في الواجهةمقالات قانونية

الإطار العام لمشروع قانون المالية لسنة 2027: قراءة في المرتكزات والرهانات د. يونس مليح

الإطار العام لمشروع قانون المالية لسنة 2027: قراءة في المرتكزات والرهانات

د. يونس مليح

أستاذ جامعي

مدير مركز ابن خلدون للدراسات والأبحاث الإدارية والمالية

يشكل عرض وزيرة الاقتصاد والمالية أمام لجنتي المالية بمجلسي البرلمان، بتاريخ 22 يوليوز 2026، محطة دستورية وسياسية ذات أهمية بالغة في مسلسل إعداد مشروع قانون المالية لسنة 2027، بالنظر إلى كونه يندرج في إطار تفعيل مقتضيات المادة 47 من القانون التنظيمي رقم 130.13 المتعلق بقانون المالية، كما يقدم التصور الحكومي للبرمجة الميزانياتية لثلاث سنوات (2027-2029)، بما يعكس توجهات السياسة المالية للدولة خلال المرحلة المقبلة.

وتأتي هذه الوثيقة في ظرفية دولية معقدة تتسم باستمرار التوترات الجيوسياسية، وتقلب أسواق الطاقة، وتباطؤ الاقتصاد العالمي، إلى جانب التحولات العميقة التي فرضها الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي، وهي معطيات تجعل من إعداد قانون المالية عملية تتجاوز البعد المحاسباتي لتصبح أداة استراتيجية لتدبير التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

ومن خلال قراءة متأنية للعرض، يتبين أن الحكومة تراهن على مواصلة الإصلاحات الكبرى، وتعزيز الاستثمار، والحفاظ على التوازنات المالية، مع الاستمرار في تنزيل الدولة الاجتماعية. غير أن هذا التوجه يثير تساؤلات علمية حول مدى قدرة السياسة الميزانياتية على تحقيق التوازن بين متطلبات النمو الاقتصادي وضغوط الظرفية الدولية من جهة، وبين متطلبات العدالة الاجتماعية واستدامة المالية العمومية من جهة أخرى.

وتأسيسا على ذلك، تثار الإشكالية الآتية:

إلى أي حد ينجح الإطار العام لمشروع قانون المالية لسنة 2027 في التوفيق بين الحفاظ على التوازنات الماكرو-اقتصادية وتسريع تنزيل الأوراش الاجتماعية، في ظل استمرار المخاطر الاقتصادية الدولية والرهانات الداخلية؟

وللإجابة عن هذه الإشكالية، يمكن تقسيم هذه القراءة إلى محورين رئيسيين.

المحور الأول: مرتكزات الإطار العام لمشروع قانون المالية لسنة 2027 ورهانات الحفاظ على التوازنات الاقتصادية

ينطلق العرض من تشخيص دقيق للسياق الدولي الذي يتسم باستمرار حالة عدم اليقين الاقتصادي نتيجة تداعيات النزاعات الجيوسياسية، وتقلب أسعار المواد الأولية والطاقة، وتباطؤ النمو العالمي، إلى جانب بروز تحديات مرتبطة بالتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، وهي عوامل تؤثر بشكل مباشر على الاقتصادات المنفتحة، ومنها الاقتصاد المغربي.

ورغم هذه الإكراهات، تؤكد الحكومة أن الاقتصاد الوطني أظهر قدرة مهمة على الصمود، مستندا إلى تحسن الموسم الفلاحي، واستمرار دينامية القطاعات غير الفلاحية، وارتفاع الاستثمار، وانتعاش السياحة، بما مكن من رفع توقعات النمو إلى 5.3% خلال سنة 2026، مع الحفاظ على مستويات منخفضة للتضخم وتحسن شروط التمويل.

وتكشف هذه المؤشرات أن الفلسفة التي تؤطر مشروع قانون المالية لسنة 2027 تقوم على جعل الاستثمار المنتج، ودعم القطاعات التصديرية، وتحسين مناخ الأعمال، ركائز أساسية لاستدامة النمو الاقتصادي، مع الحرص على استمرار التحكم في التضخم والحفاظ على استقرار المؤشرات الماكرو-اقتصادية.

غير أن القراءة الأكاديمية تقتضي التأكيد على أن هذه النتائج تظل مرتبطة بعوامل خارجية يصعب التحكم فيها، خصوصا تقلب أسعار الطاقة والأسواق الدولية، وهو ما يجعل من الضروري تنويع مصادر النمو وتعزيز الإنتاجية الداخلية، حتى يصبح الاقتصاد المغربي أقل تأثرا بالصدمات الخارجية.

المحور الثاني: بين تعزيز الدولة الاجتماعية واستدامة المالية العمومية… أي معادلة لمشروع قانون المالية 2027؟

إذا كان الحفاظ على التوازنات الاقتصادية يمثل أحد أعمدة السياسة المالية، فإن العرض يؤكد، في المقابل، استمرار الرهان على تنزيل الدولة الاجتماعية، من خلال مواصلة تمويل ورش الحماية الاجتماعية، وتنفيذ مخرجات الحوار الاجتماعي، ودعم الاستثمار العمومي، وإنجاز المشاريع الكبرى، مع الحفاظ على عجز الميزانية في مستويات متحكم فيها.

كما تبرز الوثيقة النتائج الإيجابية للإصلاح الجبائي، حيث ارتفعت المداخيل الضريبية بفضل توسيع الوعاء الضريبي، وتحسين الامتثال، وتعزيز الرقمنة، دون اللجوء إلى رفع الضغط الضريبي، وهو ما اعتبره صندوق النقد الدولي تجربة مرجعية على المستوى الإقليمي.

غير أن القراءة النقدية لهذا التوجه تبرز أن نجاح السياسة المالية لا يقاس فقط بمستوى المؤشرات الكلية، وإنما بقدرتها على خلق فرص الشغل، وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، ورفع مردودية الاستثمار العمومي، وتعزيز جودة الخدمات العمومية. فالوثيقة نفسها تعترف باستمرار تحديات سوق الشغل، خاصة بالنسبة للشباب والنساء وحاملي الشهادات، كما تشير إلى اتساع العجز التجاري نتيجة ارتفاع الواردات بوتيرة أسرع من الصادرات.

ومن ثم، فإن التحدي الحقيقي أمام مشروع قانون المالية لسنة 2027 لا يكمن في تحقيق نسب نمو مرتفعة فقط، وإنما في تحويل هذا النمو إلى تنمية شاملة ومستدامة، قادرة على تعزيز العدالة الاجتماعية، وتحقيق النجاعة الاقتصادية، وترسيخ الثقة في السياسات العمومية.

يمكن القول إن الإطار العام لمشروع قانون المالية لسنة 2027 يعكس انتقال السياسة المالية المغربية من منطق تدبير الأزمات إلى منطق بناء اقتصاد أكثر مرونة واستدامة. غير أن نجاح هذا التوجه سيظل رهينا بقدرة الحكومة على تحقيق توازن دقيق بين الانضباط المالي، وتحفيز الاستثمار، وتعزيز العدالة الاجتماعية، في ظل بيئة دولية متقلبة ومتسارعة التحولات. ومن هذا المنطلق، فإن قانون المالية المقبل سيكون اختبارا حقيقيا لمدى نجاعة النموذج المالي المغربي في الجمع بين الكفاءة الاقتصادية والإنصاف الاجتماعي.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

https://dolanlink.com/

https://dolankumau88.com/

https://opalsaya88.com/

https://gokumania88.com/

https://gokunih.com/

https://opalkhusus01.org/

https://opalsaya89.com/

https://opalutama.com/

https://skwslot.net/

https://cairbos569.com/

https://cairbosjp.com/

https://caiboswild.com/

https://cairbos.net/