في الواجهةمقالات قانونية

رقابة محكمة النقض على قاضي الموضوع في تقدير التعويض

رقابة محكمة النقض على قاضي الموضوع في تقدير التعويض

من إعداد : احمد الأحمدي العروسي طالب باحث في القانون الخاص كلية الحقوق طنجة

(ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا)

مقدمة :

يعتبر التعويض الجزاء المدني للفعل الضار متى توفرت أركان المسؤولية المدنية ، حيث تهدف المسؤولية المدنية بالأساس إلى تعويض الضرر من طرف المسئول على اعتبار أن التعويض يهدف إلى جبر الضرر، هذا الأخير الذي يعتبر معيار التعويض . سواء أكان هذا الضرر ماديا أو معنويا ،  و هذا ما اشار اليه المشرع المغربي في الفصول 77 و 78 من قانون الالتزامات و العقود المغربي ، كما أن الفقه اجمع منذ زمن على أن التعويض قد يكون  نقديا أو عينيا ، و أن تقدير التعويض سواء من حيث مداه أو طبيعته  من مساءل الواقع  التي يستقل بها مبدئيا قاضي الموضوع عن رقابة محكمة النقض ، هذه الأخيرة التي تعتبر أعلى هيئة قضائية في المملكة تسهر على التطبيق السليم للقانون و توحيد الاجتهاد القضائي عن طريق بسط رقابتها على محاكم الموضوع .

و من هنا تكمن أهمية هذا الموضوع سواء على المستوى النظري  آو العملي لما له من دور في مساعدة  القارئ على فهم رقابة محكمة النقض على قاضي الموضوع في تقدير التعويض في غير الحالات التي يكون فيها التعويض محددا بمقتضى نص قانوني آو اتفاق صحيح ، بمعنى أن الرقابة هنا تكون على السلطة التقديرية للقاضي . مما يدفعنا إلى طرح إشكال محوري : ماهية تجليات رقابة محكمة النقض كمحكمة قانون على محاكم الموضوع في تقدير التعويض المدني ؟

للإجابة على هذا الإشكال المحوري سنقسم الموضوع إلى محورين كالأتي:

المحورالاول : رقابة محكمة النقض لقاضي الموضوع في تقدير التعويض .

 

المحور الثاني : حدود رقابة محكمة النقض لقاضي الموضوع في تقدير التعويض.

 

 

 

 

 

 

 

المحور الاول : رقابة محكمة النقض لقاضي الموضوع في تقدير التعويض .

سنقسم هدا المطلب إلى فقرتين نتكلم في الأولى عن موقع محكمة النقض في التنظيم القضائي المغربي، ثم بعد ذلك نعالج إشكالية تجليات رقابة محكمة النقض لقاضي الموضوع في تقدير التعويض .

الفقرة الأولى : موقع محكمة النقض في التنظيم القضائي المغربي .

كانت تسمى سابقا بالمجلس الأعلى وتم تغيير هده التسمية بمقتضى قانون 58.11 الصادر بتنفيذ الظهير 1.11.170 الصادر في 25 اكتوبر 2011 ، المغير بموجبه الظهير الشريف رقم 1.57.223 الصادر في 27 دجنبر 1957 بشان المجلس الأعلى انسجاما مع مقتضيات الدستور الجديد (دستور2011) .

وتعتبر محكمة النقض أعلى هيئة قضائية بالمملكة ويشمل نفوذها جميع تراب المملكة ، هدفها توحيد الاجتهاد القضائي وضمان التطبيق السليم للقانون ، فهي ليس درجة ثالثة كغيرها من المحاكم وليس هدفها النطق بالحكم في الأساس بل النظر فيما إذا تم تطبيق القانون بشكل صحيح، فهي محكمة قانون وليست محكمة موضوع وهي بهدا تسهر على مراقبة التطبيق السليم للقانون والسعي نحو تفسير النصوص القانونية ورفع الخلاف عنها وتوحيد العمل القضائي ، إضافة إلى تقرير القواعد القانونية الصحيحة ، وضمان الأمن القانوني والقضائي وبالتالي حسن سير العدالة[1]

بناءا على ما سبق فأسباب الطعن حسب الاستاد الكشبور تنقسم إلى أسباب متعلقة بخرق قواعد الموضوع وأخرى متعلقة بخرق قواعد المسطرة أو الإجراءات وان الفصل 359 من ق.م.م حددها على سبيل الحصر ، والتي يجب أن  تتحقق منها المحكمة أولا لتحكم مند البداية بقبول الطعن شكلا أو برفضه .

وبالرجوع إلى الفصل 359 من ق.م.م فان المشرع حدد فيه أسباب الطعن بالنقض كطريق طعن غير عادي على سبيل الحصر عكس الطرق الطعن العادية التي لم يحدد لها أسباب الطعن فقد سمح بسلوكها أي كان العيب المنسوب إلى الحكم سواءتعلق بالواقع أو بالقانون [2]،والطعن بالنقض كما يمكن إن يمارس من قبل الأطراف يمكن أن يمارس أيضا من قبيل الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض غير انه في هده الحالة التي تسمى بالطعن لفائدة القانون لايستفيد منها الأطراف طبقا للفصل 381 من ق.م.م  [3].

عموما تبقى أسباب الطعن بالنقض حسب الفصل 359 من ق.م.م هي :

– خرق القانون الداخلي .

– خرق قاعدة مسطرية اضر بأحد الأطراف .

– عدم الاختصاص .

– الشطط في استعمال السلطة .

– عدم ارتكاز الحكم على أساس قانوني أو انعدام التعليل [4].

الفقرة الثانية : تجليات رقابة محكمة النقض لقاضي الموضوع في تقدير التعويض.

ادا توفرت أركان المسؤولية أي حدوث خطا نتج عنه ضرر وقامت علاقة السببية بين الخطأ والضرر كان للمضرور الحق في التعويض عما لحقه من ضرر لجبر هدا الضرر كجزاء نتيجة الإخلال بالالتزام [5].

والأصل انه لا ينظر إلى جسامة الخطأ الذي صدر من المسؤول عند تقدير التعويض و ادا تحققت المسؤولية قدر التعويض بقدر جسامة الضرر لا بقدر جسامة الخطأ،ومسالة تقدير التعويض مسالة موكولة لقاضي الموضوع [6]،سواء من حيث المقدار أو الطبيعة .ويقدر بمقدار الضرر المباشر الذي أحدثه الخطأ سواء أكان هدا الضرر ماديا أو أدبيا ، متوقعا أو غير متوقع بالنسبة للمسؤولية التقصيرية، وسواء أكان حالا أو مستقبلا مادام محققا .

والعبرة في تحديد مدى الضرر بالظروف الشخصية للمضرور التي تعتبر محل اعتبار لا ظروف المسؤول ، ويشمل هدا الضرر حسب الفصل 98 من ق.ل.ع .م الخسارة التي لحقت المتضرر والكسب الذي فاته ، ويجب على القاضي عند تحديد التعويض مراعاة هده العناصر. [7]

نخلص مما سبق على أن تقدير التعويض من مسائل الواقع التي لا تخضع لرقابة محكمة النقض كقاعدة عامة أي أن لقاضي الموضوع سلطة واسعة في تقدير التعويض فيما يخص مداه أو طبيعته ، ولا يمكن مخالفة هدا المقتضى إلا في حالة وجود نص خاص أو اتفاق سابق ، وهدا ما أكدت عليه محكمة النقض المصرية في قرار لها بتاريخ 25/06/1909 حيث أقرت بان تقدير الضرر وتقدير التعويض عنه هو من المسائل الواقعية التي تستقل بها محكمة الموضوع دون تعقيب عليها فيه [8].

وفي قرار أخر بتاريخ 6/11/1958 نصت على أن تقدير التعويض عن الضرر أمر متروك لرأي محكمة الموضوع طالما أنها تعتمد في دلك على أساس معقول [9].

نفس الأمر أكدته محكمة النقض المغربية حيث قضت أن التعويض يقدر على أساس ما لحق بالمتضرر من خسارة وما فاته من كسب [10].هو ما أكده القضاء الفرنسي الذي دهب إلى أن تحديد مبلغ التعويض يتم بطريقة واقعية ومطلقة من طرف قضاة الموضوع ما لم يوجد هناك اتفاق أو نص يحدد مقداره . وهو أيضا ما ذهبت إليه محكمة التعقيب التونسية لقولها إن تقدير مبلغ التعويض موكول لاجتهاد قاضي الموضوع ويكفي لتعليل قضائه أن يستند إلى شدة الإصابة التي لحقت مدى الضرر [11].

غير أن قاضي الموضوع يخضع للرقابة  في بعض المسائل التي تنظر فيها محكمة النقض والتي من أهممها نذكر :

أولا : التكييف القانوني للوقائع : أي ما يجب توافره من العناصر المكونة قانونا للضرر والتي يجب أن تدخل في حساب التعويض بحيث تعد من المسائل القانونية الخاضعة لرقابة محكمة النقض لان هدا التعيين من قبيل التكييف القانوني للواقع وهدا ما أكدت عليه محكمة النقض المصرية [12] والمغربية.وعلى هدا الأساس يجب أن تكون العناصر التي اعتمدها قاضي الموضوع في الضرر صحيحة بمعنى إذا كان تقدير التعويض يخضع لسلطة المحكمة التقديرية كما قلنا دون أن تخضع لرقابة محكمة النقض فان الأمر ليس مطلقا في جميع الحالات المتعلقة بالتعويض ،فهي ادا كانت مستقلة في تقرير مقدار التعويض فإنها ليست كذلك فيما يتعلق بتعيين عناصر الضرر التي يجري التعويض عنها فهي من قبيل التكييف القانوني الذي لا يستقل به قاضي الموضوع ، دلك أن الضرر الذي يجب التعويض عنه يتعين أن يكون محققا لا احتماليا وان يكون ناشئا بشكل مباشر عن الفعل الضار سواء كان خسارة لحقت المصاب أو كسبا ضاع عليه ، و في مجال المسؤولية العقدية يجب أن يكون الضرر متوقعا ، حيث يعتبر توافر هده العناصر مسالة قانونية يتوقف عليها جواز الحكم بتعويضه من عدمه .وفي تقدير القاضي لهذه العناصر يخضع لرقابة محكمة النقض[13].

فالتكييف هو عملية قانونية تعني إلباس الواقعة كما أثبتها قاضي الموضوع ثبوتا قانونيا ملائما ودلك بتشخيص الواقعة على ضوء نص قانوني معين تندرج الواقعة تحته ويتسع لها مدلوله دون غيره من نصوص القانون ، هكذا فان تكييف الوقائع يخضع لرقابة محكمة النقض[14].

ثانيا: حالة انعدام التعليل : يقصد بالتعليل تسبيب الحكم ودلك باحتواء الحكم على الأسباب الواقعية والقانونية التي أدت إلى صدوره وبعبارة أخرى هو الحجج الواقعية والقانونية التي يستخلص منها الحكم منطوقه ، ومن ثم اعتبر انعدام التعليل أو ضعفه سببا من أسباب نقض الحكم طبقا للفصل 359 من ق.م.م ، ونظرا لأهمية هدا المبدأ فان المشرع نص عليه في الفصل 125 من الدستور الذي أكد على وجوب تعليل الأحكام [15]الذي يخضع لرقابة محكمة النقض ويعتبر سببا من أسباب الطعن بالنقض مع مراعاة الحالات التي لا يوجب فيها  القانون التعليل [16]. وهدا ما أكدته محكمة النقض المغربية في مجموعة من القرارات حيث قضت بان التعويض يقدر على أساس ما لحق المتضرر من خسارة وما فاته من كسب وعلى المحكمة أن تبرز ما اعتمدته منها في تقدير التعويض حتى تمكن المجلس الأعلى من بسط رقابته بشان حقيقة الضرر الذي لحق المدعي . وان المحكمة لما خفضت مبلغ التعويض المحكوم به ابتدائيا كان عليها أن تعلل قضائها تعليلا كافيا يبرز دلك التخفيض[17]

وفي قرار آخر قضت محكمة النقض بالاتي : كيفما كانت السلطة المخولة لقضاة الموضوع لتقدير الحجج فبشرط أن  يكون تعليلهم صحيحا وكافيا ومنسجما مع ظروف القضية وإلا كان غير مرتكز على أساس قانوني ، وفي قرار آخر لمحكمة النقض بتاريخ 7 أبريل 1982 ذهبت فيه إلى أن الحكم يجب أن يكون معللا تعليلا كافيا وصحيحا وإلا كان باطلا ويعد فساد التعليل بمثابة انعدامه … [18]

خلاصة لما سبق فإن القاضي عليه أن يبرز أسبابه الحكم أي أساس التعويض وتحديد العناصر الذي بني عليها وأدلة إثباتها واﻷسباب الدافعة إلى عدم تعويض إحداها وإلا فإن تقديره للتعويض بشكل مبهم دون اﻹشارة إلى عناصر تقدير التعويض يعرض قراره للطعن، بحيث يجب أن يتضمن الحكم العناصر المكونة للضرر الذي يدخل في حساب التعويض واﻷسباب الدافعة إلى هذا التقدير. فالحكم يجب أن يتضمن العناصر المعتمدة من قبل المحكمة وان تقوم بشرحها وملائمتها مع وقائع النازلة وصولا لتكوين قناعتها ، فلا خلاف في أن المحكمة تتمتع بسلطة تقديرية فيما يتعلق بتحديد التعويض عن اﻷضرار في الحالات التي لم يحددها القانون ،غير ان هذه السلطة ليست مطلقة بل يجب عليها تعليل حكمها ، و هذا ما أكدته محكمة النقض في قرار لها بتاريخ 1 مارس 2012 : حيث جاء فيه : حيث يعيب الطاعن القرار المطعون فيه بفساد التعليل بخصوص خضوع تقدير التعويض للسلطة التقديرية للمحكمة ، ذلك أنه لا خلاف في كون المحكمة تتمتع بالسلطة التقديرية لتحديد التعويض عن اﻷضرار في الحالات التي لم يحددها القانون. وأن هذه السلطة التقديرية ليست مطلقة ولا تعفيها من تعليل حكمها . وأن محكمة اﻹستئناف أيدت حكم المحكمة اﻹبتدائية الذي لم تعلل المحكمة ما صدرت لما قضت به في إطار اعمال سلطتها التقديرية ولم تقم بإبراز المعايير والمعطيات التي استندت إليها وأنها لم توضح الظروف والملابسات الخاصة بالنازلة وكذا بيانها العناصر التي تبين ملائمة التعويض المعنوي المحكوم به مع معطيات نازلة الحال. وأنه إن كان المشرع قد منح السلطة التقديرية للمحكمة لتحديد التعويض في غير الحالات التي يحددها القانون أو اﻹتفاق فإن ذلك يعني أن المحكمة يجب عليها ليس فقط أن تبرز العناصر المعتمدة من قبلها بل أن تقوم بشرحها ومدى ملائمتها مع وقائع النازلة وصولا لتكوين قناعتها على أساس مبادئ مستمدة من القانون وأن المحكمة أمام تأييدها للحكم المستأنف في هذا الشأن بناء على تعليل فاسد يجعل قرارها عرضة للنقض[19].

المطلب الثاني : حدود رقابة محكمة النقض لقاضي الموضوع في تقدير التعويض.

إذا كانت محكمة النقض تراقب محاكم الموضوع في إعمال سلطتها التقديرية فيما يتعلق بتقدير التعويض على مستوى التكييف الذي يعتبر مسألة قانونية من اختصاص محكمة النقض والتعليل الذي يعتبر سببا من أسباب النقض حسب الفصل 359 من ق.م.م ، فإن هذه الرقابة محدودة في بعض المسائل التي تعبر من اختصاص قاضي الموضوع .وهذا ما سنحاول تناوله من خلال فقرتين نخصص اﻷولى لعدم امتداد رقابة محكمة النقض لمسائل الواقع على أن نخصص الثانية لدور محاكم اﻹستئناف في الرقابة على محاكم الدرجة اﻷولى باعتبارها محاكم واقع وقانون.

الفقرة الأولى : عدم امتداد رقابة محكمة النقض لمسائل الواقع.

أول عمل يقوم به قاضي الموضوع لحل النزاعات المطروحة أمامه هو استخلاص الوقائع الذي يعني  محاولة القاضي وضع صورة كاملة و تقريبية لوقائع النزاع كما هي أو كما حدثت ، فهدا العمل واقعي يمارسه قاضي الموضوع دون رقابة محكمة النقض عليه [20] ، فمحكمة النقض لا تنظر في وقائع الدعوى فهي تقبل وقائع النزاع كما استخلصها قاضي الموضوع و أثبتها بكيفية سليمة من خلال حكمه ، أو أجزاء الحكم التي انصب عليها الطعن بالنقض .دالك أن محكمة النقض تنظر فقط في مدى ملائمة إعمال القانون على هده الوقائع  فان تدخلت في استخلاص هده الوقائع تكون قد تحولت لمحكمة موضوع.[21]

وهدا ما جاء في قرارات المجلس الأعلى سابقا حيث نص في احد أحكامه على : “استخلاص كون المكتري قد حول المحل المؤجر لغير ما اعد له من مسائل الواقع الذي يستقل بتقديرها قاضي الموضوع “.

و في قرار أخر أكد المجلس الأعلى سابقا (محكمة النقض حاليا) أن خلو الحكم من ذكر وقائع الدعوى و وجهة نظر الطرفين و وسائل دفاعهما ، و من بيان مستنده يجعله معرضا للنقض .[22]

بقية مسالة أخيرة تنبغي الإشارة إليها هي أن محكمة النقض تستطيع بسط رقابتها على استخلاص الوقائع التي تعتبر من مسائل الواقع التي يستقل بتقديرها قاضي الموضوع في مجال القواعد القانونية المقررة في الإثبات عند قيام القاضي باستخلاص الوقائع و إلا عرض حكمه  للنقض و هدا ما أكدته محكمة النقض.[23]

الفقرة الثانية : دور محاكم الاستئناف في الرقابة على محاكم أولى درجة من حيث الواقع و القانون.

كما بينا فيما تقدم فان مسالة تقدير التعويض مسالة يستقل بها قاضي الموضوع لتعويض الطرف المضرور عما أصابه من ضرر، وهي بهدا مسالة مادية حسابية تتغير حسب ظروف كل قضية على حدة و حسب طلبات الأطراف و وضعيتهم ، و لهدا الاعتبار يعتبر تقدير التعويض من مسائل الواقع التي تدخل ضمن السلطان النهائي لقاضي الموضوع كما اتضح من خلال مجموعة من الأحكام القضائية طبقا لمقتضيات الفصل 98 من ق.ل.ع.م بشان التعويض في مجال المسؤولية التقصيرية الذي  يقابله  الفصل 264 من نفس القانون بشان المسؤولية العقدية.

واستثناءا من المبدأ السالف الذكر فان تقدير التعويض قد يصبح مسالة قانونية تخضع لرقابة محكمة النقض في الحالات التي يتدخل فيها المشرع بنفسه و يحدد مقدار التعويض الواجب دفعه للمصاب أو لذوي حقوقه مثل التعويض عن حوادث السير مثلا.[24]

و على هدا الأساس يتضح انه في إطار السلطة التقديرية لقاضي الموضوع المتعلقة بمسائل الواقع التي لا تخضع لرقابة محكمة النقض يبقى الاستئناف أهم وسيلة لإصلاح ما يتعلق بالحكم الابتدائي من أخطاء تمس الجوانب الواقعية و القانونية.[25]

فمبدأ التقاضي على درجتين يستلزم إمكانية الطعن بالاستئناف (محاكم الدرجة الثانية) في الأحكام الابتدائية (محاكم الدرجة الأولى) ، تطبيقا للفصل 134 من ق.م.م إلا ادا قرر القانون خلاف دالك. و يمكن أن ينصب هدا التظلم على الأخطاء التي تشوب استخلاص الوقائع ، كما يمكن أن ينصب على الأخطاء التي تشوب حكم القانون ، وقد يمتد إلى الخطأين معا [26].

فمحكمة الاستئناف استنادا إلى ما سبق محكمة موضوع و محكمة قانون ، عكس محكمة النقض التي تراقب المسائل القانونية دون الواقعية كما سبق بيانه [27]، و على هدا الأساس تتمتع محكمة الاستئناف من الناحية المبدئية بجميع الصلاحيات التي تتمتع بها المحكمة الابتدائية فلها أن تنشر الدعوى أمامها من جديد في نفس الإطار الذي عرضت فيه أمام المحكمة الابتدائية ،فلها أن تعيد النظر في الجوانب الواقعية و القانونية للحكم . و محكمة الاستئناف إما أن تتبنى حكم محكمة أولى درجة جملة و تفصيلا ، أو لها أن تغير هدا الحكم جزئيا ، كما لها الحق في أن تناقضه تماما أي أن تلغيه و تصدر حكما جديدا بناءا على ما ثبت لديها مما لم تنتبه إليه مبدئيا محكمة الدرجة الأولى.[28]

خاتمة:

إن أهم الاستنتاجات التي خلصنا إليها :

– تقدير التعويض يعتبر من مسائل الواقع التي يتمتع بها قاضي الموضوع من خلال إعمال سلطته التقديرية سواء فيما يتعلق بمقدار التعويض أو طبيعته .

– ترد على هده السلطة التقديرية قيود إما قانونية أو اتفاقية .

– القاعدة في حالتي عدم وجود قانون أو اتفاق بشان تقدير التعويض ، فان للقاضي سلطة تقديرية في هدا المجال ولا يخضع لرقابة محكمة النقض مبدئيا .

– يمكن لمحكمة النقض بسط رقابتها على قاضي الموضوع فيما يتعلق بتقدير التعويض في حالة عدم وجود نص أو اتفاق ، فيما يتعلق بمسالة التكييف القانوني وكدا في حالة انعدام التعليل أو ضعفه .(المسائل القانونية).

– تلعب محاكم الاستئناف دورا مهما في الرقابة على قاضي الموضوع فيما يتعلق بتقدير التعويض على اعتبار أنها محاكم موضوع وقانون .

 

 

[1]  – وداد العيدوني : التنظيم القضائي المغربي ، مطبعة يدير الرباط . ط:1 ،2016 ،ص:201.

– يمكن لمحكمة النقض في بعض الحالات إن تنظر في القضايا كمحكمة موضوع : للمزيد من التفصيل انظر نعيمة الشنتوف : رقابة محكمة النقض على محاكم الموضوع .رسالة لنيل دبلوم الماستر القانون الخاص ، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بطنجة ، جامعة عبد المالك السعدي ، السنة الجامعية :2017/2018 ، ص :11 الى 18 .

[2] – محمد الكشبور : طلب النقض بسبب خرق قواعد الموضوع وخرق قواعد الإجراءات .عنوان مداخلة له ،ط:1 ،2006 ،مطبعة النجاح الجديدة ، الدار البيضاء ، ص:1 إلى 27.

3- محاضرات ل د.محمد بن يعيش رئيس الغرفة العقارية محكمة النقض ألقاها في مادة تحليل الأحكام القضائية ، ماستر المهن القانونية والقضائية ، الفوج الخامس ،بتاريخ :14/12/2018

[4] – انظر الفصل 359 من ق.م.م .

[5]  – مرزوق ايت الحاج : محاضرات في المسؤولية المدنية ، دار أبي رقراق للطابعة والنشر ، ط :2016 ،ص :191 الى 196 .

[6]  – عبد الرزاق احمد السنهوري : الوسيط في شرح القانون المدني ، الجزء الأول نظرية الالتزام بوجه عام. مصادر الالتزام ،منشاة المعارف ، إسكندرية ، ط:2004 ،ص:823 .

– بالرجوع إلى الفصل 96 من ق.ل.ع نجده اقر على أن للمحكمة تقدير الضرر حسبما كان ناتج عن خطا المدين او تدليسه وهو ماشار اليه العمل القضائي الدي اعتد بجسامة الخطأ فيجعل التعويض في هده الحالة اكثر منه في حالة الخطأ اليسير.

[7]  – انظر عبد الرزاق احمد السنهوري .م س ، ص : 820 إلى 823 .

– مرزوق ايت الحاج ، م س. ص : 201 و 202.

[8] – قضاء النقض المدني في المسؤولية والتعويض لسعيد احمد شعلة مستشار بمحكمة النقض المصرية ، توزيع منشاة المعارف ، ص:84 .

[9]  – قضاء النقض المدني م س ، ص : 84 .

[10] – مجموعة قرارات المجلس الأعلى في المادة المدنية ، الجزء الثاني 1991-1983 إعداد ادريس ملين رئيس غرفة بالمجلس الأعلى ، منشورات جمعية تنمية البحوث والدارسات القضائية ، ص: 321.

[11] – عبد الرحمان الشرقاوي: الواقعة القانونية ،مطبعة المعارف الجديدة، الرباط، ط:2، 2016 ،ص :  350الى 353.

[12] – عبد الرزاق احمد السنهوري .م س، ص :811 و 812 .

[13]  – عبد الرحمان الشرقاوي .م س ،ص : 357 .

– قد يتدخل المشرع زيادة على العناصر العامة في تقدير التعويض ان يحدد بمقتضى نصوص خاصة معايير لتقدير الضرر مثل : كيفية تحديد التعويض عن نزع الملكية انظر في هدا السياق عبد الرحمان الشرقاوي م ،س. ص : 362 الى 367 .   

[14]  – عبد الرزاق ايوب : سلطة قاضي الموضوع في تعديل التعويض الاتفاقي ، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء .ط، 1 ،2013 ص: 215 .

– وداد العيدوني ،م س . ص :71 .[15]

16 – عبد الكريم الطالب : الشرح العملي لقانون المسطرة المدنية ، مكتبة المعرفة ، مراكش ، ط: 8 ، 2017 ، ص:281 و234 و 235

[17] – ادريس ملين مجموعة قررات المجلس الاعلى في المادة المدنية . م س ، ص : 321 .

[18] – حكم قضائي اشار اليه عبد الرحمان الشرقاوي في كتابه مصادر الالتزام الجزء الاول : التصرف القانوني، مطبعة المعارف الجديدة ، الرباط، ط: 5، 2018 ، ص: 232 .

-مجموعة قرارات المجاس الاعلى في المواد المدنية،1966_1982 منشورات جمعية تنمية البحوث و الدراسات القضائية ، ص:376.

[19] – عبد الرحمان الشرقاوي – الواقعة القانونية- م.س، ص:368 و369 .

– قد يتدخل المشرع في بعض الحالات ومراعاة لمصالح معينة متفاديا لتضارب في السلطة التقديرية للقضاة بتحديد التعويض عن الاضرار و في هده الحالة يؤدي مخالفة هده المقتضيات القانونية الخاصة لنقض الحكم .

– للمزيد من التوسع انظر : نعيمة الشنتوف ، م،س ، ص: 48 .

[20] -ابراهيم البعلي :الشرط الجزائي بين النص القانوني و العمل القضائي ، رسالة لنيل دبلوم الماستر المتخصص في القانون الخاص ، كلية العلوم القانونية و الاقتصادية و الاجتماعية بتطوان ، جامعة عبد المالك السعدي ، الموسم الجامعي 2017/2018، ص:129.

[21] -محمد الكشبور _المداخلة_،م س ،ص:16.

[22] – عبد الكريم الطالب ، م س ، ص: 230و 231.

[23] – للمزيد من التوسع في هده النقطة : انظر عبد الكريم الطالب ، م س ، ص: 231 ، 232 و 233.

[24] – محمد الكشبور : رقابة المجلس الاعلى على محاكم الموضوع في المواد المدنية ، مطبعة النجاح الجديدة ، الدار البيضاء ، ط:1 ، 2011 ص:330 و 331.

[25] – نعيمة الشنتوف ، م س ، ص : 52.

[26] – محمد الكشبور: رقابة المجلس الاعلى على محاكم الموضوع في المواد المدنية ، م س ، ص : 257 و 258.

[27] – راجع في هدا الاطار الفقرة الاولى من المطلب الثاني.

[28] للمزيد من التعمق اظر محمد الكشبور : رقابة المجلس الاعلى على محاكم الموضوع في المادة المدنية ،م س ، ص: من 257 الى 261.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق