regarding the crime of abortion, while the second section will discuss the philosophical foundations adopted by the legislator when regulating the crime of abortion, and the evidence from those advocating for its criminalization and punishment.
Keywords: abortion, safe abortion, philosophy of criminalization, protected interest, right to life.
المقدمة:
يعتبر الإجهاض ظاهرة اجتماعية مركبة، تلتقي فيها العوامل الأخلاقية والدينية والسياسية والاقتصادية والصحية، وهي ظاهرة ضاربة في القدم، عرفتها سائر المجتمعات، إذ يتفق المؤلفون على أن الإجهاض مورس منذ الأزل في جميع الحضارات ولأسباب مختلفة، بحيث يعود أول دليل مكتوب على ذلك إلى الإمبراطورية الصينية، منذ حوالي 5000 سنة قبل الميلاد، لما كانت خليلات الملوك تخضعن لعمليات الإجهاض بالاعتماد على مادة الزئبق ، كما توضح بردية طبية مصرية ترجع إلى سنة 1500 قبل الميلاد، تعرف باسم “بردية إيبرت” Papyrus d’Ebert ، تعليمات لإجراء الإجهاض؛ في حين كان قسم أبقراط ولايزال يحظر عمليات الإجهاض ، رغم أن بعض الكتابات المنسوبة لهذا العالم تصف بالتفصيل الأدوات المستخدمة لتوسيع عنق الرحم وكشط تجويف الرحم، إذ يروي أبقراط نفسه كيف قام بإجهاض مريضة ، ومن جهتهما كان أفلاطون وسقراط يؤيدان الإجهاض لأسباب اقتصادية واجتماعية . هكذا، خلال العصور القديمة، أنتج اليونانيون وكذلك الرومان والمصريون أدبيات تصف تقنيات الإجهاض .
أما التناول القانوني للمسألة فيختلف بحسب محددات وعوامل متعددة، منها ما هو ثقافي، وما هو أيديولوجي، ومنها ما هو ديموغرافي، ثم ما هو صحي؛ فعلى عكس الدول الغربية، تعتبر قوانين الإجهاض في إفريقيا والدول الإسلامية عموما جد مقيدة، وهي سبب مهم ومباشر للجوء النساء إلى طرق ووسائل الإجهاض غير المأمون، وقد ورثت تلك القوانين عن الفترة الاستعمارية، ورغم مرور عقود على الاستقلال، لا تزال المرأة في تلكم البلدان تخضع لذات القوانين، والتي استندت عند وضعها إلى اعتبارات ديموغرافية بالأساس، وأخرى وقائية ضد المخاطر التي كانت تتعرض لها النساء اللاتي يقمن بالإجهاض على يد “المشعوذين”، ما كان يتسبب في وفاة أعداد كبيرة من النساء.
ومن المفارقات القاسية أن ذات القوانين التي تم وضعها لمنع وفيات النساء في القرن التاسع عشر أصبحت أدوات موت للنساء في القرنين العشرين والحادي والعشرين.
أما في المغرب، وكما هو الحال في البلدان النامية بشكل عام، لا تزال الأساليب التقليدية للإجهاض مستخدمة، وغالبًا ما تكون مصدرًا لتعقيدات خطيرة على صحة الحامل؛ وبخصوص التنظيم القانوني، لم يكن المغرب قبل سنة 1913 يعرف تقنينا جنائيا بالمفهوم الوضعي والمعاصر، وإنما كانت بعض أحكام الشريعة الإسلامية كما استقر عليها فقهاء المذهب المالكي هي المطبقة، ثم عرف الأمر تغييرا في عهد الحماية، هكذا صدر ظهير 12 غشت 1913 الذي شرع بموجبه تطبيق القانون الجنائي والمسطرة الجنائية الفرنسيين أمام المحاكم التي أقامتها فرنسا بالمغرب، بالمناطق التي كانت خاضعة لنفوذها، وبالنسبة لمنطقة شمال المغرب صدر ظهيران، أولهما في 1 يونيو 1914 يقضي بتطبيق قانون العقوبات الخاص بالمنطقة الشمالية، وهو قانون العقوبات الإسباني، وثانيهما في 15 يناير 1925 يتعلق بتطبيق قانون العقوبات الخاص بمنطقة طنجة الدولية؛ ولم تكن هذه الظهائر تطبق سوى على الأشخاص الخاضعين لاختصاص هذه المحاكم، وهم الأجانب مبدئيا. أما المغاربة فكانوا يحاكمون أمام المحاكم المخزنية في القضايا الجنائية والتي لم تكن تخضع لقانون موضوعي أو إجرائي محدد، بحيث كان الباشا أو القائد يطبق بحسب الأحوال، إما أحكام الفقه الإسلامي أو الأعراف المحلية، أو يجتهد لإيجاد حل قانوني ملائم؛ وظل الأمر على هذا النهج إلى غاية صدور قانون جنائي ومسطرة جنائية في 24 أكتوبر 1953 يطبقان على المغاربة الخاضعين لاختصاص المحاكم المخزنية. ويمكن القول بأن تطبيق هذا القانون على المغاربة أنهى كل صلة لهم بتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية ، على أن الملاحظ طيلة هذه الفترة هو عدم تجريم الإجهاض. وفي 26 نونبر 1962 صدرت مجموعة القانون الجنائي التي لازالت سارية المفعول إلى غاية يومه بعدما طالتها مجموعة من التعديلات مع توالي السنوات، وهي المجموعة التي تأثرت بالإضافة إلى المصدر التشريعي التاريخي الذي هو القانون الفرنسي، ببعض القوانين الأجنبية الأخرى كالقانونين الدانماركي والألماني ، وقد تناولت مسألةٙ الإجهاض عشرة فصول انطلاقا من الفصل 449 وإلى غاية الفصل 458 من مجموعة القانون الجنائي.
والملاحظ أن الأحكام القانونية التي تؤطر الإجهاض لا توجد دائمًا في نفس الحقل القانوني في جميع البلدان، فالنصوص الأكثر شيوعًا التي تنظم مثل هذه المقتضيات هي مواد القانون الجنائي، لأن الإجهاض يعتبر جريمة، على الأقل خلال القرنين الماضيين. لكن، مع الحركات المختلفة لتقنين الإجهاض في جميع أنحاء العالم منذ النصف الثاني من القرن العشرين، لم يعد هذا هو الحال دائمًا، حيث أضحى بالإمكان العثور على الأحكام القانونية المتعلقة بالإجهاض في مجموعة متنوعة من النصوص، ففي الوقت الذي قامت فيه بعض البلدان بتكييف الأحكام التحريرية للإجهاض في صلب قوانينها الجزائية، قامت أخرى بسن قوانين خاصة منفصلة عن القانون الجنائي، فقد نجد قواعد الإجهاض مضمنة بقوانين الصحة العامة، أو قواعد الأخلاق والأدبيات الطبية؛ فمثلا، قد تشير مدونة أخلاقيات مهنة الطب إلى الظروف التي يكون فيها من المقبول أخلاقياً أن يقوم الطبيب بإجراء عملية الإجهاض. وأخيرًا، في بعض البلدان، خصوصا تلك التي بها قوانين عرفية، لا يخضع الإجهاض لقانون محدد، بل يتم تأطيره بمقررات قضائية.
هذا، ويتنامى وعي المجتمع الدولي ويتزايد اهتمامه بـخطورة الإجهاض غير المأمون وآثاره على المجتمعات بشكل كبير، ومن مظاهر ذلك، العدد الكبير من الاستشهادات في الأدبيات العلمية والتوصيات المتعلقة بالعديد من الاتفاقيات والمواثيق والإعلانات وغيرها من المنشورات الصادرة عن الأحداث والتظاهرات الدولية التي تنظمها هيئات الأمم المتحدة وباقي الهيئات العالمية.
ففي وقت مبكر من سنة 1967، أصدرت جمعية الصحة العالمية WHA القرار 20.41 الذي نص على كون عمليات الإجهاض” تشكل مشكلة صحية عامة خطيرة في العديد من البلدان…”، وطالبت المدير العام لمنظمة الصحة العالمية بالاستمرار في تطوير أنشطة منظمة الصحة العالمية في مجال الجوانب الصحية للإنجاب البشري. ومن جانبه، أشار المؤتمر الدولي للسكان والتنمية، المنعقد في القاهرة سنة 1994، ضمن برنامج عمله إلى أنه “لا ينبغي، تحت أي ظرف من الظروف، الترويج للإجهاض كوسيلة لتنظيم الأسرة”، ودعا في الوقت ذاته بقوة جميع الدول والمنظمات الدولية الحكومية وغير الحكومية إلى “معالجة تبعات عمليات الإجهاض غير المأمونة باعتبارها مشكلة صحة عامة رئيسية، والتدخل للحد من اللجوء إلى الإجهاض عن طريق توسيع وتحسين خدمات تنظيم الأسرة…”، وأوضح البرنامج كذلك أنه”… يجب دائمًا إعطاء الأولوية القصوى لمنع حالات الحمل غير المرغوب فيها، ويجب بذل كل الجهود للقضاء على الحاجة إلى الإجهاض… ” . ومن ناحية أخرى، في حالة الحمل غير المقصود، أضاف البرنامج أنه “… ينبغي أن تتاح للنساء اللاتي لديهن حمل غير مقصود إمكانية الوصول بسهولة إلى معلومات موثوقة ونصائح متبصرة…”. وفي حالة ضرورة اللجوء إلى الإجهاض، أوصى البرنامج بأنه”… في الحالات التي لا يحظرها القانون، يجب أن يتم الإجهاض بأمان، وفي جميع الحالات، يجب أن تحصل المرأة على خدمات جيدة لمعالجة المضاعفات الناجمة عن الإجهاض، ويجب تقديم خدمات الاستشارة والتعليم وتنظيم الأسرة على الفور، مما سيساعد أيضًا على تجنب تكرار عمليات الإجهاض” .
ولقد عزز المؤتمر العالمي الرابع المعني بالمرأة المنعقد في بيكين سنة 1995 توصيات المؤتمر الدولي للسكان والتنمية من خلال تجديد التأكيد على أهمية “… إدراك حقيقة أن الآثار اللاحقة لعمليات الإجهاض التي تتم في ظروف سيئة تشكل مشكلة صحة عامة كبيرة”، كما أكد على ضرورة علاج هذا الوضع على النحو الذي انتهى إليه المؤتمر الدولي للسكان والتنمية في الفقرة 8.25 من برنامج عمله ؛ كما ركز هذا المؤتمر على الجوانب الاجتماعية والديموغرافية للنساء اللواتي يلجأن إلى الإجهاض غير المأمون، وعلى أهمية تمكينهن من حقهن في الرعاية اللازمة، حيث نص في فقرته 97 على أن “عمليات الإجهاض التي تتم في ظروف سيئة تهدد حياة العديد من النساء، لا سيما النساء الأكثر فقراً والأصغر سناً اللائي يتعرضن لأكبر المخاطر، وهذه مشكلة صحية عامة خطيرة. وسيكون من الممكن منع الوفيات والأمراض والإصابات إذا أتيحت للمرأة إمكانية وصول أسهل إلى الخدمات الصحية الكافية …”. وإضافة إلى تماهيه مع توصيات المؤتمر الدولي للسكان والتنمية، لم يفت مؤتمر بيكين العالمي المعني بالمرأة إثارة مسألة التناول التشريعي لعمليات الإجهاض، عن طريق حث الحكومات على الشروع في مراجعة القوانين التي تنص على عقوبات ضد عمليات الإجهاض، وتعاقب النساء اللواتي يلجأن إليها .
ومعلوم أن المغرب خلال العشرية الأخيرة بصدد مراجعة مجموعة من قوانينه الداخلية في إطار مخطط إصلاح منظومة العدالة، وملاءمتها مع ما التزمت به المملكة عبر الاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها، ومن بينها مجموعة القانون الجنائي الذي لا زال مشروعه يراوح مكانه بسبب قضايا شائكة تهم بالأساس الحريات الفردية، وكذا قضية الإجهاض. كل ذلك في ظل الدينامية التي يعرفها المغرب، والتي يجسدها ما طرح ويطرح داخل النسق السياسي والاجتماعي المغربي من قضايا جِدالية وحساسة، تعكس التحولات التي عرفتها السنوات الأخيرة اجتماعيا، قيميا، سياسيا، اقتصاديا وحقوقيا.
وتحاول هذه الورقة البحثية مناقشة كيفية تناول المشرع المغربي لجريمة الإجهاض، ليس من خلال التدقيق في الفصول المنظمة لها، وإنما من خلال محاولة فهم الفلسفة التي على أساسها تم اختيار المقاربة الزجرية للتعامل مع قضية الإجهاض، ومناقشة بعض أدلة المنافحين عن الإبقاء على التجريم. هكذا ومن خلال مبحث أول سيتم التطرق باقتضاب إلى أهم ركائز النظام القانوني لجريمة الإجهاض، في حين سوف يتناول المبحث الثاني الأسس الفلسفية التي تبناها المشرع عند تنظيمه جريمة الإجهاض، والأدلة التي يدفع بها المنادون بضرورة الإبقاء على تجريم الإجهاض.
المبحث الأول: النظام القانوني لجريمة الإجهاض
إن الحديث عن النظام القانوني لجريمة الإجهاض يقتضي الحديث عن أركانها، وعن أعمال المساعدة عليها، وعن العقوبات المقررة لها، وظروف التشديد وأسباب الإباحة، لكن المجال لا يتسع لكل ذلك، حيث سيتم الاقتصار على أركانها، إذ الهدف هو إعطاء نبذة عن البنيان القانوني للجريمة قبل الانتقال للحديث عن الأسس الفلسفية التي قام عليها تجريم فعل الإجهاض ومناقشتها، لكن قبل هذا وذاك وجب التعريف بشكل موجز بمفهوم الإجهاض وأنواعه، وأسباب لجوء الحوامل إليه، وكذا بموضوع الجريمة الذي هو الحمل، وهو ما سيتناوله المطلب الأول.
المطلب الأول: ماهية الإجهاض
سوف يتم التطرق لتعريف الإجهاض، ولأنواعه، ثم إلى أسبابه في فقرة أولى، على أن تخصص الفقرة الثانية للحديث عن الحمل الذي يعتبر موضوع جريمة الإجهاض وجسمها، بل ويعتبره بعض الفقه ركنا من أركانها، ينضاف إلى الركنين المادي والمعنوي.
الفقرة الأولى: مفهوم الإجهاض
يعرف الإجهاض من طرف فقهاء القانون بكونه: “كل سلوك إيجابي أو سلبي متعمد من شأنه إنهاء حالة الحمل بموت الجنين داخل الرحم أو إخراجه منه سواء خرج حياً أم ميتاً وذلك قبل موعد ولادته” ، كما يعرف بكونه “إنهاء حالة الحمل قبل الموعد الطبيعي للولادة، عمدا وبلا ضرورة، بأي وسيلة كانت وفي غير الحالات التي أجازها الشرع” . ويعرفه الفقه الفرنسي بكونه “إعمال وسيلة اصطناعية تؤدي إلى نتيجة معينة لا وجود للجريمة بدونها، وهي طرد متحصل الحمل قبل أوان ولادته الطبيعية سواء خرج منه ميتا أو حيا ولكنه غير قابل للحياة” .
وعلى المستوى التشريعي، عزفت غالبية التشريعات عن تعريف الإجهاض، حيث اقتصرت على تنظيم أركان الجريمة وحالات الإباحة، والشروط التي يمكن أن يمارس فيها الإجهاض في تلكم الحالات.
أما على مستوى العمل القضائي، فقد عرفته محكمة النقض المغربية في قرار لها بكونه: “استعمال وسائل أو إعطاء مواد بغاية إيقاف نمو الجنين وإنزاله من بطن أمه قبل أوان ولادته مهما كانت مدة حملها، وسواء نتج عنه موتها أم لا” . كما عرفته محكمة النقض المصرية بكونه “تعمد إنهاء حالة الحمل قبل الأوان” .
وطبيا، يعرف الإجهاض بأنه “خروج محتويات الرحم قبل العشرين أسبوعا الأولى من الحمل”، بحيث يكون نزول ما في الرحم في الفترة الممتدة ما بعد الأسبوع العشرين إلى غاية الأسبوع الثامن والثلاثين ولادة قبل الأوان وليس إجهاضا . ويعرف أيضا بكونه “إنهاء لواقعة الحمل قبل قابلية الحياة
الإنسانية”، بحيث لا يمكن للطفل أن يكمل حياته خارج الرحم في هذه المرحلة الدقيقة . كما تعرفه منظمة العفو الدولية بكونه “عملا طبيا يضع نهاية للحمل”، وهو بهذا المعنى الأخير خدمة طبية أساسية للنساء .
أما بالنسبة لأنواع الإجهاض، فعادة ما يتم التميز بين العديد منها وفق معايير مختلفة باختلاف الحقل العلمي الذي تدرس من خلاله الظاهرة، ويقسمه أغلب فقهاء القانون إلى ثلاثة أنواع، أولها الإجهاض التلقائي الذي يحدث لا إراديا ولا دخل للمرأة الحامل ولا للطبيب فيه، وينتج عموما بسبب عدم استعداد الرحم لاستقبال الحمل، فيقوم بطرح نتاجه، وهو غالبا ما يحدث في الأشهر الأولى من الحمل، كما قد يحدث نتيجة خلل في البويضة الملقحة أو إصابة الرحم ببعض العيوب أو إصابة الأم جراء حادثة أو صدمة نفسية شديدة …؛ والنوع الثاني يسمى الإجهاض العلاجي ويسمى أيضا الإجهاض الطبي (IMG) ، وهو عمل طبي علاجي لإنقاذ حياة الأم أو صحتها البدنية أو النفسية متى ثبت أن الحمل يشكل خطرا عليها، وهو مباح في جل التشريعات بشروط معينة نظرا لكونه لا يشكل أي جريمة وإنما فرضته الحالة الصحية للمرأة الحامل؛ أما النوع الثالث، وهو مناط البحث، فيسمى بالإجهاض المفتعل أو الجنائي أو بناء على الطلب، كما يصطلح عليه في المنظومة الحقوقية الدولية باسم الإيقاف الإرادي للحمل (IVG) ، وهو الذي نظمه القانون وجرمته غالبية التشريعات، وهو إجهاض إرادي تتعمد المرأة أو الغير من خلاله إسقاط الجنين، سواء برضى الحامل أو دون رضاها، وهو غالبا يقترن بحمل ناتج عن علاقة غير شرعية، أو حمل غير مرغوب فيه لأسباب اقتصادية أو شخصية. ويميز فقهاء القانون في إطار هذا النوع من الإجهاض، بين ذاك الذي يرتكب من طرف الغير على المرأة الحامل، وبين إجهاض هذه الأخيرة نفسها بنفسها.
أما فيما يتعلق بالأسباب والدوافع المؤدية إلى الإجهاض، وهي على العموم مشتركة بين جميع مجتمعات العالم، مع بعض الخصوصيات التي تختلف باختلاف البيئة الاجتماعية التي يمارس فيها إيقاف الحمل، فهناك أسباب اقتصادية كالفقر وعدم القدرة على الإنفاق، أو شروط وظروف عمل المرأة الذي يكون في الكثير من الأحوال المصدر الوحيد لدخلها و لإعالة أسرتها؛ وهناك عوامل صحية، كحال الأمراض العضوية التي قد تعاني منها الحامل، من قبيل فقر الدم، و أمراض القلب التي يشق معها استمرار الحمل، وكذا الأمراض النفسية التي قد تصل بالحامل إلى حد الرغبة في الانتحار؛ كما قد تتعلق الظروف الصحية التي تدفع إلى التفكير في الإجهاض بالجنين نفسه، عندما يتبين أنه مصاب بأمراض أو بتشوهات خلقية خطيرة مستعصية العلاج. وقد تكون الأسباب شخصية، مرتبطة بالحامل أو بالزوجين وبظروفهما الاجتماعية، كحالة تعدد وكثرة الأبناء، أو تقارب الولادات، أو التقدم في السن. ثم قد تكون أخلاقية أو حفاظا على الشرف، كالأحوال التي ينتج فيها الحمل عن علاقة غير شرعية، إما رضائية أو غير رضائية، كما هو الشأن بالنسبة لحالات الاغتصاب، وزنا المحارم، والاعتداء على القاصر أو المرأة المعروفة بنقص قواها العقلية، الشيء الذي يدفع المرأة أو الفتاة إلى اللجوء إلى الإجهاض صونا لعرضها وسمعتها، وخوفا من سخط ووصم الأسرة والمجتمع. وأخيرا قد يكون سوء استعمال وسائل منع الحمل أو فشلها، السبب وراء لجوء العديد من النساء إلى الإجهاض كوسيلة أخيرة لتفادي الحمل غير المرغوب فيه.
الفقرة الثانية: موضوع جريمة الإجهاض (الحمل)
يعتبر وجود الحمل من عدمه مسألة طبية يعود أمر تقديرها للطب نفسه ، ولا يمكن تصور جريمة الإجهاض سوى خلال المدة الفاصلة بين وقوع الإخصاب وبين الولادة، إذ لا حديث عنه قبل تلقيح البويضة ولا بعد الولادة. لكن مع ذلك وجب تمييز الإجهاض عما يمكن أن يؤدي إلى نفس نتيجته من أفعال كتحديد النسل والقتل والإيذاء، حيث تطرح صعوبات بخصوص تحديد الوقت الفاصل بالضبط بينها وبين الإجهاض، لذا تبرز أهمية تحديد لحظتي بداية الحمل ونهايته.
فبخصوص لحظة بداية الحمل، يميز في إطار الفقه بين نظريتين:
• نظرية التلقيح:
يرى معتنقو هذه النظرية أن الحمل يبتدئ منذ اللحظة التي يتم فيها الإخصاب، أي ابتداء من وقت تلقيح الحيوان المنوي للرجل لبويضة الأنثى، وعليه فإن حياة الجنين بحسب هذه النظرية تنطلق منذ التلقيح، ويكون مشمولا بالحماية منذئذ، ويشكل محلا لجريمة الإجهاض، فلا يحتاج مرور مدة زمنية معينة، أو بلوغ مرحلة معينة من النمو والتشكل، وهذا التوجه هو ما ذهب إليه غالبية فقهاء القانون، ومستندهم في ذلك ما وصل إليه الطب من مشاهدة لمظاهر الحياة منذ بداية الإخصاب.
• نظرية العلوق:
وتسمى أيضا بنظرية الزراعة، إذ يرى من يتبنون هذه النظرية أن الحمل لا يبتدئ إلا في اللحظة التي تلتصق فيها البويضة الملقحة في جدار الرحم، وهو ما يتطلب مرور حوالي ثلاثة عشر يوماً من انتهاء عملية الإخصاب، وخلال هذه المدة تظل البويضة الملقحة في قناة الرحم مدة ثلاثة أيام قبل أن تنزل إلى الرحم وتستقر فيه لمدة عشرة أيام، ثم تلتصق عقب ذلك في جدار الرحم .
والملاحظ أن التشريعات العربية لم تتطرق صراحة لمسألة بداية الحمل، أما في التشريعات الغربية فنجد المشرع الإنجليزي مثلا قد حدد هذه اللحظة في قانون الخصوبة البشرية وعلم الأجنة، معتبرا لحظة التصاق البويضة الملقحة بالرحم والتي تحدث بعد أربعة عشر يوما تقريبا منذ حدوث الإخصاب هي بداية الحمل بالجنين وبدء تكونـه .
والحقيقة أن نظرية العلوق تبدو الأكثر رجاحة، ذلك أن مجرد الإخصاب بالتقاء المشيجين الذكري والأنثوي لا يؤدي بالضرورة إلى حمل، فقد تكون البويضة فاسدة، كما أن عملية العلوق قد لا تتم لسبب من الأسباب، فضلا عن أن القول بذلك يستتبعه توسيع دائرة التجريم، بحيث تصبح مجموعة من الأفعال المباحة مجرمة، من قبيل بعض وسائل منع الحمل التي تتمثل وظيفتها في منع العلوق ، وكذا ما يتعلق بإتلاف البويضات المخصبة الفائضة الناتجة عن التلقيح الاصطناعي.
أما فيما يخص لحظة انتهاء الحمل، التي تنتهي عندها الحماية الجنائية للجنين، فتحديدها لا يقل أهمية عن تحديد لحظة بدايته، فإذا كانت حياة الجنين محمية بجريمة الإجهاض طيلة المرحلة الجنينية التي يكون خلالها كيانا مرتبطا بأمه وغير مستقل، فإنه بانتهاء الحمل تنعدم صفة الجنين، ويصبح الكائن البشري
عندها إنسانا تحميه نصوص جنائية أخرى من قبيل جرائم القتل وقتل الأم لوليدها والعنف والإيذاء في صورها العمدية وغير العمدية، بحيث تكون حياته حينئذ مستقلة تماما، وينقطع ارتباطه برحم أمه.
إن الاختلاف الجوهري بين المركز القانوني للجنين والمركز القانوني للإنسان يترتب عليه اختلاف مناط الحماية المقررة لكل منهما، لذا كان لزاما تحديد اللحظة التي ينتهي فيها حمل الجنين لتبدأ معها الحياة الإنسانية؛ ويتأرجح تحديد لحظة نهاية الحمل بين نظريتين رئيسيتين، أولاهما تسمى نظرية تمام الولادة، وثانيهما نظرية بدء عملية الولادة.
• نظرية تمام الولادة:
بالنسبة لأنصار هذه النظرية لا ينتهي الحمل وينتقل من المرحلة الجنينية إلى طور الإنسان إلا بخروج الوليد بكامل جسمه حياً من رحم المرأة الحامل، بمعنى أنه خلال سائر أطوار عملية الولادة يظل محميا بالفصول القانونية المنظمة للإجهاض، ولا يعتبر إنسانا ذا كيان مستقل سوى عقب الانفصال عن أمه بالكامل.
ويعاب على هذا المعيار رغم وضوحه ودقته، تجاهله أن عملية الولادة قد تستغرق وقتا من الزمن معتبرا وغير يسير، يبدأ فيه الجنين بالخروج دون أن ينفصل عن أمه تماماً، فإن تسبب المولد أو أحد مساعديه في هلاكه أو إيذائه عن غير قصد، خرج ذلك عن دائرة التجريم، ذلك أنه لا يمكن القول بقيام جريمة الإجهاض كونها من الجرائم العمدية، كما لا يمكن المساءلة عن جريمة الإيذاء أو القتل غير العمديين، لأن محل هاته الجرائم هو الإنسان، والحال أن الوليد خلال عملية الولادة يظل جنينا وفقا لهذا الرأي، ولا تسري عليه القواعد القانونية المقررة لحماية الإنسان. وعليه فإن الحماية الجنائية للسلامة البدنية خلال هذه المرحلة تكون قاصرة وفق التفصيل الذي ذكر.
• نظرية بدء عملية الولادة:
يرى مؤيدو هذه النظرية أن الحمل ينتهي في الوقت الذي تظهر فيه علامات الولادة، أي عندما تبدأ الحامل بالشعور بعلامات الوضع من خلال تقلص عضلات الرحم، ويغدو الجنين مستعداً للخروج، وللحياة المستقلة، آنذاك تبدأ الحياة الإنسانية، ذات الأمر يصدق على حالة الولادة غير الطبيعية، حيث ينتهي الحمل عند بداية تطبيق الأساليب الطبية لإخراج الجنين؛ فالعبرة بوصول الجنين إلى المرحلة النهائية التي يكون فيها مهيأ للحياة بصورة مستقلة عن أمه .
وعليه يشمل المولود في الفترة التي تستغرقها عملية الولادة بالحماية الجنائية المقررة للأشخاص، ويعتبر الاعتداء على حياته جريمة قتل يعاقب عليها القانون سواء كان القتل متعمداً أو خطأ، لأنه وبمجرد بدء عملية الولادة أصبح إنساناً مستقلاً وبالتالي محلاً لجريمة القتل كغيره من الأشخاص.
والظاهر أن نظرية تمام الولادة تبدو أكثر تماسكا، ذلك أنه لا يمكن افتراض الوجود الإنساني للجنين وهو لا يزال حملا مستكنا لم ينزل بعد من بطن أمه، كما أن علامات الوضع تختلف من امرأة إلى أخرى، فقد تمتد إلى فترات طويلة تصل إلى الأيام، وقد تقصر وتستمر لحظات معدودة فقط، وقد يتم توهم هذه العلامات في حالات أخرى بما يجعل معيار بدء الولادة غير منضبط.
ومن التشريعات المقارنة القليلة التي عالجت مسألة تحديد نهاية الحمل نجد قانون العقوبات الكويتي الذي تبنى معيار تمام عملية الولادة لتحديد لحظة نهاية الحمل وبدء الوجود الإنساني، حيث اشترط نزول الجنين حيا حتى يصبح محلا لجريمة القتل .
أما المشرع المغربي فلم يعتد بعمر الجنين أو بمدة الحمل، ذلك أن الشرط الوحيد لقيام جريمة الإجهاض إثر اعتداء مادي على الحمل، هو ابتداء تكوين الجنين بتلقيح بويضة الأنثى بالحيوان المنوي للذكر، وعدم حلول موعد وضعه ، دونما تمييز بين ما إذا كان التلقيح طبيعيا أو اصطناعيا.
لكن، مع ذلك وجب التنبيه إلى أن عدم تحديد المشرع موقفه من لحظة بداية الحمل، أهي الإخصاب أم العلوق، وكذا عدم تحديده لحظة نهاية الحمل أهي بدء الولادة أم نهايتها، يشكل فراغا تشريعيا يتعين تداركه.
المطلب الثاني: أركان جريمة الإجهاض
على غرار سائر الجرائم، يشترط لتحقق جريمة الإجهاض توافر الركنين المادي والمعنوي، هذا ما سيكون موضوع الفقرتين المواليتين.
الفقرة الأولى: الركن المادي
لتحقق الركن المادي في جريمة الإجهاض، كباقي الجرائم ينبغي توافر سلوك إجرامي، هذا الأخير قد يكتسي في جريمة الإجهاض والجرائم المرتبطة بها صبغة أفعال إيجابية من قبيل الضرب والتدخل الجراحي ومناولة الحامل عقاقير أو مواد تؤدي إلى الإجهاض، أو شكل أقوال أو كتابات كما في حالة التحريض على الإجهاض والحث عليه والإرشاد إلى وسائله، وقد يكتسي شكل تصرفات معنوية من قبيل الترويع والترهيب والتهديد بالإيذاء أو القتل، كما قد يتحدد الفعل في شكل سلوك سلبي كالامتناع عن تقديم الطعام للحامل من طرف الزوج مثلا، أو الدواء الذي من شأنه تثبيت الحمل مع العلم بضرورته من طرف الطبيب أو الممرض؛ هذا في الأحوال التي يكون فيها الفاعل شخصا أجنبيا. أما في الحالة التي تكون فيها الحامل هي الفاعل في الجريمة، فبالإضافة إلى السلوك الإيجابي من قبيل تناول الأدوية والعقاقير أو حمل الأثقال أو ممارسة الرياضات العنيفة أو ارتداء الضيق من الملابس أو إدخال أدوات وأشياء داخل الرحم، يمكن أن يتحقق الإجهاض في شكل سلوك سلبي أيضا، كما هو الشأن بالنسبة لمن تمتنع عن الأكل أو تناول الدواء الذي تم وصفه لها لتثبيت الحمل.
وعلى العموم، فإن أغلب التشريعات التي تجرم الإجهاض عطفت عبارة ” أو أية وسيلة أخرى” على بعض وسائل الإجهاض المحددة على سبيل المثال لا الحصر، وذلك تفاديا للإفلات من العقاب، بشكل يخول قضاة الموضوع السلطة التقديرية في اعتبار الوسيلة المستعملة سببا للإجهاض أو لا، بعد استشارة ذوي الخبرة عند الاقتضاء، وهو ما أكده العمل القضائي المغربي .
وعليه، فلا أهمية للوسيلة المستعملة في الإجهاض، كما لا يشترط لقيام الجريمة أن يكون المتوسل به قادرا على تحقيق النتيجة الجرمية، إذ يكفي أن يصدر نشاط عن الفاعل على أية صورة كانت بنية تحقيقها.
كما أن المشرع المغربي لا يعتد بالمكان الذي حدث فيه السلوك الإجرامي فالجريمة تقوم سواء حدث الإجهاض في مستشفى عام أو خاص أو عيادة أو مسكن أو في أي مكان آخر، بخلاف بعض التشريعات المعاصرة التي تتطلب إجراء عملية الإجهاض في مستشفى عام (حكومي)، وتعتبر ذلك أحد الشروط للإعفاء أو التخفيف من العقوبة، كما هو الحال بالنسبة لتشريعات الدول الاسكندنافية وكذلك بعض الدول العربية، على غرار قانون العقوبات الكويتي الذي يمنع إجراء عملية الإجهاض لإنهاء الحمل خلا في المستشفيات الحكومية.
وبالإضافة إلى السلوك الإجرامي لابد لاكتمال الجريمة من تحقق النتيجة الإجرامية، وتتحقق هذه الأخيرة في الإجهاض بإنهاء الحمل قبل متم الأشهر الرحمية، يستوي بعد ذلك سواء أن يخرج الجنين ميتا من الرحم أو يمكث فيه فترة معينة قبل إخراجه، أو ينزل حيا قبل أوان ولادته جراء الاعتداء، وهو ما أكدته محكمة النقض المصرية في قرار لها جاء ضمن حيثياته:” إن الإسقاط هو تعمد إنهاء حالة الحمل قبل الأوان، وتتوافر أركان الجريمة ولو ظل الحمل في رحم الحامل بسبب وفاتها، وليس في استعمال القانون لفظ الإسقاط (الإجهاض) ما يفيد أن خروج الحمل من الرحم ركن من أركان الجريمة ذلك أنه يستفاد من نصوص القانون أن المشرع افترض بقاء الأم على قيد الحياة ولذلك استخدم لفظ الإسقاط ولكن ذلك لا ينفي قيام الجريمة متى أنهيت حالة الحمل قبل الأوان ولو ظل الحمل في الرحم بسبب وفاة الحامل” .
وأخيرا، يشترط وجود علاقة سببية بين السلوك الممنوع والنتيجة الإجرامية ، على أنه ينبغي ملاحظة كون العلاقة السببية ليست مشترطة في جميع حالات الإجهاض، وإنما يلزم توفرها في الحالات التي يتحقق فيها الإجهاض فعلا أما في العديد من الحالات الأخرى فلا، كما هو الشأن بالنسبة لمحاولة الإجهاض والتحريض عليه وبيع العقاقير والأدوية المؤدية للإجهاض.
بقيت الإشارة إلى أن رضا الحامل لا يعتد به ولا أثر له، ذلك أن المسؤولية الجنائية عن جريمة الإجهاض تقوم في مواجهة الفاعل ولو كانت الجريمة بطلب من الحامل نفسها، فلا مجال للدفع برضا الحامل بصريح نص الفصل 449 من م ق ج، وهو ما أكده القضاء في قرار جاء من بين حيثياته:” وحيث إن الفصل 449 من م ق ج يعاقب من أجهض أو حاول إجهاض امرأة حبلي أو يظن أنها كذلك برضاها أو بدونه وبالتالي فإن موافقة الضحية أو طلبها من المتهم إجراء إجهاضها لا ينفي عنه المسؤولية الجنائية” .
الفقرة الثانية: الركن المعنوي
تعتبر المسؤولية على أساس القصد هي الأصل في القواعد الجنائية العامة، واستثناء يمكن إقرار المسؤولية على أساس الخطأ، وعموما يتم الرجوع إلى النص المجرم لمعرفة نوع المسؤولية التي يقوم عليها الفعل المعاقب. وفي حالة سكوت المشرع عن بيان صورة الركن المعنوي المشترط، يعتبر ذلك رجوعا إلى الأصل واشتراطا للقصد الجنائي .
وإذا كان الركن المادي لجريمة الإجهاض هو الوجه الخارجي المحسوس للسلوك الإجرامي، المكون لها كما يصفه نص التجريم؛ فإن ركنها المعنوي هو الوجه الباطني النفساني للسلوك. ويعبر عن القصد الجنائي بالعمد، فهو علم بجميع مقومات الجريمة وإرادة للسلوك والنتيجة المترتبة عليه، والعلم هو حالة ذهنية أما الإرادة فهي حالة نفسية .
وجريمة الإجهاض ليست استثناء من هذه القاعدة، فهي من الجرائم العمدية التي تتطلب القصد الجنائي، ويتحقق هذا الأخير بانصراف إرادة الفاعل إلى ارتكاب الجريمة بجميع أركانها مع علمه بهذه الأخيرة جميعها. هكذا، يجب أن يكون الفاعل عالما بأن المرأة حامل، وأن الوسيلة التي سيستعملها من شأنها تحقيق الإجهاض. فجريمة الإجهاض والجرائم المرتبطة بها من الجرائم العمدية، والمشرع المغربي أسوة بأغلب التشريعات المقارنة، بنى المسؤولية الجنائية في هذه الزمرة من الجرائم على أساس العمد، بخلاف فقهاء المسلمين الذين وإن كان يتصور بعضهم إمكان وجود العمد في جريمة الإجهاض، إلا أن الغالبية لا تتصورها إلا على أساس الخطأ، لأن العمد المحض متوقف على العلم بوجود الجنين وحياته ثم بعد ذلك اتجاه النية إلى إزهاق روحه، وهو أمر يصعب تحققه، خصوصا إذا عُلم أن محل الجريمة الذي هو الجنين غير محقق.
ويرى أغلب الفقه الذي تأتى الاطلاع عليه أن قيام الركن المعنوي لجريمة الإجهاض غير متوقف على الباعث أو الدافع الذي بسببه يقدم الفاعل على ارتكاب الجريمة ، إذ يكفي لتحقق القصد الجنائي أن يثبت عنصرا العلم والإرادة، اللذين سيتم تفصيلهما فيما يلي.
• عنصر العلم:
إن العلم بالشيء يكون سابقا على اتجاه الإرادة إليه، لذلك يعتبر العلم العنصر الأول المتطلب لتحقق القصد الجنائي لدى المجرم. ولم يشترط المشرع المغربي العلم اليقيني بوجود الحمل وإنما اكتفى بالعلم المفترض، حيث استعمل في الفصل 449 من مجموعة القانون الجنائي عبارة: “من أجهض أو حاول إجهاض امرأة حبلي أو يظن أنها كذلك …”، بمعنى أنه يكفي أن يكون مرجحا لدى الفاعل أن الضحية حامل ليسأل عن جريمة الإجهاض في حال الاعتداء عليها بغرض إسقاط حملها بحسب ظنه واعتقاده.
وفي هذا الصدد، وجب التنبيه إلى ملاحظة لم تتطرق إليها الكتابات التي تسنى الاطلاع عليها، ويتعلق الأمر بمصطلح “يظن” الذي استعمله المشرع الجنائي المغربي عوض ” يفترض” الذي كان يتوجب استعماله، ذلك أن التدقيق في المسألة ينتهي إلى أن خطأ قد تسرب خلال ترجمة النص من الفرنسية إلى اللغة العربية ، بحيث إن الترجمة الدقيقة لكلمة ” supposée” هي “يفترض”، وما يؤكد ذلك هو أن
التشريع الجنائي الجزائري الذي ينهل من نفس مرجعية القانون الجنائي المغربي، والذي تم إقراره في ظروف مشابهة لهذا الأخير، يستعمل الترجمة الصحيحة .
ومعلوم أن افتراض أمر يعني اعتباره قائمًا ومسلّمًا به، أما الظن فيقتضي العلم بغير يقين، وهو ينطوي على الشك. ومن هنا، يتضح أن هناك فرقا بين المصطلحين يرتب آثارا قانونية بحسب المصطلح المعتمد، فعبارة “يظن أنها كذلك” مرتبطة بمعيار شخصي متعلق بذهنه الفاعل، أما عبارة “يفترض أنها كذلك” فهي مرتبطة بمعايير موضوعية مرتبطة بحالة الحامل نفسها، ومثاله حالة الزوج الذي يعتدي على زوجته، أو يناولها أدوية أو عقاقير بغرض إجهاضها، بعدما تبين من خلال تحاليل طبية أو اختبار سريع للحمل أنها حامل، والحال أن تلك الاختبارات كانت مشوبة بالخطأ، وكذلك حال من يعتدي على امرأة يفترض أنها حامل من خلال علامة انتفاخ بطنها التي تقتضي غالبا وجود حمل، والحال أن الانتفاخ يعزى إلى مرض عارض.
هكذا، يتضح أن أثر عنصر العلم يختلف بين الحالتين، بحيث إن كان يكفي للتصريح بإدانة الفاعل والقول بقيام الركن المعنوي في مواجهته في الحالة الثانية، أن تثبت جهة الاتهام وجود أسباب موضوعية تشير عادة إلى وجود حالة الحمل، فإن إثبات عنصر العلم في الحالة الأولى يبقى من الصعوبة بمكان، لأنه مرتبط بما هو مضمر في ذهن الفاعل، اللهم إلا إذا كان هنالك اعتراف صريح من طرفه، لذلك يصعب إثبات الركن المعنوي في جريمة الإجهاض في صورتها المستحيلة بحسب العبارة التي استعملها المشرع الجنائي المغربي في الفصل 449، ليتم تكييف الفعل في أغلب الأحوال على أنه عنف أو إيذاء في حق المرأة، وليس محاولة إجهاض.
ويمكن تفسير علة اكتفاء المشرع المغربي باعتقاد الفاعل أن المرأة حامل، ولو من باب الظن فقط، دون اشتراط تواجد حمل حقيقي، بكون تجريم الإجهاض لم يكن فقط حماية للجنين من الاعتداء، وإنما لحماية السلامة الجسدية للمرأة والذود عن حقها في الحياة أيضا .
• عنصر الإرادة:
فضلا عن عنصر العلم المشترط في جريمة الإجهاض، يتعين أن تتجه إرادة الجاني إلى فعل الإسقاط وقتل الجنين وإخراجه قبل الموعد الطبيعي لولادته حتى يعتد بقصد الجاني . وتعتبر الإرادة جوهر القصد الجنائي لأنها تتجه إلى تحقيق النتيجة الإجرامية. وينبغي التنويه بأن الإرادة ينبغي أن تكون حرة، ففي الحالات التي يؤتى فيها الفعل بسبب إكراه مادي أو معنوي فإن الفاعل لا يساءل عنه جنائيا.
فلكي تتأتى المساءلة الجنائية، ينبغي أن تتجه الإرادة إلى تحقيق نتيجة الإجهاض. فمثلا لا يتحقق القصد الجنائي إذا لجأ الطبيب إلى إخراج الجنين قبل موعد الولادة الطبيعية لضرورة طبية، لأن إرادته لم تتجه إلى الاعتداء على حياة وسلامة الجنين، وإنما إلى علاج الحامل، كذلك الحال عندما تكون نية المجرم الاعتداء على السلامة الجسدية أو النفسية للمرأة الحامل فقط، عن طريق تعنيفها أو تهديدها أو تخويفها، ثم ينتج عن ذلك إجهاض الجنين، إذ لا يسأل الفاعل في هذه الحالة سوى عن الجريمة التي انصرفت إرادته إلى تحقيقها.
ويطرح التساؤل عن الحالة التي لا تكون فيها إرادة الفاعل هي تحقيق نتيجة الإجهاض، لكن مع ذلك تتصور إمكانية تحققه، وهو ما يطلق عليه فقها اصطلاح القصد الاحتمالي . والجواب أن المشرع المغربي نص على تطبيقات للقصد الاحتمالي وهو بصدد تنظيم جريمة الإجهاض، ومثاله ما نص عليه في الفصل 449 في فقرته الأخيرة عندما شدد عقوبة الإجهاض في حالة وفاة الحامل دون نية الفاعل إيقاع الوفاة، ذلك أن الولادات عموما يحتمل معها وفاة الحامل، والإجهاض لا يشذ عن هذه الاحتمالية.
ومحصلة القول إن المشرع الجنائي المغربي عاقب كل من أجهض امرأة حبلى سواء برضاها أو بدونه، بغض النظر عن الوسيلة المستعملة في الإجهاض كما عاقب كل من يدلها أو يوجهها إليه، أو يجريه لها، أو يساعدها على ارتكابه، سواء أكان مهنيا كالطبيب والصيدلي ومن في حكمهما، أو شخصا عاديا من غير المهنيين، ويصنف الإجهاض بالأساس ضمن الجنح، لكنه يصبح جناية إذا نتج عنه موت المرأة الحامل. ويعاقب على محاولة الإجهاض بنفس العقوبة المقررة للجريمة التامة .
هكذا، وبعد بيان مفهوم الإجهاض وأنواعه وأسبابه، وأركان جريمة الإجهاض، يتعين الحديث عن الأسس التي اعتمدتها غالبية التشريعات التي تعاقب على هذا الفعل، أو بمعنى أدق الحديث عن الأسس التي اعتمدت في إقرار السياسة الجنائية الحالية بخصوص جريمة الإجهاض، وهو ما سيشكل موضوع المبحث الموالي.
المبحث الثاني: فلسفة تجريم الإجهاض
تتشكل السياسة الجنائية من مجموع المبادئ والتصورات والمناهج والوسائل القانونية التي تعتمدها الدولة لمعالجة الظاهرة الإجرامية والتعامل معها، ضمن سياساتها العامة، في ظروف اجتماعية وسياسية واقتصادية وثقافية خاصة بفترة زمنية محددة .
ومتأمل النصوص القانونية المنظمة لجريمة الإجهاض، سواء في القانون الجنائي المغربي أو التشريعات الجنائية المقارنة، سيلاحظ من الوهلة الأولى أن الغايات التي من أجلها شرعت تلكم النصوص متعددة، فموضوع الإجهاض بما هو شأن مجتمعي، تتعدد الأطراف المتدخلة فيه، وبالتالي تتنازعه مصالح عدة قد تتماهى أحيانا، وقد تتعارض أحيانا أخرى، وينتج عن اختلاف المصلحة مناط الحماية آثار قانونية مهمة.
هكذا، سيتم التطرق في مطلب أول إلى المصالح التي حاول المشرع حمايتها من خلال إقرار نصوص قانونية تجرم فعل الإجهاض، على أن يخصص المطلب الثاني لمناقشة الأدلة التي يرتكز عليها المنادون بالتجريم أو بالأحرى الإبقاء عليه، والتي يفترض أن المشرع قد تبناها عند عقابه على الإجهاض.
المطلب الأول: المصالح مناط الحماية
لم تنظم القوانين الجنائية جريمة الإجهاض ضمن نفس الزمرة، فمنها من أفرد لها بابا في نطاق جرائم الأخلاق والآداب باعتبارها جريمة ماسة بالأخلاق، كحال قانوني العقوبات الأردني والسوري، ومنها من صنفها ضمن الجرائم الواقعة على الأشخاص باعتبارها تطال آحاد الناس (المرأة أو الجنين أو كليهما)، وهو حال قوانين العقوبات بكل من الكويت والإمارات وليبيا وموريتانيا والسودان وتونس، أما المشرع المغربي فقد نص على جريمة الإجهاض في مستهل الباب الثامن من مجموعة القانون الجنائي تحت عنوان “في الجنايات والجنح ضد نظام الأسرة والأخلاق العامة”، على غرار المشرع الجزائري الذي تعد نصوصه الجنائية المنظمة للإجهاض نسخة طبق الأصل من نظيرتها المغربية، وذلك بالنظر إلى وحدة المصدر.
أيضا تختلف التشريعات في تناول البنيان القانوني لجريمة الإجهاض، فمثلا منها من يشترط صراحة خروج الجنين ميتا لتحقق جريمة الإجهاض كحالة المشرع المصري، في حين أن تشريعات أخرى ، كالمغربي والجزائري لا تتطلب مثل هذا الشرط، ومرد الاختلاف هو غاية التشريعات من تجريم الإجهاض أصلا، هل هي حماية حياة الجنين، أم ضمان تطور الحمل بشكل طبيعي داخل رحم المرأة الحامل، فمن تبنى الغاية الأولى وصل إلى نتيجة مؤداها أن الجريمة لا تقوم إلا بوفاة الجنين، أما من أخذ بالفرض الثاني فينتهي إلى القول بقيام الجريمة كلما انقطع تطور الحمل بوسيلة غير طبيعية، وإن لم ينتج عن ذلك وفاة الجنين.
وعموما يمكن تصنيف المصالح موضوع الحماية في جريمة الإجهاض مصالح خاصة متعلقة أساسا بحقوق الأفراد، وأخرى عامة متعلقة بالمجتمع.
الفقرة الأولى: المصالح الخاصة
يعتبر حق الجنين في الحياة الحق الأساسي الذي تهدف القوانين إلى حمايته عبر تجريم فعل الإجهاض، وبالتالي فهو أهم المصالح المحمية، بحيث يعاقب على كل الأفعال المادية التي من شأنها المساس بهذا الحق، أيا كانت الوسيلة المستعملة، ومهما كان الشخص الذي يأتيها، ولعل تجريم إجهاض المرأة لنفسها دليل على أن المصلحة مناط الحماية هي حق الجنين في الحياة، ذلك أن الأم ليس لها التنازل عن هذا الحق نيابة عنه. وينضاف إلى حق الجنين في الحياة، حقه في النمو الطبيعي داخل الرحم، والذي يعتبر متفرعا عن الحق في الحياة، ذلك أن الولادة قبل الأوان بوسيلة غير طبيعية، سيكون لها بكل تأكيد تأثير سلبي على الحياة الطبيعية للإنسان، سواء من حيث البنية الجسمانية، أو المناعة الذاتية، فتكون حماية مصلحة النمو الطبيعي في جوهرها حماية للحق في الحياة الطبيعية والسليمة مستقبلا.
كما أنه من خلال تجريم الأفعال المؤدية إلى الإجهاض أو التي من شأنها إيقاعه، تهدف القوانين أيضا إلى حماية حق المرأة الحامل في سلامتها الجسدية، لذلك نجد بعض القوانين الجنائية تشدد العقوبة في الأحوال التي تقع فيها جريمة الإجهاض عن طريق العنف، كما هو الشأن بالنسبة لقانون العقوبات المصري . أيضا فأغلب التشريعات جعلت من وفاة الحامل ظرفا مشددا، بل إن المشرع المغربي جعل منه ظرفا يتغير بموجبه تكييف الجريمة من جنحة إلى جناية، هكذا بعد أن أقرت الفقرة الأولى من الفصل 449 من مجموعة القانون الجنائي عقوبة جنحية لجريمة الإجهاض، جاءت الفقرة الثانية من ذات الفصل لتنص على أنه: “إذا نتج عن ذلك موتها، فعقوبته السجن من عشر إلى عشرين سنة”. ونفس الشيء ينطبق على تجريم محاولة الإجهاض في صورتها المستحيلة من خلال نفس الفصل الذي جاء فيه: ” من أجهض أو حاول إجهاض امرأة حبلى أو يظن أنها كذلك…”، فلا مجال في هذه الصورة للحديث عن حق الجنين في الحياة أو النمو نظرا لعدم وجوده أصلا، لتبقى المصلحة المحمية في هذه الحالة هي حياة وسلامة المرأة.
ويمتد نطاق الحماية ليشمل كذلك السلامة النفسية للمرأة الحامل، التي تتأثر أثناء الإجهاض كما تظل آثاره تلازمها لفترات طويلة لتدخل في حالة من الاكتئاب، حيث لوحظ عموماً أن النساء اللاتي أجهضن أصبحن أكثر عرضة من غيرهن للإصابة بالأمراض النفسية .
كما أن حق المرأة في الإنجاب واستمرار قدرتها عليه في المستقبل يعد مصلحة مشمولة بالحماية، فمن المخاطر المباشرة للإجهاض وخصوصا الذي يتم في ظروف غير صحية أو بواسطة وسائل عنيفة، التسبب في العقم والتقليل من القدرة على الإنجاب لاحتمال حدوث ولادات مبكرة أو إجهاضات تلقائية متكررة، فالمرأة الحامل التي تتعرض للإجهاض تكون قابلة أكثر من غيرها للإصابة بمخاطر الحمل وتعقيداته في المستقبل.
والأكيد أن إباحة كل التشريعات للإجهاض في حالة الخطر على حياة الأم، وإباحته من طرف أغلبها في حالة الخطر على صحتها، دليل على أن الحق في حياة وصحة الأم مصلحة معتبرة تستحضرها جميع التشريعات التي تؤطر الإجهاض ، بل وهي مصلحة تقدم على حق الجنين في الحياة عند التعارض، لاعتبارات موضوعية، أهمها أن الأم هي الأصل وأن حياتها محققة، في حين أن حياة الفرع الذي هو الجنين ليست كذلك.
الفقرة الثانية: المصالح العامة
يعتبر التكاثر عن طريق التناسل أساس بقاء الجنس البشري واستمراره، ومن هذا المنظور، تكون مسألة الخصوبة والتحكم فيها شأنا مجتمعيا في الجوهر وإن ظهر للوهلة الأولى أنها مسألة تخص الأفراد، والإجهاض بما هو قضية تدخل في هذا الإطار، ينبغي على القوانين التي تنظمه استحضار مصلحة المجتمع في الحفاظ على استمراريته وبنيانه، عن طريق استمرار ركيزته الأساسية المتمثلة في النوع البشري.
وبالرجوع إلى أصول تجريم الإجهاض في التشريع المغربي، نجدها مستوحاة كغيرها من غالبية النصوص القانونية من المصدر التاريخي المتمثل في القانون الفرنسي، وبالاطلاع على خلفيات هذا الأخير، نجد أن السبب الأول الذي على أساسه تم سن مقتضيات تجرم فعل الإجهاض هو حماية مصلحة المجتمع الفرنسي في التكاثر ضمانا لاستمرار الدولة والأمة الفرنسية، وذلك من أجل التحكم في الخصوبة، فخلال الحرب العالمية الأولى، كانت الأمومة القسرية قضية وطنية كبرى، حيث تم تبني سياسة قمعية، هكذا صدر في عام 1920 قانون يعاقب أي محاولة إجهاض وأي دعاية مناهضة للحمل، لتصبح المرأة في المتزوجة، بدون وسائل لمنع الحمل ودون القدرة على الإجهاض، خاضعة لواجب جنسي لتحفيز الخصوبة في البلاد . وفي عام 1923 تم تعزيز قانون 1920 حيث زادت العقوبات المفروضة على الإجهاض بشكل كبير. وفي عام 1942، فرض نظام فيشي عقوبة الإعدام على ممارسي الإجهاض، وأعلن أن الإجهاض “جريمة ضد أمن الدولة”، كما تم إحداث مجلس نقابة الأطباء بموجب نفس النظام، من أجل تطبيق إجراءات تأديبية محددة على الممارسين بالإضافة إلى التدابير الجنائية. ومن سنة 1945 إلى غاية سنة 1955 استؤنف النمو السكاني، ليتم إلغاء عقوبة الإعدام بخصوص جريمة الإجهاض، ومنذ عام 1955، ثارت الطبيبات والمثقفات وأفراد من الحركات الإنسانية المسيحية والمعارضون من الحزب الشيوعي ضد هذه السياسة، وأنشؤوا حركة “الأمومة السعيدة” التي كان غرضها الأساسي الدفاع عن تحديد النسل من أجل الصحة الجسدية والنفسية للعائلات، واستمر الوضع على ما هو عليه إلى غاية صدور قانون سنة 1975 الذي كان اللبنة الأولى لتحرير الإجهاض بفرنسا.
ويعتبر تجريم بعض الأفعال من قبيل التحريض على الإجهاض والإرشاد إليه وإلى وسائله سواء تحقق أم لم يتحقق، وبيع الأدوية والمواد والأجهزة والأشياء المعدة للإجهاض أو عرضها للبيع أو توزيعها حتى وإن لم تكن قادرة في الواقع على تحقيقه، ودونما اشتراط تحقق استعمالها، دليلا على أن المشرع يهدف الحماية من تداول تلكم الوسائل وتداول ثقافة الإجهاض عموما، وذلك حماية لحق المجتمع في التكاثر والنمو، لأن وجود حمل في هذه الجرائم أمر غير مشترط.
المطلب الثاني: أدلة المنادين بالإبقاء على التجريم
بعد الحديث عن المصالح مناط الحماية من خلال تجريم فعل الإجهاض في المطلب الأول، سيحاول هذا المطلب بسط أهم أدلة التيار المنادي بتجريم الإجهاض، أو بالأحرى الإبقاء على تجريمه، كما سيحاول مناقشة مدى صحتها وتماسكها، فمن خلال فقرة أولى سوف يتم التطرق إلى الأدلة الشرعية المستندة حسب آراء أصحابها إلى الشرعة الإسلامية الغراء، ثم سيتم الحديث عن الأدلة الطبية من خلال فقرة ثانية.
الفقرة الأولى: الأدلة الشرعية
من أقوى ما يركن إليه القائلون بضرورة تجريم الإجهاض وإبقاء القيود عليه، أن الإسلام حرم الإجهاض على اعتبار أن الجنين به روح، وأن قتل النفس لا يكون إلا بالحق مصداقا لقوله تعالى: “ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق” ، وقوله عز جل: ” ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقكم وأياهم” . ولأن المجال لا يسعف لسرد جميع ما جاء في أقوال فقهاء المذاهب الإسلامية عبر العصور في مسألة الإجهاض، فإن الحديث سيقتصر على تقديم لمحة عامة عن أهم الآراء دونما تفصيل.
إن مدار الحكم بشأن الإجهاض لدى أغلب الفقهاء المتقدمين ينصب حول مسألة نفخ الروح، وقد اختلفوا في توقيت ذلك بين من قال بأنه عند اليوم الأربعين من بداية الحمل، وبين من قال إنه في اليوم المئة والعشرين، ويؤسس كلا الرأيين قوله على أحاديث المصطفى عليه الصلاة والسلام، على أن الرأي الراجح لدى أغلب الفقهاء هو الثاني . ومعلوم أن مسألة نفخ الروح غيبية انفرد بها الله تعالى في علمه، لا ارتباط لها ولا تعارض مع ما وصل إليه العلم من مظاهر الحياة التي تطال البويضة منذ تخصيبها.
ويكاد ينقل الإجماع عن فقهاء الإسلام القدامى والمعاصرين على تحريم إجهاض الجنين بعد نفخ الروح تحريما مطلقا بأي حال من الأحوال، خلا استثناء وحيد يتمثل في الحالة التي تتعرض فيها حياة الأم لخطر الموت بسبب استمرار حملها للجنين، إذ لا يمكن التضحية بالأم لحماية الجنين ، ذلك أن الأولى تمثل الأصل والثاني يشكل الفرع، ثم إن حياتها محققة، في حين أن حياته ليست كذلك، والترجيح المذكور بناه الفقهاء على أساس قاعدتي “أخف الضررين” و “الحاجة تنزل منزلة الضرورة.”
أما قبل نفخ الروح فقد اختلفوا، وهم ينقسمون في ذلك إلى ثلاثة آراء:
طائفة أولى، يمثلها جمهور المالكية والإمام الغزالي من الشافعية وابن رجب الحنبلي من الحنابلة، وغيرهم من بعض فقهاء المسلمين وهم يحرمون الإجهاض منذ اللحظة التي تستقر فيها النطفة في الرحم.
وطائفة ثانية، ترى بجواز الإجهاض إذا كان الجنين لم يتخلق بعد، أي لم تظهر له أعضاء، وهم يحددون وقت التخليق في أربعين يوما استناد إلى حديث حذيفة ابن أسيد الذي رواه الإمام مسلم .
ثم طائفة أخيرة، تقول بجواز إسقاط الجنين قبل نفخ الروح فيه، على اعتبار أن الروح هي مناط الحياة الإنسانية المعتدى عليها بالإجهاض، ونقل في ذلك أقوال لبعض الحنفية كابن عقيل، والحنابلة كابن عابدين، وكذلك الإمام الرملي من الشافعية، كما أباح الإمام السبكي إجهاض حمل الزنا ما دام نطفة أو علقة .
وخلاصة دراسة الرؤية الشرعية لموضوع الإجهاض تؤول إلى كونه في الحقيقة مسألة أخلاقية لم تحرمه النصوص الصريحة من القرآن والسنة المطهرين، فبالأحرى تجريمه، كما أن قدماء السادة الفقهاء الذين تطرقوا له اختلفوا في كل ما يتعلق به، ابتداء من الوقت الذي فيه يتم نفخ الروح في الجنين، مرورا بحكم الإجهاض بحسب اختلاف مراحل تخلق الجنين وتطوره، وانتهاء بالعقوبة المقررة في حق من يأتي فعل الإجهاض مقدارا وعلى من تجب ولمن تجب، على أنه ينبغي استحضار أن أغلبهم اعتبروا الإجهاض فعلا غير عمدي ولم يتصوروا فيه العمد لكون محله الذي هو (حياة الجنين) غير محقق.
أما المعاصرون من فقهاء المسلمين، فقد تأثروا بما وصل إليه العلم والتكنولوجيا عموما، وعلوم الطب بالخصوص، فذهب منهم من ذهب إلى التحريم نظرا لما أثبتته تلكم العلوم من مظاهر الحياة المبكرة لدى الجنين، كما أنهم وإن أقروا بما سبقهم إليه السلف من كون الروح تنفخ في مرحلة متأخرة، إلا أنهم اعتمدوا في التحريم على ما سيؤول إليه الجنين فيما بعد من حياة إنسانية، متوسلين رؤية مقاصدية، على أن هناك أقلية منهم ممن يقارب المسألة مقاربة اجتماعية واقعية، ويستدل بما استدل به السلف من أدلة الجواز قبل نفخ الروح، خصوصا في حالات الاغتصاب وزنا المحارم وتشوه الجنين أو إصابته بأمراض خطيرة.
ثم إن من الأدلة الشرعية للمنادين بالتجريم، أن إباحة الإجهاض ستمكن من إخفاء آثار العلاقات غير الشرعية، وبالتالي لن يبقى هناك وازع أو رادع يمنع من استشراء هذه الأخيرة في المجتمع، وذلك بناء على فكرة مفادها أن العلاقة بين إباحة الإجهاض وانتشار الفوضى الجنسية تكاد تكون علاقة السبب بالمسبب، وأن إباحة الإجهاض وانتشاره يؤديان إلى انتشار الفاحشة وانتشار الفاحشة يؤدي إلى الإجهاض .
والحقيقة أن الحجة المذكورة بها الكثير من التهافت، وذلك يمكن البرهان عليه من عدة أوجه، لكن سيتم الاقتصار على وجهين اثنين، أولهما أنه إذا كان من البديهي والمنطقي أن انتشار العلاقات غير الشرعية وارتفاع نسبتها، ينتج عنه بالتبعية ازدياد في أعداد ونسب حالات الإجهاض، فإن العكس لا يمكن استنتاجه بداهة، بل يحتاج دراسات حقيقية ومعمقة، وذلك لانتفاء رابطة منطقية بين الأمرين، فحتى إن لوحظ ارتفاع نسب العلاقات غير الشرعية في المجتمعات التي تبيح الإجهاض، فإن ذلك لا يعني أن ذلك يعزى إلى إباحة الإجهاض بالضرورة، بل إن كثرة العلاقات غير الشرعية قد تكون لها مسببات أخرى
ثقافية أو اجتماعية أو اقتصادية أو قانونية، ودليل ذلك أن دولة فرنسا مثلا تبيح الإجهاض، وبها نسب عالية من العلاقات غير الشرعية، لكن أيضا بها نسب عالية من الأطفال غير الشرعيين الذين بلغت نسبتهم ما يفوق 60٪ من الولادات داخل البلد، ما يعني أن العلاقات خارج إطار الزواج ثقافة متجذرة في المجتمع الفرنسي، وأنها غير متعلقة بالإجهاض أو باستمرار الحمل؛ أما الوجه الثاني لدحض الفكرة، فهو كون العلاقات غير الشرعية مستشرية أصلا، وهو أمر أضحى مشاهدا ومعاشا ولم يعد سرا يمارس في الخفاء وخوفا من الفضيحة، فسواء في الفضاءات العامة، أو في وسائل الإعلام، أو في مواقع التواصل الاجتماعي، لا يحتاج المرء لكثير من التأمل أو التفكير ليلاحظ أن هناك تطبيعا شبه تام مع المسألة، وأنها أضحت أمرا عاديا يمارس جهارا من مختلف فئات المجتمع العمرية والطبقية و الفكرية، ولا أدل على ذلك ما تزخر به صفحات الجرائد والبرامج الإذاعية والتلفزية من أخبار الفضائح الجنسية و من علاقات تربط بين مشاهير خارج إطار الزواج، ولعل الدعوات الحثيثة إلى رفع التجريم عن العلاقات الجنسية الرضائية، والتي لا تقتصر على أفراد فقط، بل تتبناها قيادات سياسية وشخصيات في مناصب المسؤولية، بل ومؤسسات دستورية، لخير دليل على أن العلاقات الجنسية خارج إطار الزواج لم تعد محصورة أو مجرد ظاهرة، بل أصبحت موغلة في المجتمع المغربي، رغم وجود تشريع جنائي يقيد اللجوء إلى الإجهاض، بل ويعد من بين التشريعات الأكثر صرامة في هذا الصدد على مستوى العالم.
كما أن من استدلالاتهم عند القول بضرورة الإبقاء على تجريم الإجهاض، مسألة تكثير سواد الأمة تطبيقا لوصية المصطفى عليه الصلاة والسلام ، والخطر الذي يتهدد البنيان الديموغرافي للبلاد، وهو أيضا استدلال عليه اعتراضات، فإذا كان الإجهاض مجرما خوفا من تناقص عدد السكان، كان من الأولى والأجدر المناداة بتجريم استعمال وسائل منع الحمل واللجوء إليها، والحال أن هذه الأخيرة ليست فقط مباحة بل هي موضوع تشجيع وتأطير من خلال سياسات واستراتيجيات وطنية ومؤسساتية. ثم إن هناك سؤالا جوهريا حول نوع الإنسان المقصود تكثير سواد الأمة به؟ فإذا كان الأطفال الناتجون عن علاقات غير شرعية إما رضائية أو جرمية من قبيل الاغتصاب وزنا المحارم، مع الوصم والنظرة الدونية التي تواكبهم منذ ولادتهم ابتداء من الأسرة وانتهاء بالمجتمع ومؤسساته، وما يستتبعه ذلك من انحرافات في الشخصية والسلوك، هم المقصودون بتكثير سواد الأمة، فالأمر يطرح أكثر من علامة استفهام.
الفقرة الثانية: الأدلة الطبية
بالإضافة إلى الأدلة الشرعية، يدفع دعاة التجريم بكون الإجهاض عنفا يمارس على المرأة في كل الأحوال، ذلك أن الدراسات الطبية في المجتمعات الغربية التي أجريت على النساء اللواتي أجرين إجهاضا لأي سبب من الأسباب، تشير إلى أنهن عانين من مشاكل نفسية من قبيل اضطرابات ما بعد الصدمة، والشعور الشديد بالذنب، وحالات من الكآبة والسوداوية . أيضا لا يخلو الإجهاض حسبهم من مخاطر ومضاعفات على الصحة الجسدية للمرأة، من قبيل النزيف الحاد وتمزق الرحم والإصابة بالعدوى. أيضا، هناك مخاوف طبية من أن تكرار عمليات الإجهاض يمكن أن يؤثر على صحة المرأة على المدى الطويل، من خلال زيادة خطري العقم والإجهاض مستقبلا، وبالتالي التأثير على خصوبة المرأة.
وجواب ذلك أنه إذا كان الهاجس طبيا محضا، فإنه يجب استحضار كون الإجهاض يمارس فعلا بشكل يومي وبأعداد مخيفة، وليس شيئا مفترضا ينبغي توقيه، بل هو واقع مرير معاش فعلا، وأن له قنواته وشبكات متخصصة فيه، تستفيد من مآسي النساء وتتاجر في صحتهن، وأن منع تقديمه كخدمة صحية عمومية وفي العلن، يدفع من يلجأن إليه إلى إجرائه سرا، في ظروف تفتقر إلى أدنى شروط الصحة والسلامة والنظافة، بل والآدمية، ولا يبالغ المرء إن هو وصف بعض محاولات الإجهاض التي تجرى سرا، خصوصا تلك التي تمارسها الحامل على نفسها، بمثابة محاولة انتحار .
فالإجهاض يمارس على نطاق واسع، وهو يمارس بعدة أماكن كالمنازل، ومحلات من يتعاطون ممارسة الإجهاض (المشعوذون، الممرضون، القابلات…)، وعيادات الأطباء المتخصصين وغير المتخصصين وفي المصحات، وقد يتم باستعمال وسائل التخدير أو دونها، في غياب تام لشروط النظافة والصحة التي ينبغي أن تتم فيها مثل تلكم العمليات، وعليه فمقاربة الموضوع من منظور صحي، تفضي إلى تكثيف الجهود لمحاربة الإجهاض السري، أو “الإجهاض غير المأمون” كما تطلق عليه منظمة الصحة العالمية، فالإجهاض كان ولا يزال وسيظل ممارسة شائعة، تقبل عليه النساء في مختلف الأعمار ومن مختلف الفئات الاجتماعية، سواء كن عازبات أو متزوجات أو محترفات للجنس، لذا فالمصلحة الطبية تقتضي تقليل المخاطر الناجمة عن الإجهاض، بدل المطالبة بالعقاب عليه – وهي السياسة التي أثبتت فشلها- عبر تقديم خدمة طبية من طرف مختصين، في بيئة صحية علنية، تراعى فيها كرامة المرأة وصحتها الجسدية والنفسية، بعد مساعدتها على اتخاذ قرار الإجهاض أو عدمه من خلال توفير استشارة ومواكبة متبصرة، مع تقييد وترشيد اللجوء إليه بشروط موضوعية بطبيعة الحال.
وفي هذا الصدد، ترى منظمة الصحة العالمية، أن تعذّر إتاحة الرعاية الجيّدة في مجال الإجهاض يعتبر انتهاكاً لطائفة من حقوق الإنسان التي هي حقوق النساء والفتيات، من قبيل الحق في الحياة، والحق في التمتع بأعلى مستوى ممكن مـن الصحّة البدنية والنفسية، والحق في الاستفادة من التقدم العلمي وإعماله، والحق في اتخاذ قرار حر ومسؤول بشأن عدد الأطفال والمباعدة بين الولادات وتقرير موعدها، والحق في عدم الخضوع للتعذيب أو المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة .
أيضا من الأدلة الطبية التي يستند عليها دعاة التجريم أن الجنين يمكنه الشعور بالألم في مراحل مبكرة من الحمل، وذلك بسبب تطور جهازه العصبي في مراحل مبكرة، وبناء على ذلك يتم تقديم الإجهاض كعمل غير إنساني لأن الجنين قد يتألم أثناء إسقاطه، وهو ما يُعتبر تعذيبًا لكائن غير قادر على الدفاع عن نفسه.
لكن في الحقيقة، يُعتبر الجدل حول شعور الجنين بالألم في مراحل مبكرة غير مدعوم بشكل كافٍ من الناحية العلمية، وهو يستخدم كأداة ضغط أخلاقية ونفسية على النساء. ففي هذا الصدد، أصدر الحاكم الجمهوري في ولاية يوتا الأميركية سنة 2016 قراراً يقضي بتخدير الأجنة التي سيجرى إجهاضها بعد الأسبوع العشرين من الحمل قبل البدء بعملية الإجهاض، مبرّراً ذلك بأن الأجنة يشعرون بالألم ابتداءً من الأسبوع العشرين من حصول التلقيح؛ وقد قوبل هذا القرار باستنكار مجموعة من الأطباء في يوتا، معتبرين أن الجنين لا يشعر بالألم خلال الإجهاض ابتداءً من الأسبوع العشرين، وأنه وإن تم التسليم جدلاً بشعوره بالألم، فإن المرأة الحامل تُخدّر قبل البدء بعملية الإجهاض، ويكون الجنين أيضاً تحت تأثير المخدّر، وعليه فالحديث عن مخدّر إضافي مخصّص للجنين في رأيهم، لا أساس علمياً له، وهو ليس سوى دعاية متهافتة من الحزب الجمهوري المسيحي المحافظ. وقد نشرت مجلة الاتحاد الطبي الأميركي مقالاً علمياً يخلص الى أنّ الجنين لا يشعر بأي نوع من الألم في المراحل التي غالباً ما يتمّ الإجهاض خلالها، وذلك لعدم تكوّن النظام الذي يمكّن الجنين من الإحساس بالألم في المراحل الأولى من الحمل، بالإضافة إلى أن النظام الذي يمكّن الجنين من الإحساس بالألم لا يعمل في المراحل الأولى من تكونه لاحقا. ويضيف الأطباء كتاب المقالة بأنّ الشعور بالألم يحتاج لوعي نفسي وجسدي بالمحفزات المؤلمة، وأن إدراك الجنين للألم غير مرجّح قبل المرحلة الثالثة من الحمل أي ابتداءً من الشهر السادس .
خاتمة
إن المعالجة التشريعية لأية مسألة اجتماعية تفترض بالضرورة إصدار حكم تقييمي على الوقائع التي يرى المشرع ضرورة تنظيمها، مع استحضار إلزامية تماهي القانون مع الواقع الاجتماعي . هكذا، فالتشريعات الجنائية وهي بصدد بحث السبل الكفيلة بمكافحة الظواهر الإجرامية، تعتمد مسألتين، تتمثل أولاهما في التجريم، وهي عملية تحديد السلوكات الممنوعة اجتماعيا؛ أما الثانية فتتمثل في العقاب، وخلالها يتم تحديد نوع العقوبات الأصلية والإضافية وكذا البديلة عند الاقتضاء، بالإضافة إلى التدبير أو التدابير الوقائية، التي يمكن أن تشكل جزاء ملائما لإتيان السلوك المجرم.
وهو يقوم بالعمليتين المذكورتين، يكون المشرع بطبيعة الحال مدفوعا ومؤطرا بدوافع واعتبارات معينة، ويهدف إلى حماية مصالح محددة، وتشكل الفلسفة التي هيمنت عليه أثناء معالجته لموضوعي التجريم والعقاب ما يصطلح عليه بـ «السياسة الجنائية«.
لقد عرف المشرع المغربي الجريمة في الفصل 110 مجموعة القانون الجنائي بكونها ” فعل أو امتناع مخالف للقانون الجنائي ومعاقب عليه بمقتضاه”، واعتبار سلوك ما جريمة أم لا، مرتبط بما يحدثه، سواء كان إيجابيا أو سلبيا، من اضطراب اجتماعي، وذلك بصريح نص الفصل الأول من ذات القانون الذي نص بالحرف على أنه:” يحدد التشريع الجنائي أفعال الإنسان التي يعدها جرائم بسبب ما تحدثه من اضطراب اجتماعي ويوجب زجر مرتكبيها بعقوبات أو بتدابير وقائية”.
ويطرح التساؤل حول مدى احترام المشرع الجنائي المغربي هذه القواعد التي اشترطها على نفسه فيما يتعلق بجريمة الإجهاض، وبتعبير آخر، هل فعل الإجهاض – والحديث هنا عن الإجهاض الإرادي أو المفتعل- يحدث اضطرابا اجتماعيا موجبا للتجريم والعقاب؟ هل المرأة التي تقدم على الإجهاض لاعتبارات تراها هي ضرورة، تعتبر مجرمة، بالمعنى الحقيقي للإجرام بما هو تهديد لاستقرار المجتمع ولنظامه العام؟
تقضي المرأة في المتوسط خمس سنوات من حياتها وهي حامل، أو تحاول الحمل، أو بعد الولادة، بينما تقضي ثلاثين سنة في محاولة تجنب الحمل ، ويبرز ذلك مدى أهمية أعداد وحالات الحمل غير المرغوب فيها في حياة المرأة. ويظهر أيضًا أن جميع الأعمار خلال فترة الخصوبة للمرأة، من المرجح أن تندرج ضمن فئة “تجنب الحمل”. وباعتباره مشكلة صحية عامة، يُدرج الإجهاض ضمن الأسباب الخمسة الرئيسية لوفيات الأمهات .
تضاف إلى هذا المعطى حالات تعتبر المرأة الحامل فيها أمام ضرورة واقعية تدفعها إلى البحث عن سبل للتخلص من حملها، تزكيها الاعتبارات السيكولوجية المتمثلة في الحالة النفسية التي تكون عليها، ومن هذه الحالات حالة الحمل الناتج عن جرائم الاغتصاب وهتك العرض بالعنف أو دونه، وكذا حالات زنا المحارم، أيضا قد تجد الحامل نفسها أمام حالة الضرورة في الأحوال التي تكتشف فيها أن الجنين الذي في بطنها به تشوهات خطيرة أو أمراض فتاكة يستحيل أن يعيش معها حياة سوية.
ولا شك أن التشدد في تجريم الإجهاض، يؤدي بالنساء والفتيات إلى اللجوء إليه في سرية خوفا من العقاب والفضيحة على حد سواء، وهو الأمر الذي ينطبق على مهنيي الصحة، اللذين يستنكفون عن تقديم الخدمة في العلن لذات الدواعي.
ويؤدي السياق السري الذي يتم فيه تنفيذ أغلب عمليات الإجهاض إلى تفاقم المخاطر على صحة الحامل وحياتها، حتى عندما يتم ذلك في بيئة خاضعة للإشراف، ليس فقط بسبب قلة الدعم خلال المراحل المختلفة (قبل وأثناء وبعد الإجهاض)، ولكن أيضًا بسبب طريقة ونوع الاتصال الذين يتم إنشاؤهما بين الحامل والجهة التي يتم الإجهاض تحت إشرافها ، لذلك فإن الإجهاض ينبغي أن يصير خدمة صحية تقدم في العلن، وأن يتم التكفل بحالاته في إطار استراتيجية وطنية واضحة المعالم، في ميدان الصحة الإنجابية، على غرار خدمات أخرى من قبيل الأمراض المنقولة جنسيا. فكما أن هناك تكفلا مؤسساتيا بداء السيدا مع ما يعكسه ذلك من تطبيع مع العلاقات الجنسية خارج إطار الزواج، وممارسة البغاء، ينبغي التكفل أيضا بحالات الإجهاض ومواجهة الواقع المجتمعي وعدم اعتماد سياسة الهروب إلى الأمام.
وإذا كانت هذه المقالة قد ركزت بالأساس على بيان أهم مرتكزات البنيان القانوني لجريمة الإجهاض، وعلى الفلسفة وراء تجريم هذا الفعل، فإنه ينبغي الإشارة إلى أن النقاش حول مسألة الإجهاض يندرج في إطار أكثر شمولية، وهو ذاك المرتبط بالحريات الفردية وبمنظومة القيم، كما أن وضع قيود شديدة على إمكانية اللجوء إلى الإجهاض له آثار عديدة وتكلفة باهظة ينبغي مساءلة السياسة الجنائية بشأنها، هذه النقاط سوف تكون موضوع مقالة لاحقة، بمثابة جزء ثان لهذا البحث بإذن الله تعالى، حينها فقط يمكن تسليط نظرة شبه متكاملة على الموضوع، تمكن من الخروج ببعض الخلاصات والتوصيات.
لائحة المراجع:
المراجع باللغة العربية:
د. عبد الواحد العلمي، شرح القانون الجنائي المغربي (القسم الخاص)، الطبعة العاشرة 1442هـ/2021 م.
د. عبد الواحد العلمي، شرح القانون الجنائي المغربي، القسم العام، الطبعة العاشرة، سنة 2022.
د. نور الدين العمراني، الوجيز في شرح القانون الجنائي العام، دون ذكر الطبعة.
د. مأمون الرفاعي، جريمة الإجهاض في التشريع الجنائي الإسلامي: أركانها وعقوبتها، دراسة فقهية مقارنة، جامعة النجاح للأبحاث، العلوم الإنسانية، مجلد 25، سنة 2011.
د. باسم محمد الشرجي، الإجهاض بين التجريم والإباحة، دراسة مقارنة، الطبعة الأولى، 1439/2018.
د. كمال الربيشي، جريمة الإجهاض بين النص القانوني المغربي والواقع العملي والتعديلات المأمولة، أطروحة دكتوراه، جامعة القاضي عياض، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، مراكش، السنة الجامعية 2018/2019.
ذ. حبيب إمسكار، الإجهاض بالمغرب بين التقنين والتحريم، رسالة لنيل دبلوم الماستر، جامعة المولى إسماعيل، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، مكناس، السنة الجامعية 2010/2011.
ذة. سناء عثمان الديسي، الاجتهاد الفقهي المعاصر في الإجهاض والتلقيح الصناعي، الطبعة الرابعة، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت لبنان 2010.
ذ. ابراهيم الحيمر، الإجهاض في التشريع الوطني (دراسة مقارنة)، رسالة لنيل دبلوم الماستر، جامعة المولى إسماعيل، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، مكناس، السنة الجامعية 2022/2021.
د. محمد أوغريس، مسؤولية الطبيب في التشريع الجنائي، دراسة مقارنة، الطبعة الأولى 1994، دار قرطبة للطباعة.
د. محروس نصار غايب، الإجهاض بين الإباحة وعدم التجريم، مجلة التقني، العدد 10، المجلد 24، هيئة التعليم التقني العراق، 2011.
ذ. ثابت بن عزة ملكية، الإجهاض بين الشريعة والقانون الوضعي الجزائري، رسالة ماجستير، كلية الحقوق، جامعة الجزائر، 2003-2004.
د. محمد علي البار، مشكلة الإجهاض، دراسة طبية فقهية، الدار السعودية للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، 1405هـ-1985م.
د. محمد الإدريسي العلمي المشيشي، سياسة التجريم: الواقع والآفاق، مداخلة بمناسبة ندوة: “السياسة الجنائية”، المنظمة بفاس يومي 9 و10 نونبر 2012.
ذ. عادل عازر، “مفهوم المصلحة القانونية”، القاهرة، المجلة الجنائية القومية، المجلد الخامس عشر، العدد الثالث، نونبر، 1972.
المراجع باللغة الإنجليزية:
Glenc F. [Induced abortion– a historical outline.] Polski Tygodnik Lekarski, 1974,29(45):1957-1958.
Klotz J W. A Historical Summary of Abortion: from Antiquity through Legalization. Excerpted from A Christian View of Abortion By John W.Klotz, Concordia Publishing House, St. Louis, 1973.
Boonstra H et al. Abortion in Women’s Lives, New York: Guttmacher Institute, 2006.
المراجع باللغة الفرنسية:
Michèle-Laure Rasant, Droit pénal Spécial, Dalloz delta, 2ème éditions Paris 1997.
ذة. سلمى سحايمي بحث بعنوان: “L’avortement en droit marocain et en droit comparé”، مجلة الباحث، سلسلة أبحاث قانونية جامعية معمقة، العدد 67، دون ذكر السنة.
Association Marocaine de Planification familiale (AMPF), “Etude exploratoire de l’avortement à risque”, Imprimerie El Maarif Al Jadida, Rabat, 2008
المواقع الإلكترونية:
https://www.amnesty.org/fr/what-we-do/sexual-and-reproductive-rights/abortion –
https://www.msdmanuals.com/ar.
https://www.who.int/ar/news-room/fact-sheets/detail/abortion.
https://kafa.org.lb/ar/node.





