في الواجهةمقالات قانونية

فلسفة تأديب صغار المتعلمين عند المتقدمين إنجاز: عبد الصمد نيت أكني

فلسفة تأديب صغار المتعلمين عند المتقدمين

إنجاز:

عبد الصمد نيت أكني

أستاذ التعليم الثانوي التأهيلي

بسم الله الرحمان الرحيم

مما اشتهر بين المؤدبين قديما وحديثا أن صناعة التربية والتعليم -زيادة على شرفها- شاقة وترجيحية؛ لتعلقها بطباع المتعلم وعاداته، والمستسهلُ لها أو الحاطّ من قدر أصحابها -مما ليس له قَدم فيها ولا قِدم- لا دواء ينفعه لرفع وهْمه وتخليطه إلا بمزاولتها وتعمُّلها، فلسان التجربة أصدق كما يقال.

وأتعبُ ما في هذه الصناعة ما يتعلق بالصغار؛ إذ سياستهم بنجاعةٍ تحصل ممن احتنك ونجَّذتْه مداورة شؤون هذا المجال، وأهم ما ينبغي رعيه وعدم الغفلة عنه الإحاطة بطبائع الصغير وعاداته، فهي مدخل للمؤدب إليه، ووسيلة لفهم فعاله على نحو مقتضى عمره. ومن قاس الكبير على الصغير هنا فسيأتي بأمر بعيد عن جادة الاعتدال.

ولا يتم نفع هذه الإحاطة إلا إذا كان مؤدب الصغير -كما يقول ابن سينا (ت428هـ) -رحمه الله- ”بصيرا برياضة الأخلاق“(1).

واعلم -رحمك الله- أن الصغار محتاجون كثيرا إلى التأديب؛ لأن للطبيعة على كل إنسان سلطانا، فإن استحكمت في المرء فإنها تلازمه، وقس عليها العادة على مذهب الحكماء حين قرروا أنها «طبيعة ثانية».

ومن المجربات في الصغار أن تأديبهم يؤثر في طباعهم؛ فهو رضاع كرضاع الأم، وفي الحديث-وإن ضُعّف-: «الرضاع يغيّر الطباع».

وشرطُ تأديبهم عَقْلُ ما يصنعون سواء تعمدوا أم أخطؤوا، تخريجا على ما حكاه ابن أبي زيد القيرواني (ت386هـ) عن بعض فقهاء المالكية في مسألة جناية الصبي، حيث قال -رحمه الله-: ”قال ابن المواز (ت269هـ): عمد الصغير كالخطأ. وإنما الصغير الذي يعرف ما يعمل وله قصد. وأما الرضيع فلا شيء فيما أفسد وكسر. قال ابن القاسم (ت191هـ): وفي الرضيع يفسد شيئا أو يكسره لؤلؤا أو غيره أو يرميه في بئر وشبهه؛ إنه لا شيء عليه، ولا يتبع بشيء […] قال: ويؤدب الصبي إذا كان يعقل ما صنع“(2).

وطرقُ التأديب كثيرة، ومصدر معرفتها التجربة. فذو الصلاح طبعا وعادة سهلُ التأديب، كالرفق والملاينة، وكمجرد المدح والذم، وأما غيره فيعسر ضبطه بما ذُكر، وللمتقدمين مسالك في تأديبه ومحاولات، منها:

  • التدريج في التأديب:

وهو مذهب أبي حامد الغزالي (ت505هـ) -رحمه الله-، يقول في سياق حديثه عن قوانين طرق المجاهدة: ”ومن راعى التدريج ترقى به الصبر إلى حال يشق عليه الصبر دونه كما كان يشق عليه معه، فتنعكس أموره، فيصير ما كان محبوبًا عنده ممقوتا، وما كان مكروها عنده مشربا هنيئا لا يصبر عنه، وهذا لا يعرف إلا بالتجربة والذوق، وله نظير في العادات، فإن الصبي يحمل على التعلم في الابتداء قهرا، فيشق عليه الصبر عن اللعب والصبر مع العلم، حتى إذا انفتحت بصيرته وأنس بالعلم انقلب الأمر فصار يشق عليه الصبر عن العلم والصبر على اللعب“(3).

ومبدأ التدريج هذا مذهب ابن خلدون (ت808هـ) -رحمه الله-، وإن تحدث عنه في سياق بيان منهجية التعليم المفيد(4).

  • الزجر بالتخويف أو العقاب:

وهو مذهب ابن الجزار (ت369هـ)، يقول -رحمه الله-: ”ولا بد لمن كان كذلك من إرغاب وتخويف عند الإساءة، ثم يحقق ذلك بالضرب إذا لم ينجع التخويف“(5).

وهو مذهب ابن الحاج (ت737هـ) كذلك، يقول -رحمه الله-: ”فرب صبي يكفيه عبوسة وجهه عليه، وآخر لا يرتدع إلا بالكلام الغليظ والتهديد، وآخر لا ينزجر إلا بالضرب والإهانة، كلٌّ على قدر حاله“(6).

والضرب له شروط عند من يجوزه، منها:

  • أن يكون ٱخر الحلول؛
  • ألا تكون الٱلة خطيرة؛
  • أن يكون الضرب غير مبرح؛
  • ألا يترتب على الضرب مفسدة تربو على المتعلم؛
  • أن يحصل عند سكون غيظ المؤدِّب؛
  • ألا يكون في العرف ممجوجا، اعتبارا للوضع الفقهي للتأديب بالتعنيف؛ إذ يدخل فيما يسمى بالأعراف المتبدلة والعادات المتجددة التي لا ينفيها ولا يثبتها دليل شرعي، فالرأي فيها رأي ما استقر عليه عرف البلد وعادته في زمان معين، كما نص عليه القرافي (ت684هـ) -رحمه الله- في الأحكام(7). وعُرْفُ هذا الزمان في بلدنا في مسألة العقاب الجسدي أو النفسي ما قرره مَنْ مُكِّنَ من سلطة وضع التشريع.

وعلى كل فإن الضابط في التأديب لخصه ابن الحاج (ت737هـ) -رحمه الله- في قوله السابق: ”كلٌّ على قدر حاله“، وفي ذلك تصريح بأن الأمر يُسلك فيه ما يناسب المقام والوضع والسياق، وأنه مفتوح للاجتهاد القائم على العقل التجريبي؛ ولذلك قيد ابن جماعة (ت733هـ) -رحمه الله- التأديب بالتعنيف بحال المتعلم بقوله: ”إن كان ممن يزيده التعنيف نشاطا“(8). وفلسفةُ ابن جماعة -رحمه الله- في الزجر غير واضحة عندي في كتابه؛ لعموم لغته، ولعله ترك التعيين للاجتهاد المنضبط.

وأما ذمّ بعضهم التأديب بالضرب فله تأويلان، فإما أنهم ينكرون الضرب الخارج عن الشروط المذكورة، وإما أنهم نظروا إلى أثره النفسي، وإفساده لمعاني الإنسانية، وقلة نفعه في التعاهد، ويعد ابن خلدون (ت808هـ) -رحمه الله- من الداعين إلى عدم الاستبداد على المتعلم في التأديب معتمدا على التاريخ(9).

ولا يفوتنّك أن للصغير عادات مطردة أو أغلبية لا تفسر كما تفسر ما يشبهها من أفعال الكبار، مثال ذلك:

  • حسده وبخله وجبنه، ”يدل الحسد من الصغير على همة وهو قبيح من الكبير، والبخل يدل منه على حزم لأنه فيه حفظ وهو عيب ممن فوقه، والجبن يدل على عقل لأن فيه حراسة نفسه“(10).
  • طلبه لأمور دون الحاجة إليها، يقول الشربيني (ت977هـ) -رحمه الله- في شرحه للحديث الصحيح «وَنَوَّمَتْ صِبْيَانَهَا»: ”وإنما قال فيه لأمهم: نَوِّميهم خوفا من أن يطلبوا الأكل على عادة الصبيان في الطلب من غير حاجة“(11).
  • لا يَنظر إلى عواقب الأمور، يقول العلاء الأسمندي (ت552هـ) -رحمه الله-: ”الصبي المحجور لا يبالي بالثقة من الناس وبرفعها؛ لأنه لا يحتاج إلى المعاملة مع الناس“(12).
  • يتعمد الكذب، حتى إن العرب تقول في المثل: «أكذَبُ من صبي»، ولِتعمُّده أسبابٌ، يقول أبو بكر الرازي (ت370هـ) -رحمه الله- في سياق حديثه عن شهادة الصبيان بعضهم على بعض: ”وقد يتعمدون الكذب لأسباب عارضة، منها: خوفهم من أن تنسب إليهم الجناية، أو قصدا للمشهود عليه بالمكروه، ومعاني غير ذلك معلومة من أحوالهم“(13).
  • التحدث بأعذب ما رأى وأغرب ما سمع كما يذكر ابن سينا (ت428هـ) رحمه الله(14).

ولا يستغرب المؤدب من تفاوت الصغار في الذكاء وقَبول التعلم تفاوتَ الأزهار في المروج، فهو أمر طَبَعِيٌّ، فقد تظهر في بعضهم علائم الفطنة وسرعة القبول دون غيرهم. وأخبارُ فطنهم أو ثقلهم مبسوطة في كتب الحكماء والأدباء، ولنقتصر على عبارة ابن الخشاب النحوي (ت567هـ) -رحمه الله- الدالة على تعجبه من ذلاقة صبي وشيخ وفصاحتهما، رواها ياقوت الحموي (ت626هـ) -رحمه الله- بقوله: ”فقلت: لا إله إلا الله، خالق ذلك الصبي وهذا الشيخ واحد، فكم بين اللسانين والسنَّين“(15). وقس على ذلك تفاوتهم في الأخلاق، فهم أخياف يجمعهم بيت الأدم.

وليجتنب التحقيق مع الصغار فإنه عيب عند أرباب هذه الصناعة، وحسبُهم ما يناسب قوة عقلهم واستعدادهم لقَبول ما يرد عليهم، ولْيتفقدهم في حركاتهم خاصة أصحاب الطبع المتكلف؛ لأن المتخلّق مهدد بالرجوع إلى شيمته، وليجتهد أن تكون حُرمته قائمة على الصغار، وليبدع فيما يعجبهم ولا ينفرهم عنه وعن التعلم، وليتق انكسار خاطر الفقراء منهم وكذلك الضعفاء بتحري الإنصاف.

وليغض بصره عن بعض الأخبار المشهورة في كتب الأدب التي تَعُرُّ المؤدبين، وتضع من قدرهم، بأن تؤولها بلا اعتساف، فجملة منها من قبيل قضايا الأعيان تخص شخصا معينا، أو من قبيل وقائع الأحوال تتعلق بالحالة التي ترتب عليها الحكم بالذمّ، أو من قبيل الدّعابة والإحماض، أو من قبيل إظهار خصوصية تعليم الصغار، أو من قبيل الأدب الساخر، والتأويلُ الأخير -بالنظر إلى وقوعه- في غاية الندور.

واعلم -نوّرك الله- أن المؤدبين للصغار على طرائق قددا، وكلهم يمضي على ما يراه أليق وأنسب، متوسلين في ذلك بوحي العقل التجريبي على مر السنين، وكلُّ اختيار معللٌ بالمناسبة، ومساوقٌ للمقام والحال، ومسوّرٌ بضوابط وأحكام، فإن قلّدتَ المتقدم في اختياره فقلِّده في شروطه بلا انفكاك؛ إذ التشبه بالكرام رباح، وإلا فشمِّر وائتزر بأن تجتهد كما اجتهدوا، وكل مجتهد مأجور غير مأزور، ما دام لا يكر على الأعراف بالنقض والإبطال.

والعلم لله، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى ٱله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.

ـــــــــــــ

1- السياسة لابن سينا، (ص: 102).

2- النوادر والزيادات على ما في المدونة من غيرها من الأمهات لابن أبي زيد القيرواني، (13/ 506).

3- إحياء علوم الدين للغزالي، (4/ 80).

4- ينظر: المقدمة لابن خلدون، (2/ 347).

5- سياسة الصبيان وتدبيرهم لابن الجزار القيرواني، (ص: 138).

6- المدخل لابن الحاج، (2/ 316).

7- ينظر: الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرفات القاضي الإمام للقرافي، (ص: 219).

8- تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم لابن جماعة الكناني، (ص: 54-55).

9- ينظر: المقدمة لابن خلدون، (2/ 356-357).

10- البصائر والذخائر للتوحيدي، (9/ 149).

11- مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج للشربيني، (4/ 197).

12- طريقة الخلاف في الفقه بين الأئمة الأسلاف للأسمندي، (ص: 273).

13- أحكام القرٱن لأبي بكر الرازي، (1/ 603).

14- ينظر: السياسة لابن سينا، (ص: 103).

15- معجم الأدباء لياقوت الحموي، (4/ 1504).

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى