في الواجهةمقالات قانونية

مثالب اللائحة التنفيذية لقانون هيئة أسواق المال الكويتي

 

 

بعد ترقب وجدل دام طويلاً، أصدر مجلس الأمة الكويتي القانون رقم 22 لسنة 2015، والذي تضمن تعديلاً لبعض نصوص القانون رقم 7 لسنة 2010 في شأن إنشاء هيئة أسواق المال، فضلاً عن إلغاء بعض النصوص القانونية الواردة في قوانين أخري، لعل أبرزها إلغاء أحكام الفصلين الخامس والسادس من الباب التاسع من قانون الشركات والذي صدر منذ حوالي عامين فقط.

وفي المقابل، قامت هيئة أسواق المال باصدار قرار تضمن إصدار ما أسمتها “لائحة تنفيذية” جديدة لقانون هيئة أسواق المال، وإلغاء اللائحة التنفيذية القائمة، بالإضافة إلى إلغاء العديد من القرارات والتعليمات الصادرة عن الهيئة وعن سوق الكويت للأوراق المالية خلال السنوات الخمس السابقة.

والحقيقة، أن اللائحة التنفيذية الجديدة تعد فريدة من نوعها، فرغم أنها تضمنت تجميعاً لمعظم القرارات والتعليمات التي صدرت عن الهيئة خلال الفترة السابقة، إلا أن الشكل الذي خرجت فيه اللائحة أقرب لأن يوصف بأنه تنظيم فقهي للموضوعات التي تناولتها مصاغاً على هيئة نصوص مرقمة، حتى يمكن وصفها بأنها “لائحة تنفيذية” لقانون.

ومن المستقر عليه دستورياً، أن الغرض من صدور اللائحة التنفيذية لأي قانون يتعين أن ينحصر في إتمام القانون، أي وضع القواعد والتفاصيل اللازمة لتنفيذه مع الإبقاء على حدوده الأصلية بلا أدنى مساس، ودون أن تنطوي على تعديل أو إلغاء لأحكامه أو أن تضيف إليه أحكاماً تبعده عن روح التشريع، فيجاوز بذلك مُصدرِها الاختصاص الدستوري المخول له.

واللائحة التنفيذية بهذا المعنى، لا يمكن أن تتولى إبتداءً تنظيم مسائل خلا القانون، الذي تصدر في شأنه، من بيان الإطار العام الذي يحكمها، فعندئذٍ لا تكون اللائحة قد فصلت أحكاماً أوردها القانون إجمالاً، وإنما شرعت إبتداءً من خلال نصوص جديدة لا يمكن إسنادها للقانون.

وإزاء المعنى المتقدم، نجد أن اللائحة التنفيذية الصادرة عن هيئة أسواق المال قد حادت كثيراً عن الإطار القانوني الذي كان يتعين أن تلتزم به، وتخطت القيود المرسومة لمهامها في هذا الشأن، وهذا التخطي وصل إلى حد استحداث قواعد لا أصل في القانون لها، مخالفة بذلك الضوابط التي أوجب الدستور أن تتقيد بها اللوائح التنفيذية بوجه عام.

ولعل أبرز الموضوعات التي تضمنتها اللائحة رغم عدم تعلقها بشكل مباشر بالقانون الذي صدرت بمناسبته، ما تناولته في شأن “قواعد الحوكمة”، فرغم أنه قد يبدو للوهلة الأولى أهمية تنظيم هذه القواعد، إلا أنه من الناحية القانونية يعد إدراجها ضمن نصوص اللائحة مجاوزة صريحة للحدود المقررة لها.

فاسناد تنظيم تلك القواعد إلى هيئة أسواق المال جاء بموجب قانون الشركات الصادر في أواخر عام 2012، ومن ثم كان يتعين إصدارها بموجب قرار أو تعليمات من الهيئة، وبالتالي لا يصح بيانها ضمن اللائحة التنفيذية لقانون مغاير، وهو قانون هيئة أسواق المال، ويعد ذلك مخالفة مباشرة للغاية من إصدارها، وتجاوزاً لوظيفتها والإطار المرسوم لها.

ومن المثالب البارزة أيضاً، أنه يتبين من مطالعة أحكام قانون هيئة أسواق المال أنه قد حدد صراحة ألية تنظيم بعض الموضوعات، إذ تارة ينص القانون على تنظيم موضوع معين خلال اللائحة التنفيذية، وتارة أخرى يكلف الهيئة بتنظيم موضوع أخر عن طريق القواعد والتعليمات، ورغم ذلك نجد أن الهيئة قد عمدت إلى إدراج موضوعات ضمن اللائحة التنفيذية حدد القانون صراحة ألية تنظيمها عن طريق القواعد والتعليمات، وهو ما يعد مخالفة صريحة لأحكام القانون.

والمثال الأبرز في هذا الشأن “قواعد الإفصاح”، فبعد أن كان القانون ينص على تنظيم اللائحة التنفيذية لأحكامها، تم تعديل النص بموجب القانون الصادر مؤخراً بأن جعل تنظيمها عن طريق القواعد والتعليمات الصادرة عن الهيئة، ورغم ذلك تم إدراج القواعد والأحكام الخاصة بالإفصاح ضمن نصوص اللائحة التنفيذية، بالمخالفة لإرادة المشرع.

ومن ناحية أخرى، يمكن القول أن التضخم الذي أتسمت به اللائحة التنفيذية يعد من المثالب الكبيرة التي يمكن أن توجه إليها، إذ لا يمكن اعتبارها ميزة – كما قد يذهب البعض –، فعدد صفحات اللائحة الذي قارب من ألف صفحة ونصوصها التي تجاوزت خمسة ألاف نص تقريباً، قد يصعب كثيرا على المخاطبين بأحكامها والمتعاملين معها.

ونضيف إلى ذلك، أن هذا الكم الهائل من الصفحات تضمن أموراً وموضوعات لا يمكن تقبل إدراجها في لائحة تنفيذية لقانون، لاختلاف طبيعتها مع الطبيعة القانونية للائحة التنفيذية، ولعل أبرز مثال لذلك، هو تضمين اللائحة للنماذج التي يتعين على المخاطبين باحكامها الالتزام بها، فضلاً عن بيانها لشروح وتحليل لبعض الأحكام الواردة بها، وهي كلها أمور ليست في موضعها الصحيح، حيث كان يمكن أن تكون محلاً لتعليمات أو كتب إرشادية تصدر عن الهيئة، وليس لائحة تنفيذية.

ولعل السبب في اصدار اللائحة التنفيذية على هذه الصورة يرجع إلى القانون ذاته، حيث أنه قد سخا في منح هيئة أسواق المال اختصاصات واسعة في حجمها ومتشعبة في مجالاتها، فعلاوة على المكنات التنفيذية المألوفة هناك سلطات تشريعية وأخرى قضائية أناط القانون بالهيئة القيام بها.

فتنوع وترامي صلاحيات الهيئة جعلها تشعر بعسر تقبل وجود قيود على نشاطها أو حركتها، إذ أن تضخم الاختصاصات جاوز ما يعرف في علم الإدارة بنطاق التمكن، مما أدى إلى تساقط بعض الضوابط في غضون مباشرة السلطة التنفيذية لمهامها ووظائفها، وهو يعد عواراً دستورياً ينال من مشروعية اللائحة.

والخلاصة، إننا أمام لائحة تنفيذية لقانون تناولت تنظيم الكثير من الموضوعات التي تخرج عن الإطار المحدد لها، واستخدمت استراتيجية وأسلوب يبعد تماماً عن المعني القانوني للائحة التنفيذية، وهو ما قد يوقعها في حومة مخالفة نص المادة (72) من الدستور، لذلك يكون لزاماً سرعة مراجعة تلك النصوص وإعادة تصويب ما اعتورها من مخالفات، حتى لا تتأثر الحياة الإقتصادية بما قد يصدر ضد اللائحة من أحكام خاصة الدستورية منها.

 

            د/ شريف سلامة

دكتوراة في القانون الدستوري

                                               Salama22@gmail.com      

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock