تحولات القانون الدولي للاستثمار في ضوء متطلبات حماية البيئة: نحو إعادة تشكيل التوازن بين حماية المستثمر وحق الدولة في التنظيم – عبد الله الزفزافي

تحولات القانون الدولي للاستثمار في ضوء متطلبات حماية البيئة: نحو إعادة تشكيل التوازن بين حماية المستثمر وحق الدولة في التنظيم
Transformations in International Investment Law in Light of Environmental Protection Requirements: Towards Reshaping the Balance between Investor Protection and the State’s Right to Regulate
عبد الله الزفزافي
طالب باحث في القانون العام للأعمال
كلية العلوم القانونية والسياسية بالناظور، جامعة محمد الأول بوجدة
Abdellah Zafzafi
Master’s Research Student in Public Business Law
Faculty of Legal and Political Sciences of Nador, Mohammed First University, Oujda
الملخص:
يتناول هذا المقال التحولات التي عرفها القانون الدولي للاستثمار في ظل تنامي متطلبات حماية البيئة، من خلال تحليل إعادة تشكيل التوازن بين حماية المستثمر الأجنبي وحق الدولة في التنظيم. ويرصد تطور اتفاقيات الاستثمار من نموذج تقليدي يمنح الأولوية لضمانات المستثمر إلى نموذج حديث يدمج الاعتبارات البيئية والتنمية المستدامة ويكرس الحيز التنظيمي للدولة. كما يبرز دور الاجتهاد التحكيمي في إعادة تفسير معايير حماية الاستثمار بما يحقق قدراً أكبر من التوازن بين المصالح الاقتصادية والمصلحة العامة. واعتمدت الدراسة المنهج التحليلي بالاستناد إلى الاتفاقيات الدولية، والاجتهادات التحكيمية، والتشريع المغربي، خاصة القانون الإطار رقم 03.22 بمثابة ميثاق الاستثمار. وانتهت الدراسة إلى أن إصلاح القانون الدولي للاستثمار يقتضي تحديث الاتفاقيات الاستثمارية، وتدقيق معايير الحماية، وتعزيز الاعتراف بحق الدولة في التنظيم، وإقرار التزامات بيئية أوضح على عاتق المستثمر، بما يضمن استثماراً مسؤولاً ومتوافقاً مع أهداف التنمية المستدامة.
الكلمات المفتاحية: القانون الدولي للاستثمار؛ حماية البيئة؛ حق الدولة في التنظيم؛ التحكيم الاستثماري؛ التنمية المستدامة.
Abstract:
This article examines the transformation of international investment law in response to the growing importance of environmental protection. It analyzes the evolving balance between investor protection and the State’s right to regulate in the public interest. The study explores the shift from traditional investment treaties focused on investor guarantees to modern agreements integrating environmental protection and sustainable development. It also highlights the role of investment arbitration in interpreting investment protection standards while preserving the State’s regulatory powers. The research adopts an analytical approach based on international investment treaties, arbitral jurisprudence, and Moroccan legislation, particularly Framework Law No. 03.22 establishing the Investment Charter. The study concludes that reforming international investment law requires modernizing investment treaties, clarifying protection standards, strengthening the State’s right to regulate, and promoting environmentally responsible investment consistent with sustainable development.
Keywords: International Investment Law; Environmental Protection; State’s Right to Regulate; Investment Arbitration; Sustainable Development.
مقدمة
شهد القانون الدولي للاستثمار خلال العقود الأخيرة تحولات عميقة مست بنيته ووظائفه والغايات التي يسعى إلى تحقيقها، في ارتباط بتطور العلاقات الاقتصادية الدولية وتنامي حضور الاستثمار الأجنبي في السياسات التنموية للدول. وقد تأسس النموذج التقليدي لاتفاقيات الاستثمار الدولية على توفير حماية قانونية موسعة للمستثمر الأجنبي، من خلال تكريس مجموعة من الضمانات، في مقدمتها المعاملة العادلة والمنصفة، والحماية من نزع الملكية، وعدم التمييز، وحرية تحويل الأموال، إلى جانب تمكين المستثمر من اللجوء المباشر إلى التحكيم الدولي لمواجهة الدولة المضيفة. وأسهم هذا النموذج في تعزيز الأمن القانوني للاستثمارات العابرة للحدود وتشجيع تدفقات رؤوس الأموال، كما أفرز اتساع نطاق بعض معايير الحماية وتباين تفسيرها من طرف هيئات التحكيم نقاشا قانونيا متزايدا حول حدود التزامات الدولة ومدى قدرتها على ممارسة اختصاصاتها التنظيمية المرتبطة بالمصلحة العامة[1].
برزت حماية البيئة ضمن أبرز المجالات التي كشفت عن تعقيد العلاقة بين الالتزامات الاستثمارية والسلطة التنظيمية للدولة. فقد اتجهت الدول إلى تشديد القواعد المنظمة للأنشطة الصناعية والاستخراجية والطاقية، والحد من الانبعاثات الملوثة، وحماية الموارد الطبيعية والتنوع البيولوجي، ومواجهة آثار التغير المناخي. وقد تؤثر هذه التدابير في القيمة الاقتصادية لبعض الاستثمارات، أو تقيد طرق استغلالها، أو تؤدي إلى تعديل التراخيص والشروط القانونية التي تأسست عليها، مما يفتح المجال أمام المستثمر للتمسك بضمانات الحماية الاتفاقية والمطالبة بالتعويض. ونتج عن هذا التفاعل انتقال الاعتبارات البيئية إلى صلب المنازعات الاستثمارية الدولية، وأصبحت مشروعية التدبير البيئي تقاس بمدى انسجامه مع معايير الحماية المقررة في اتفاقيات الاستثمار[2].
يرتبط التوتر بين حماية المستثمر ومتطلبات حماية البيئة بصياغة الالتزامات الواردة في اتفاقيات الاستثمار وبالسلطة التقديرية التي تمارسها هيئات التحكيم عند تفسيرها. فقد يؤدي التوسع في مفهوم نزع الملكية غير المباشر أو في معيار المعاملة العادلة والمنصفة إلى ترتيب مسؤولية الدولة عن تدابير بيئية اتخذت لتحقيق هدف عام مشروع، خاصة عندما تؤثر هذه التدابير في الأرباح المتوقعة أو في الاستقرار القانوني الذي اعتمد عليه المستثمر عند إنجاز مشروعه. وفي المقابل، يستوجب ضمان الأمن القانوني للاستثمار حماية المستثمر من التدابير التعسفية أو التمييزية. ويقتضي تحقيق التوازن بين المصلحتين تحديد نطاق الالتزامات الاستثمارية وضبط الحدود الفاصلة بين التدبير التنظيمي المشروع والإجراء الذي يشكل إخلالا بضمانات الحماية الاتفاقية[3].
ودفع هذا الوضع عددا من الدول والمنظمات الدولية إلى مراجعة النموذج التقليدي لاتفاقيات الاستثمار. وأكدت الأونكتاد أن إصلاح النظام الدولي للاستثمار يقتضي صيانة حق الدولة في التنظيم، وإعادة النظر في نظام تسوية المنازعات بين المستثمرين والدول، وتعزيز مسؤولية المستثمر، وتحقيق الانسجام بين سياسات الاستثمار ومتطلبات التنمية المستدامة. ويعكس هذا التوجه تحولا في وظيفة قانون الدولي للاستثمار، الذي أصبح مطالبا بتحقيق التوازن بين حماية المصالح الاقتصادية الخاصة وضمان قدرة السلطات العمومية على تنفيذ سياساتها البيئية والاجتماعية[4].
ويجسد مفهوم حق الدولة في التنظيم أحد المرتكزات الأساسية لهذا التحول؛ إذ يشير إلى سلطة الدولة في سن القواعد واتخاذ التدابير الضرورية لتحقيق أهداف المصلحة العامة، ومنها حماية بيئتها والموارد الطبيعية والصحة العامة. ويرتبط مشروعية هذه التدابير بصدورها وفق القانون، واعتمادها بصورة غير تمييزية، وارتباطها بهدف عام مشروع، وتناسبها مع الغاية المقصودة. ويسهم التنصيص الصريح على هذا الحق داخل اتفاقيات الاستثمار الحديثة في تقليص الغموض الذي يحيط بالعلاقة بين الالتزامات الاستثمارية والاختصاص التنظيمي للدولة[5].
وانعكس الاتجاه الإصلاحي على مضمون الجيل الجديد من اتفاقيات الاستثمار، التي أصبحت تتضمن أحكاما ترتبط بحماية البيئة والتنمية المستدامة والمسؤولية الاجتماعية للمستثمر. كما اتجهت بعض الاتفاقيات إلى استبعاد التدابير التنظيمية المشروعة من نطاق نزع الملكية غير المباشر، وإلزام المستثمر باحترام تشريعات الدولة المضيفة، وإجراء دراسات الأثر البيئي والاجتماعي، والامتناع عن تخفيف المعايير البيئية بقصد استقطاب الاستثمار. ويؤكد هذا التطور انتقال الاعتبارات البيئية من ديباجات الاتفاقيات إلى مقتضيات موضوعية تؤثر في تحديد حقوق المستثمر والتزاماته[6].
وتشكل الاتفاقية المتعلقة بالتشجيع والحماية المتبادلة للاستثمارات الموقعة بين المغرب ونيجيريا بتاريخ 3 دجنبر 2016 نموذجا بارزا لهذا الجيل الجديد. فقد تضمنت إشارات صريحة إلى التنمية المستدامة وحماية البيئة وحق الدولتين في التنظيم، وأقرت التزامات مرتبطة بدراسة الأثر البيئي والاجتماعي وبمسؤولية المستثمر. وتعكس هذه المقتضيات توجها نحو بناء علاقة استثمارية أكثر توازنا، تربط حماية رأس المال باحترام الاختيارات التنموية والبيئية للدولة المضيفة، مع الإشارة إلى أن الاتفاقية ما تزال في وضعية التوقيع ولم تدخل حيز التنفيذ[7].
ويكتسي الموضوع أهمية خاصة بالنسبة للمغرب، بالنظر إلى سعيه إلى تعزيز جاذبية الاقتصاد الوطني للاستثمار وتحسين مناخ الأعمال وتوجيه الاستثمار نحو الأولويات الاقتصادية والاجتماعية والمجالية. وقد كرس القانون الإطار رقم 03.22 بمثابة ميثاق الاستثمار مجموعة من الأهداف المرتبطة بخلق فرص الشغل، وتقليص الفوارق المجالية، وتوجيه الاستثمار نحو القطاعات ذات الأولوية، وتشجيع التنمية المستدامة. ويجعل هذا التوجه من السياسة الاستثمارية أداة لتحقيق أهداف تنموية تتجاوز استقطاب رؤوس الأموال إلى دعم التحول الاقتصادي والاجتماعي والبيئي[8].
وكرس دستور المملكة المغربية لسنة 2011 بدوره مرجعية دستورية لحماية البيئة والتنمية المستدامة، من خلال إقرار الحق في العيش في بيئة سليمة والحق في التنمية المستدامة ضمن الحقوق التي تعمل الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية على تيسير أسباب استفادة المواطنات والمواطنين منها. كما أدرج حماية البيئة ضمن المجالات التي يختص القانون بوضع القواعد المنظمة لها، وهو ما يمنح التدخل التشريعي والتنظيمي في هذا المجال أساسا دستوريا واضحا[9].
يثير تفاعل المرجعيات الوطنية مع اتفاقيات الاستثمار الدولية إشكالات قانونية تتصل بحدود التزامات الدولة تجاه المستثمر الأجنبي، ومدى احتفاظها بسلطتها في تطوير تشريعاتها البيئية وتنفيذ سياساتها المرتبطة بالمصلحة العامة. فقد تقتضي حماية البيئة اعتماد تدابير تنظيمية تؤثر في بعض الاستثمارات، بينما قد يتمسك المستثمر بضمانات الحماية المقررة في اتفاقيات الاستثمار، خاصة المعاملة العادلة والمنصفة، وحماية التوقعات المشروعة، وعدم نزع الملكية بصورة غير مباشرة، مما يجعل التوفيق بين حماية الاستثمار وحماية البيئة من أبرز التحديات التي تواجه القانون الدولي للاستثمار.
وتنبع أهمية الموضوع من ارتباطه بأحد أبرز التحولات التي يعرفها القانون الدولي للاستثمار، والمتمثل في إعادة بناء العلاقة بين حماية المستثمر وحق الدولة في التنظيم في ظل تنامي الاعتبارات البيئية. وانطلاقًا من ذلك، تتمحور إشكالية الدراسة حول التساؤل الآتي: إلى أي حد أسهمت تحولات القانون الدولي للاستثمار في إعادة تشكيل التوازن بين حماية المستثمر الأجنبي وحق الدولة في التنظيم من أجل حماية البيئة؟ ويتفرع عنها تساؤل حول مدى استيعاب اتفاقيات الاستثمار الحديثة لمتطلبات حماية البيئة، ودور الاجتهاد التحكيمي في تكريس حق الدولة في التنظيم، وحدود انعكاس ذلك على التجربة المغربية.
وتعتمد الدراسة المنهج التحليلي من خلال تحليل القواعد الاتفاقية والاجتهادات التحكيمية والتشريع المغربي ذات الصلة، للكشف عن الأسس القانونية التي تحكم التوازن بين حماية المستثمر وحق الدولة في التنظيم. وللإجابة عن الإشكالية، تم تقسيم الدراسة إلى مبحثين؛ خُصص المبحث الأول لدراسة تجليات إدماج متطلبات حماية البيئة في القانون الدولي للاستثمار، من خلال بيان تطور مكانة البيئة في اتفاقيات الاستثمار وتحليل حق الدولة في التنظيم والالتزامات البيئية للمستثمر، بينما تناول المبحث الثاني حدود تحقيق التوازن بين حماية المستثمر وحق الدولة في التنظيم، من خلال دراسة توجهات الاجتهاد التحكيمي وآفاق إصلاح القانون الدولي للاستثمار في ضوء متطلبات حماية البيئة.
المبحث الأول: تجليات إدماج متطلبات حماية البيئة في قانون الاستثمار الدولي
أصبحت حماية البيئة إحدى القضايا المحورية التي أعادت تشكيل فلسفة قانون الدولي للاستثمار خلال العقود الأخيرة، بعدما كشف التطبيق العملي للاتفاقيات الاستثمارية التقليدية عن محدودية قدرتها على استيعاب التحولات التي شهدها القانون الدولي المعاصر، ولاسيما تلك المرتبطة بالتنمية المستدامة ومواجهة التغيرات المناخية وحماية الموارد الطبيعية. فقد أدى تركيز الجيل الأول من اتفاقيات الاستثمار على ضمانات حماية المستثمر إلى بروز إشكالات قانونية متزايدة عند تعارض الالتزامات الاستثمارية مع التدابير التنظيمية التي تعتمدها الدول لحماية البيئة، وهو ما دفع الفقه والمنظمات الدولية والدول إلى مراجعة النموذج التقليدي لهذه الاتفاقيات والبحث عن آليات أكثر توازنا بين المصالح الاقتصادية للدول وللمستثمرين ومتطلبات المصلحة العامة[10].
وفي هذا السياق، لم تعد الاعتبارات البيئية تقتصر على الإشارات الواردة في ديباجات الاتفاقيات، وإنما أصبحت تشكل عنصراً مؤثراً في صياغة الالتزامات الموضوعية وفي تحديد نطاق الحقوق والواجبات المترتبة على كل من المستثمر والدولة المضيفة. كما اتجهت الاتفاقيات الحديثة إلى إقرار مقتضيات صريحة تتعلق بحق الدولة في التنظيم، والالتزامات البيئية للمستثمر، والاستثناءات المرتبطة بحماية البيئة، بما يعكس تطوراً نوعياً في وظيفة القانون الدولي للاستثمار، الذي أصبح مطالباً بتحقيق التوازن بين تشجيع الاستثمار وضمان الاستعمال المستدام للموارد الطبيعية[11].
ويقتضي الوقوف على مظاهر هذا التحول دراسة التطور الذي عرفته مكانة حماية البيئة داخل اتفاقيات الاستثمار الدولية، قبل تحليل أهم الآليات القانونية التي اعتمدتها الاتفاقيات الحديثة لإدماج البعد البيئي ضمن منظومة حماية الاستثمار، وذلك من خلال مطلبين: يتناول أولهما تطور مكانة حماية البيئة في اتفاقيات الاستثمار الدولية، بينما يخصص ثانيهما للآليات القانونية التي كرس بها الجيل الجديد من الاتفاقيات متطلبات حماية البيئة ضمن قواعد القانون الدولي للاستثمار.
المطلب الأول: تطور مكانة حماية البيئة في اتفاقيات الاستثمار الدولية
فرضت التحولات التي شهدها القانون الدولي للبيئة منذ سبعينيات القرن الماضي مراجعة العديد من الفرضيات التي تأسس عليها القانون الدولي للاستثمار، خاصة تلك التي كانت تمنح الأولوية لحماية المستثمر الأجنبي بمعزل عن الاعتبارات البيئية والاجتماعية. فقد أبانت الممارسة الدولية عن تزايد حالات التعارض بين الحقوق التي تكفلها اتفاقيات الاستثمار للدولة المستثمر فيها من جهة، والتدابير التنظيمية التي تعتمدها الدول لحماية البيئة من جهة أخرى، الأمر الذي كشف محدودية النموذج التقليدي لاتفاقيات الاستثمار في تحقيق التوازن بين تشجيع الاستثمار وصيانة المصلحة العامة. ونتيجة لذلك، عرفت اتفاقيات الاستثمار الدولية تحولاً تدريجياً في بنيتها ومضمونها، انتقلت بموجبه من التركيز على حماية الاستثمار باعتبارها غاية مستقلة إلى تبني رؤية تجعل الاستثمار وسيلة لدعم التنمية المستدامة واحترام الالتزامات البيئية الدولية. ويقتضي إبراز هذا التحول الوقوف على تطور مكانة البيئة داخل أجيال اتفاقيات الاستثمار الدولية، ثم بيان انعكاس ذلك على فلسفة الحماية التي يقوم عليها هذا الفرع من القانون الدولي.
الفقرة الأولى: تطور مكانة البيئة في أجيال اتفاقيات الاستثمار الدولية
ارتبط ظهور اتفاقيات الاستثمار الثنائية خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي بظروف اقتصادية وسياسية اتسمت بتزايد الحاجة إلى توفير ضمانات قانونية تشجع انتقال رؤوس الأموال نحو الدول النامية، وهو ما جعل أغلب هذه الاتفاقيات تنصرف إلى حماية المستثمر الأجنبي من المخاطر السياسية والتشريعية، دون أن تتضمن مقتضيات تتعلق بحماية البيئة أو التنمية المستدامة. فقد انصبت أحكامها على تكريس معايير الحماية التقليدية، وفي مقدمتها المعاملة العادلة والمنصفة، والحماية من نزع الملكية، وحرية تحويل الأرباح، وآلية التحكيم الدولي، بينما ظلت الاعتبارات البيئية مندرجة ضمن المجال التنظيمي الداخلي للدول، دون أن يكون لها تأثير مباشر في تفسير الالتزامات الاستثمارية أو في تحديد نطاقها[12].
وقد كان هذا التوجه منسجماً مع طبيعة المرحلة التي نشأت فيها تلك الاتفاقيات، حيث انصب الاهتمام الدولي على إزالة العوائق القانونية أمام الاستثمار الأجنبي باعتباره أداة لتحقيق النمو الاقتصادي، في وقت لم يكن فيه القانون الدولي للبيئة قد بلغ درجة من التطور تسمح بفرض التزامات بيئية مؤثرة على العلاقات الاستثمارية الدولية. لذلك، اتسمت اتفاقيات الجيل الأول بطابع اقتصادي صرف، وعكست تصوراً يقوم على الفصل بين حماية الاستثمار والسياسات البيئية، وهو ما أفرز لاحقاً صعوبات عملية عند لجوء الدول إلى اعتماد تدابير بيئية أثرت في المصالح الاقتصادية للمستثمرين الأجانب[13].
ومع بداية تسعينيات القرن الماضي، بدأت البيئة تكتسب مكانة متزايدة داخل النظام القانوني الدولي، خاصة بعد انعقاد مؤتمر الأمم المتحدة المعني بالبيئة والتنمية بمدينة ريو دي جانيرو سنة 1992، الذي رسخ مفهوم التنمية المستدامة باعتباره إطاراً موجهاً للعلاقة بين التنمية الاقتصادية وحماية البيئة. وقد شكل إعلان ريو نقطة تحول في الفكر القانوني الدولي، إذ أكد أن حماية البيئة تمثل جزءاً لا يتجزأ من عملية التنمية، وأن تحقيق النمو الاقتصادي لا ينبغي أن يتم على حساب استنزاف الموارد الطبيعية أو الإضرار بحقوق الأجيال المقبلة[14].
وأثرت هذه التحولات بصورة تدريجية في سياسة الدول التعاقدية، حيث بدأت بعض اتفاقيات الاستثمار تتضمن إشارات إلى التنمية المستدامة ضمن ديباجاتها، قبل أن تمتد هذه الإشارات إلى الأحكام الموضوعية للاتفاقيات. كما اتجهت عدة دول إلى مراجعة نماذجها الوطنية لاتفاقيات الاستثمار، من أجل تقليص الفجوة التي كانت تفصل بين قواعد حماية الاستثمار ومتطلبات حماية البيئة، وهو ما ساهم في ظهور جيل جديد من الاتفاقيات يتجاوز المفهوم التقليدي للحماية المطلقة للمستثمر الأجنبي[15]..
وتعزز هذا المسار بصورة أوضح بعد سنة 2010، مع اتساع الدعوات الدولية إلى إصلاح نظام الاستثمار الدولي، حيث اعتبرت العديد من التقارير الدولية أن فعالية هذا النظام أصبحت رهينة بقدرته على تحقيق التوازن بين جذب الاستثمار وحماية المصالح العامة، وفي مقدمتها البيئة حقوق الإنسان والصحة العامة. وفي هذا الإطار، دعت الأونكتاد إلى إعادة صياغة اتفاقيات الاستثمار وفق منظور ينسجم مع أهداف التنمية المستدامة، ويكفل للدول هامشاً تنظيمياً كافياً لاعتماد سياستها البيئية دون التعرض بصورة غير مبررة للمسؤولية الدولية[16].
وانعكس هذا التوجه على عدد من الاتفاقيات الثنائية الحديثة، التي أصبحت تتضمن نصوصاً صريحة تؤكد حق الدول في سن وتطبيق التشريعات البيئية، كما أدرجت مقتضيات تلزم المستثمرين باحترام القوانين البيئية للدولة المضيفة، وتدعو إلى تشجيع الاستثمار المسؤول والمستدام. ويعد اتفاق الاستثمار بين المملكة المغربية وجمهورية نيجيريا الاتحادية لسنة 2016 من أبرز النماذج التي عكست هذا التحول، إذ لم يكتف بتكريس الضمانات التقليدية لحماية المستثمر، وإنما ربط التمتع بهذه الضمانات باحترام عدد من الالتزامات المتعلقة بالحوكمة والتنمية المستدامة والمسؤولية البيئية، بما يمثل خروجاً واضحاً عن الصياغة التقليدية لاتفاقيات الاستثمار الثنائية[17].
ويستخلص من ذلك أن إدماج البعد البيئي في اتفاقيات الاستثمار لم يكن نتيجة تعديل شكلي في الصياغة الاتفاقية، وإنما عبر عن تحول في فلسفة قانون الاستثمار الدولي نفسها، إذ أصبحت حماية البيئة عنصراً مؤثراً في تحديد مضمون الالتزامات الاستثمارية وفي رسم حدود الحقوق المخولة لكل من المستثمر والدولة المضيفة. وقد مهد هذا التحول لظهور مفهوم حق الدولة في التنظيم باعتباره إحدى الركائز الأساسية للجيل الجديد من اتفاقيات الاستثمار، وهو ما سيتم تناوله في الفقرة الثانية.
الفقرة الثانية: انعكاس إدماج البعد البيئي على فلسفة حماية الاستثمار الدولي
أدى تنامي الاهتمام الدولي بحماية البيئة إلى إحداث تحول جوهري في فلسفة القانون الدولي للبيئة والقانون الدولي للاستثمار، بعدما اتجهت الدول إلى تجاوز التصور التقليدي الذي كان يقيس فعالية اتفاقيات الاستثمار بمدى اتساع الضمانات الممنوحة للمستثمر الأجنبي. فقد أظهرت التجربة العملية أن المبالغة في توسيع نطاق تلك الضمانات قد تقيد قدرة الدولة المضيفة على ممارسة اختصاصاتها التنظيمية في المجالات المرتبطة بحماية البيئة والصحة العامة والموارد الطبيعية، وهو ما دفع إلى إعادة النظر في وظيفة اتفاقيات الاستثمار، لتصبح أداة لتحقيق التوازن بين تشجيع الاستثمار وحماية المصلحة العامة، عوض الاقتصار على حماية المصالح الاقتصادية للمستثمرين[18].
وقد ساهمت المنازعات الاستثمارية التي عرضت على هيئات التحكيم الدولية في تسريع هذا التحول، إذ كشفت عن حالات متعددة اعتبر فيها المستثمرون أن التدابير البيئية التي اتخذتها الدول تشكل إخلالًا بالتزاماتها الاتفاقية أو تمثل صورة من صور نزع الملكية غير المباشر. وأثارت هذه المنازعات نقاشًا فقهيًا واسعًا حول مدى مشروعية إخضاع القرارات التنظيمية البيئية لرقابة هيئات التحكيم، خاصة عندما تكون تلك التدابير مبررة بحماية النظام العام البيئي أو بتنفيذ التزامات دولية في مجال البيئة[19].
وأمام هذه الإشكالات، اتجهت الدول إلى إعادة صياغة عدد من المفاهيم الأساسية التي يقوم عليها قانون الاستثمار الدولي، فأصبحت الاتفاقيات الحديثة تتضمن نصوصًا تؤكد أن حماية الاستثمار لا تحول دون ممارسة الدولة لسلطتها التنظيمية في المجالات المرتبطة بحماية البيئة وتحقيق التنمية المستدامة. كما أدرجت العديد من الاتفاقيات أحكامًا تنص صراحة على أن التدابير التنظيمية غير التمييزية، المعتمدة بحسن نية لحماية البيئة أو الصحة العامة، لا تعد في حد ذاتها مخالفة للالتزامات الاستثمارية، ولو ترتب عنها تأثير اقتصادي على الاستثمار الأجنبي[20].
ويمثل تكريس حق الدولة في التنظيم (Right to Regulate) أحد أبرز مظاهر هذا التحول، إذ أصبح هذا الحق يشكل مبدأً موجهًا لتفسير اتفاقيات الاستثمار الحديثة، ويؤكد احتفاظ الدولة بسلطتها في وضع التشريعات والسياسات الضرورية لحماية البيئة والموارد الطبيعية، شريطة احترام مبادئ المشروعية وعدم التمييز والتناسب. ويعكس هذا الاتجاه قناعة متزايدة بأن حماية الاستثمار لا يمكن أن تتحقق بمعزل عن حماية المصلحة العامة، وأن التنمية الاقتصادية المستدامة تستلزم تمكين الدولة من اعتماد التدابير البيئية التي تفرضها الظروف الوطنية أو الالتزامات الدولية[21].
وفي السياق ذاته، شهدت الاتفاقيات الحديثة توسعا في إدراج الالتزامات الواقعة على عاتق المستثمر، بعد أن كانت تقتصر تقريبًا على بيان حقوقه وضماناته. فأصبحت بعض الاتفاقيات تلزم المستثمر باحترام التشريعات البيئية للدولة المضيفة، وإجراء تقييمات الأثر البيئي للمشروعات الاستثمارية، واعتماد ممارسات تراعي مبادئ التنمية المستدامة والمسؤولية الاجتماعية للمقاولات. ويعكس هذا التوجه انتقال العلاقة الاستثمارية من علاقة تقوم على منح الحقوق إلى علاقة تتوازن فيها الحقوق مع الالتزامات، بما ينسجم مع التطور الذي عرفه القانون الدولي المعاصر في مجال حماية البيئة[22].
ويبرز الاتفاق المبرم بين المملكة المغربية وجمهورية نيجيريا الاتحادية لسنة 2016 مثالًا واضحا لهذا الاتجاه، إذ تضمن مقتضيات متقدمة تلزم المستثمر باحترام حقوق الإنسان، ومبادئ الحكامة الجيدة، والمعايير البيئية، كما أقر للدولتين المتعاقدتين بحق اتخاذ التدابير اللازمة لحماية البيئة وتحقيق التنمية المستدامة. وقد اعتبر الفقه هذا الاتفاق من بين النماذج الرائدة التي عكست التحول من اتفاقيات حماية الاستثمار التقليدية إلى اتفاقيات تستند إلى مفهوم الاستثمار المسؤول، الأمر الذي جعلها تحظى باهتمام واسع في الأدبيات القانونية الدولية.[23]
ويؤكد هذا التطور أن إدماج البعد البيئي لم يعد مجرد استجابة ظرفية للضغوط الدولية، وإنما أصبح يمثل أحد المرتكزات البنيوية التي يقوم عليها الجيل الجديد من اتفاقيات الاستثمار الدولية. كما أصبح التوازن بين حماية المستثمر وحق الدولة في التنظيم معيارا أساسيا لتقييم فعالية هذه الاتفاقيات ومدى قدرتها على التوفيق بين متطلبات التنمية الاقتصادية وحماية البيئة. ومن ثم، فإن دراسة الآليات القانونية التي اعتمدتها الاتفاقيات الحديثة لتكريس هذا التوازن تقتضي تخصيص المطلب الثاني لبيان أهم الأدوات الاتفاقية التي وظفت لإدماج الاعتبارات البيئية ضمن قواعد قانون الاستثمار الدولي.
ويكشف التحليل السابق أن إدماج الاعتبارات البيئية في اتفاقيات الاستثمار الدولية لم يعد يقتصر على تعديل بعض الصياغات الاتفاقية أو إضافة إشارات عامة إلى التنمية المستدامة، وإنما أصبح يعبر عن تحول بنيوي في فلسفة قانون الاستثمار الدولي. فقد انتقل هذا القانون من نموذج يقوم على حماية المستثمر باعتبارها الغاية الأساسية للاتفاقيات، إلى نموذج أكثر توازناً يسعى إلى التوفيق بين حماية الاستثمار وضمان قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها البيئية وتحقيق أهداف التنمية المستدامة. وقد انعكس هذا التحول على مضمون الاتفاقيات الحديثة التي أعادت تحديد العلاقة بين الحقوق المقررة للمستثمر والسلطات التنظيمية المخولة للدولة، وأقرت بصورة متزايدة بأن حماية البيئة تمثل مصلحة عامة مشروعة تبرر تدخل الدولة في تنظيم النشاط الاستثماري.
غير أن الإقرار بهذا التوجه على المستوى المبدئي لا يكفي لتحقيق التوازن المنشود، إذ تظل فعاليته رهينة بالآليات القانونية التي تعتمدها اتفاقيات الاستثمار الحديثة لترجمة هذه المبادئ إلى قواعد ملزمة وقابلة للتطبيق. ومن ثم، لم يعد النقاش ينصرف إلى مدى مشروعية إدماج الاعتبارات البيئية في القانون الدولي للاستثمار، وإنما أصبح يتركز حول الوسائل القانونية التي تمكن من تحقيق هذا الإدماج دون المساس بجوهر الحماية المقررة للاستثمار الأجنبي. لذلك، يقتضي الأمر الانتقال إلى دراسة أهم الآليات الاتفاقية التي اعتمدها الجيل الجديد من اتفاقيات الاستثمار لإدماج متطلبات حماية البيئة وإعادة صياغة العلاقة بين المستثمر والدولة المضيفة، وهو ما يشكل موضوع المطلب الثاني.
المطلب الثاني: الآليات القانونية لإدماج متطلبات حماية البيئة في اتفاقيات الاستثمار الحديثة
أفرز التحول الذي عرفه القانون الدولي للاستثمار انتقالًا من مجرد الاعتراف بأهمية حماية البيئة؛ إلى البحث عن أدوات قانونية تكفل إدماجها بصورة فعلية داخل المنظومة الاتفاقية للاستثمار. فلم يعد تحقيق التوازن بين حماية المستثمر وحق الدولة في التنظيم رهينا بالمبادئ العامة أو بالاجتهاد التحكيمي، وإنما أصبح يرتبط بالصياغة الدقيقة للأحكام الاتفاقية التي تحدد نطاق الحقوق والالتزامات المتبادلة بين أطراف العلاقة الاستثمارية. ولهذا اتجهت الدول، خلال العقدين الأخيرين، إلى مراجعة نماذج اتفاقيات الاستثمار الثنائية والمتعددة الأطراف، وإدراج مقتضيات جديدة تعكس متطلبات التنمية المستدامة، وتوسع هامش الدولة في اعتماد التدابير البيئية، مقابل إقرار التزامات أكثر وضوحاً على عاتق المستثمر الأجنبي. ويقتضي تحليل هذه الآليات الوقوف أولًا عند تكريس حق الدولة في التنظيم لحماية البيئة، ثم دراسة الالتزامات البيئية التي أصبحت ترتبها الاتفاقيات الحديثة على المستثمر الأجنبي.
الفقرة الأولى: تكريس حق الدولة في التنظيم لحماية البيئة في اتفاقيات الاستثمار الحديثة
أدى التطور الذي عرفه القانون الدولي للاستثمار خلال العقدين الأخيرين إلى إعادة النظر في التصور التقليدي للعلاقة بين حماية المستثمر الأجنبي وسلطات الدولة المضيفة، بعدما اتضح أن الضمانات الواسعة التي كرستها اتفاقيات الاستثمار الثنائية المبرمة خلال النصف الثاني من القرن العشرين أفضت في بعض الحالات إلى تضييق المجال التنظيمي للدول، ولاسيما فيما يتعلق بإصدار التشريعات البيئية والصحية والاجتماعية[24]. وقد اعتبر جانب من الفقه أن هذا الوضع أخل بالتوازن الذي ينبغي أن يحكم العلاقة بين الحقوق الاقتصادية للمستثمر ومتطلبات المصلحة العامة، الأمر الذي استدعى مراجعة البنية القانونية لاتفاقيات الاستثمار الدولية[25]. كما أكدت منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية أن استعادة الحيز التنظيمي للدولة أصبحت أحد المحاور الرئيسية لإصلاح نظام الاستثمار الدولي[26] . وخلصت منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية إلى أن تحقيق التنمية المستدامة يقتضي الاعتراف الصريح بحق الدول في اعتماد التدابير التنظيمية اللازمة لحماية البيئة دون أن يشكل ذلك في ذاته إخلالاً بالتزاماتها الاستثمارية[27].
ويستند حق الدولة في التنظيم إلى مبدأ أصيل في القانون الدولي العام، مؤداه أن الدولة تحتفظ بسيادتها على إقليمها ومواردها الطبيعية رغم دخولها في التزامات اتفاقية مع المستثمرين الأجانب، ما دامت تمارس هذه السلطة في حدود الشرعية الدولية وبما يحترم مبدأ حسن النية[28]. ويجد هذا التصور سنده كذلك في مبدأ السيادة الدائمة على الثروات والموارد الطبيعية الذي أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة، والذي منح الدول سلطة تقرير كيفية استغلال مواردها بما يحقق مصالح شعوبها ويحافظ على البيئة للأجيال المقبلة[29] ويرى Rudolf Dolzer أن اتفاقيات الاستثمار لم تُنشأ لتجريد الدول من وظائفها التنظيمية، وإنما لضمان عدم التعسف في استعمال تلك السلطة[30] . بينما يؤكد Stephan Schill أن حماية الاستثمار وحق الدولة في التنظيم يمثلان مبدأين متكاملين داخل النظام القانوني الدولي، ولا يجوز تفسير أحدهما بمعزل عن الآخر[31].
وقد ساهمت الممارسة التحكيمية في إبراز الحاجة إلى هذا التوازن، إذ اتجهت بعض هيئات التحكيم في بداية الأمر إلى تفسير معايير الحماية تفسيراً موسعاً، خاصة معيار المعاملة العادلة والمنصفة والحماية من نزع الملكية غير المباشر، بما أدى إلى الطعن في عدد من التدابير البيئية التي اعتمدتها الدول المضيفة[32].وأثارت هذه التوجهات مخاوف فقهية من ظهور ما يعرف بـ”الأثر التثبيطي للتنظيم” (Regulatory Chill)، الذي يدفع بعض الدول إلى التردد في سن قواعد بيئية أكثر صرامة خشية التعرض لدعاوى التحكيم الدولي والمطالبة بتعويضات مالية مرتفعة[33]. وقد أبرزت Catharine Titi أن هذا الأثر يعد من أهم الأسباب التي دفعت المجتمع الدولي إلى إعادة صياغة اتفاقيات الاستثمار الحديثة[34]. كما خلصت دراسات حديثة صادرة عن المعهد الدولي للتنمية المستدامة (IISD) إلى أن الاعتراف الصريح بحق الدولة في التنظيم أصبح ضرورة لضمان انسجام الاستثمار مع أهداف التنمية المستدامة[35].
ولم يبق هذا التحول حبيس النقاش الفقهي، وإنما وجد صداه في الاتفاقيات الدولية الحديثة التي اتجهت إلى تضمين نصوص صريحة تؤكد احتفاظ الدول بحقها في تنظيم الأنشطة الاقتصادية حمايةً للبيئة والصحة العامة وحقوق الإنسان. فقد نصت اتفاقية تشجيع وحماية الاستثمار المبرمة بين المملكة المغربية وجمهورية نيجيريا الاتحادية لسنة 2016 على حق الدولتين في اعتماد التدابير التنظيمية اللازمة لتحقيق التنمية المستدامة وحماية البيئة، مع تحميل المستثمر بدوره التزامات تتعلق باحترام المعايير البيئية المعمول بها[36]. كما كرست الاتفاقية النموذجية الهولندية للاستثمار لسنة 2019 المبدأ نفسه عندما أقرت صراحة بأن الأطراف تحتفظ بحقها في تنظيم الأنشطة الاقتصادية لتحقيق أهداف السياسة العامة، وفي مقدمتها حماية البيئة والصحة العامة[37].وأكد نموذج اتفاقية الاستثمار الكندية أن التدابير التنظيمية غير التمييزية، المتخذة بحسن نية لتحقيق أهداف مشروعة للمصلحة العامة، ولا سيما حماية البيئة، لا تعد في الأصل نزعا غير مباشر للملكية، ولو ترتب عنها أثر اقتصادي على الاستثمار[38].
وتنسجم هذه التحولات مع التوجه الذي كرسه المشرع المغربي، إذ جعل دستور سنة 2011 حماية البيئة والتنمية المستدامة من المبادئ الدستورية المؤطرة للسياسات العمومية، وألزم السلطات العمومية بتعبئة الوسائل الكفيلة بضمان الحق في العيش في بيئة سليمة وتحقيق التنمية المستدامة[39]. كما عزز القانون الإطار رقم 99.12 بمثابة الميثاق الوطني للبيئة والتنمية المستدامة هذا التوجه من خلال إرساء مبادئ الإدماج والاستدامة والوقاية والاحتراز في مختلف السياسات العمومية[40]. وعزز القانون رقم 49.17 المتعلق بالتقييم البيئي هذا التوجه، من خلال إخضاع المشاريع التي قد يترتب عنها أثر على البيئة لإجراءات التقييم البيئي قبل الترخيص بتنفيذها، بما يكفل إدماج الاعتبارات البيئية في اتخاذ القرار الاستثماري والحد من الآثار السلبية المحتملة على البيئة[41]. ويأتي القانون الإطار رقم 03.22 بمثابة ميثاق الاستثمار ليكرس هذا المسار، من خلال ربط تحفيز الاستثمار بتحقيق التنمية المستدامة وتحسين الأثر البيئي للمشاريع الاستثمارية وتعزيز الاستثمار المسؤول[42].
الفقرة الثانية: التحول في الاجتهاد التحكيمي نحو تحقيق التوازن بين حماية الاستثمار ومتطلبات حماية البيئة
لم يقتصر إدماج الاعتبارات البيئية في القانون الدولي للاستثمار على إعادة صياغة اتفاقيات الاستثمار الحديثة، وإنما امتد إلى الاجتهاد التحكيمي الذي أسهم بصورة ملموسة في إعادة تفسير معايير حماية الاستثمار بما ينسجم مع تطور قواعد القانون الدولي العام وتنامي مكانة حماية البيئة والتنمية المستدامة داخل المنظومة القانونية الدولية[43]. وقد شكل هذا التطور انتقالاً تدريجياً من تصور تقليدي يمنح الأولوية لحماية المصالح الاقتصادية للمستثمر إلى مقاربة أكثر توازناً تسعى إلى التوفيق بين ضمانات حماية الاستثمار وحق الدولة في ممارسة سلطتها التنظيمية لحماية البيئة والصحة العامة والموارد الطبيعية، بما يعكس التحول الذي عرفته فلسفة التحكيم الاستثماري من حماية تكاد تكون مطلقة لحقوق المستثمر إلى حماية مندمجة تراعي مقتضيات المصلحة العامة.
وقد اتسمت المرحلة الأولى من الاجتهاد التحكيمي بمنح حماية واسعة للمستثمر حتى في مواجهة التدابير البيئية، وهو ما تجسد بوضوح في قضية Metalclad Corporation v. Mexico، حيث اعتبرت هيئة التحكيم أن رفض السلطات المحلية منح الترخيص اللازم لاستغلال مركز لمعالجة النفايات، ثم إعلان المنطقة محمية بيئية، يشكل نزعاً غير مباشر للملكية رغم ارتباط القرار باعتبارات بيئية[44]. وقد ركزت الهيئة على الأثر الاقتصادي الذي لحق الاستثمار أكثر من تركيزها على الغاية البيئية التي استهدفتها الدولة، وهو ما أسهم في توسيع مفهوم نزع الملكية غير المباشرة، وأثار انتقادات فقهية واسعة بسبب تضييقه من هامش الدولة في تبني سياسات بيئية فعالة.
وسارت هيئة التحكيم في قضية Técnicas Medioambientales Tecmed S.A. v. Mexico في الاتجاه نفسه، عندما اعتمدت معيار التناسب والتوقعات المشروعة للمستثمر لتقييم مشروعية قرار السلطات المكسيكية القاضي بعدم تجديد ترخيص استغلال موقع لمعالجة النفايات، معتبرة أن مشروعية التدبير التنظيمي تقتضي تحقيق توازن بين الهدف البيئي المنشود والأثر الاقتصادي المترتب على الاستثمار[45]. كما أكدت هيئة التحكيم في قضية Compañía del Desarrollo de Santa Elena v. Costa Rica أن مشروعية الغاية البيئية لا تحول دون قيام الالتزام بالتعويض متى ترتب عن الإجراء نزع للملكية، بما يعني أن الاعتبارات البيئية، وفق هذا الاتجاه، لم تكن كافية للحد من نطاق الحماية المقررة للمستثمر[46].
وأفضى هذا التوجه إلى بروز انتقادات فقهية ومؤسساتية متزايدة، بالنظر إلى ما قد يترتب عنه من تقييد لقدرة الدول على تطوير تشريعاتها البيئية خشية التعرض للمسؤولية الدولية، وهي الظاهرة التي اصطلح على تسميتها في الأدبيات القانونية بـ Regulatory Chill. وقد ساهمت هذه الانتقادات، إلى جانب تصاعد مكانة التنمية المستدامة داخل القانون الدولي، في إعادة توجيه الاجتهاد التحكيمي نحو تبني قراءة أكثر مرونة لمعايير حماية الاستثمار، تراعي خصوصية الوظيفة التنظيمية للدولة[47].
وتجلّى هذا التحول بصورة أكثر وضوحاً في قضية Methanex Corporation v. United States، حيث أقرت هيئة التحكيم بأن التدابير التنظيمية العامة وغير التمييزية، المعتمدة بحسن نية لحماية البيئة أو الصحة العامة، لا تشكل نزعاً غير مباشر للملكية ولا تستوجب التعويض، حتى وإن ترتب عنها انخفاض القيمة الاقتصادية للاستثمار[48]. ويعد هذا الحكم من أبرز التطبيقات لنظرية Police Powers التي تقر بحق الدولة في تنظيم الأنشطة الاقتصادية حمايةً للمصلحة العامة دون أن تتحمل مسؤولية دولية، متى احترمت مبادئ المشروعية وعدم التمييز والتناسب.
وتأكد هذا المنحى في قضية Saluka Investments B.V. v. Czech Republic، حيث شددت هيئة التحكيم على أن الدولة تحتفظ بحقها الأصيل في تنظيم الأنشطة الاقتصادية تحقيقاً للمصلحة العامة، وأن مجرد تأثر الاستثمار بالتدابير التنظيمية لا يكفي للقول بوجود إخلال بالالتزامات الدولية، ما دام الإجراء غير تعسفي ويستجيب لمقتضيات التناسب[49]. وقد انتقل الاجتهاد التحكيمي بذلك من حماية مطلقة للمستثمر إلى موازنة حقيقية بين الحقوق الاقتصادية الخاصة والوظيفة التنظيمية للدولة.
واستمر هذا التطور في أحكام لاحقة، من أبرزها قضية Chemtura Corporation v. Canada التي اعترفت بهامش تقدير واسع للسلطات الوطنية في اعتماد تدابير تنظيمية تستند إلى تقييمات علمية للمخاطر البيئية، وقضية Philip Morris Brands Sàrl v. Uruguay التي أقرت بأن حماية الصحة العامة تمثل جزءاً أصيلاً من السلطة التنظيمية للدولة، وأن القيود المفروضة على الاستثمار لا تشكل إخلالاً بالاتفاقيات الدولية متى استندت إلى هدف مشروع، واحترمت مبدأ التناسب، وطُبقت بصورة غير تمييزية[50].
وقد وجد هذا التحول صداه في الفقه المغربي، الذي اعتبر أن تطور التحكيم في منازعات الاستثمار لم يعد يقاس فقط بمدى فعاليته في حماية المستثمر، وإنما كذلك بقدرته على استيعاب التحولات التي يشهدها القانون الدولي، خاصة ما يتعلق بتكريس حق الدولة في التنظيم وتحقيق التوازن بين جذب الاستثمار ومتطلبات التنمية المستدامة وحماية البيئة[51].
وتأسيساً على ما سبق، يتبين أن الاجتهاد التحكيمي لم يتخل عن المبادئ التقليدية لحماية الاستثمار، وإنما أعاد تفسيرها في ضوء تطور القانون الدولي المعاصر، بحيث أصبحت معايير المعاملة العادلة والمنصفة، ونزع الملكية غير المباشرة، والتوقعات المشروعة للمستثمر، تخضع لقراءة أكثر توازناً تراعي مقتضيات حماية البيئة والمصلحة العامة. ومع ذلك، فإن هذا التوازن ما يزال نسبياً، بالنظر إلى استمرار تباين اجتهادات هيئات التحكيم في تحديد الحدود الفاصلة بين السلطة التنظيمية للدولة والالتزامات المترتبة عن اتفاقيات الاستثمار، الأمر الذي يجعل إعادة تشكيل العلاقة بين حماية المستثمر وحق الدولة في التنظيم عملية متواصلة لم تبلغ بعد مرحلة الاستقرار النهائي، وهو ما يستدعي الوقوف في المبحث الثاني على حدود هذا التحول وآفاق تطويره في ظل الإصلاحات الجارية لنظام الاستثمار الدولي.
المبحث الثاني: تحديات تحقيق التوازن وآفاق إصلاح قانون الاستثمار الدولي في ظل متطلبات حماية البيئة
كشف المبحث الأول أن إدماج الاعتبارات البيئية في القانون الدولي للاستثمار لم يعد يقتصر على مجرد تطوير الصياغات الاتفاقية، وإنما أصبح يعكس تحولًا تدريجيًا في فلسفة هذا الفرع من القانون، من خلال الاعتراف بصورة متزايدة بحق الدولة في التنظيم، وإقرار التزامات بيئية على عاتق المستثمر، إلى جانب تطور الاجتهاد التحكيمي نحو تفسير أكثر توازنًا لمعايير حماية الاستثمار. غير أن هذا التحول، رغم أهميته، لم ينجح في إزالة جميع مظاهر التوتر بين حماية المستثمر ومتطلبات حماية البيئة، إذ ما تزال بعض الاتفاقيات الاستثمارية تحتفظ بصياغات عامة ومرنة تثير صعوبات على مستوى التطبيق، كما يستمر التباين في توجهات هيئات التحكيم عند تفسير معايير الحماية، وهو ما يحد من استقرار العلاقة بين الحقوق المقررة للمستثمر والسلطة التنظيمية للدولة. وفي المقابل، تشهد منظومة الاستثمار الدولي إصلاحات متواصلة تروم تعزيز هذا التوازن، سواء من خلال مراجعة اتفاقيات الاستثمار، أو إصلاح آليات تسوية المنازعات، أو تدعيم الالتزامات المرتبطة بالاستثمار المسؤول والتنمية المستدامة. ومن ثم، يقتضي الأمر الوقوف أولًا عند حدود التحول الذي عرفه قانون الاستثمار الدولي في إعادة تشكيل التوازن بين حماية المستثمر وحق الدولة في التنظيم، قبل بحث أهم آفاق إصلاح هذا النظام بما ينسجم مع متطلبات حماية البيئة والتنمية المستدامة.
المطلب الأول: حدود التحول في إعادة تشكيل التوازن بين حماية المستثمر وحق الدولة في التنظيم
رغم التحولات التي عرفها القانون الدولي للاستثمار خلال العقود الأخيرة، وما صاحبها من إدماج متزايد للاعتبارات البيئية داخل اتفاقيات الاستثمار وتطور في توجهات الاجتهاد التحكيمي، فإن تحقيق التوازن بين حماية المستثمر وحق الدولة في التنظيم ما يزال يواجه مجموعة من التحديات القانونية والعملية. فقد أفرزت الاتفاقيات الحديثة آليات أكثر استجابة لمتطلبات التنمية المستدامة، غير أن فعاليتها تظل رهينة بدقة الصياغة الاتفاقية، ومدى اتساق الاجتهادات التحكيمية في تفسيرها، فضلاً عن استمرار عدد من الاتفاقيات التقليدية التي لا تزال تؤطر جزءًا مهمًا من العلاقات الاستثمارية الدولية. كما أن التوفيق بين استقرار المراكز القانونية للمستثمرين وتمكين الدول من ممارسة سلطتها التنظيمية لحماية البيئة يظل من أكثر الإشكالات إثارة للنقاش في الفقه والقضاء التحكيمي. ويقتضي تحليل هذه الحدود الوقوف أولًا عند حدود فعالية الاتفاقيات الحديثة في تكريس حق الدولة في التنظيم، قبل دراسة حدود الاجتهاد التحكيمي في تحقيق التوازن بين حماية الاستثمار ومتطلبات حماية البيئة.
الفقرة الأولى: حدود فعالية الاتفاقيات الحديثة في تكريس حق الدولة في التنظيم
كرست الاتفاقيات الحديثة للاستثمار تطورا ملحوظا في الاعتراف بحق الدولة في التنظيم، من خلال التنصيص على حماية البيئة والتنمية المستدامة، وإدراج استثناءات تسمح للدول باتخاذ التدابير التنظيمية اللازمة لتحقيق أهداف المصلحة العامة، وفي مقدمتها حماية البيئة والصحة العامة والموارد الطبيعية. ويعكس هذا التوجه انتقالًا تدريجيا من النموذج التقليدي الذي منح الأولوية لحماية المستثمر الأجنبي، إلى نموذج يسعى إلى تحقيق قدر أكبر من التوازن بين متطلبات جذب الاستثمار والمحافظة على الحيز التنظيمي للدولة[52]. غير أن هذا التطور، على أهميته، لم ينجح في إزالة جميع الإشكالات المرتبطة بتحديد الحدود الفاصلة بين الضمانات المقررة للمستثمر وسلطة الدولة في تنظيم الأنشطة الاقتصادية، إذ ما تزال فعالية هذه الاتفاقيات تتأثر بتباين الصياغات الاتفاقية واختلاف المقاربات التي تعتمدها الدول عند إعداد نماذجها الاستثمارية[53].
ويظهر أول مظاهر هذه المحدودية في استمرار عدد كبير من اتفاقيات الاستثمار الثنائية التقليدية ضمن المنظومة القانونية الدولية، إذ ما تزال آلاف الاتفاقيات المبرمة خلال العقود السابقة سارية المفعول، رغم افتقارها إلى نصوص صريحة تؤكد حق الدولة في التنظيم أو تتضمن استثناءات واضحة لفائدة التدابير البيئية. ويترتب عن ذلك خضوع عدد مهم من المنازعات الاستثمارية لقواعد اتفاقية تعكس فلسفة الحماية التقليدية، الأمر الذي يحد من الأثر العملي للإصلاحات التي حملها الجيل الجديد من الاتفاقيات، ويؤدي إلى ازدواجية في النظام القانوني للاستثمار الدولي بين اتفاقيات حديثة تراعي الاعتبارات البيئية وأخرى ما تزال تستند إلى نموذج الحماية الواسعة للمستثمر[54].
كما أن الاتفاقيات الحديثة نفسها لا تعتمد صياغة موحدة لمفهوم حق الدولة في التنظيم، وإنما تختلف في تحديد نطاقه وآثاره القانونية. فبعض الاتفاقيات تكتفي بالإشارة إليه ضمن الديباجة أو المبادئ العامة، بينما تتجه اتفاقيات أخرى إلى إدراج مقتضيات موضوعية تحدد شروط ممارسة السلطة التنظيمية وآثارها بالنسبة لالتزامات حماية الاستثمار. ويؤدي هذا التفاوت إلى اختلاف مستوى الحماية القانونية الممنوحة للدول، ويترك مجالًا واسعًا لاجتهاد هيئات التحكيم عند تفسير العلاقة بين التدابير التنظيمية والحقوق المخولة للمستثمر، وهو ما يقلل من مستوى اليقين القانوني الذي تستهدفه الإصلاحات الحديثة[55].
وتزداد هذه الإشكالية بفعل استمرار بعض معايير الحماية الاستثمارية بصياغات مرنة، ولاسيما معيار المعاملة العادلة والمنصفة، والحماية من نزع الملكية غير المباشر، والتوقعات المشروعة للمستثمر، إذ تسمح هذه المعايير بتعدد التفسيرات القانونية تبعًا لظروف كل نزاع. لذلك، فإن مجرد الاعتراف بحق الدولة في التنظيم لا يكفي وحده لضمان حماية فعالة للسياسات البيئية، ما لم يقترن بإعادة صياغة دقيقة لمعايير الحماية الاستثمارية تحدد بصورة أوضح نطاق السلطة التنظيمية وحدود مسؤولية الدولة تجاه المستثمر. ولهذا تؤكد الأدبيات الحديثة أن مستقبل إصلاح قانون الاستثمار الدولي لا يرتبط بإدراج نصوص جديدة فحسب، وإنما يتوقف كذلك على مدى قدرتها على تحقيق الانسجام بين الأمن القانوني للاستثمار ومتطلبات التنمية المستدامة[56].
ويستخلص من ذلك أن الاتفاقيات الحديثة أسهمت في تعزيز مكانة حق الدولة في التنظيم مقارنة بالنموذج التقليدي، إلا أن هذا التحول ما يزال يواجه حدودًا عملية وقانونية تحول دون تحقيق توازن مستقر بين حماية المستثمر ومتطلبات حماية البيئة. ومن ثم، فإن تقييم فعالية هذه الاتفاقيات يقتضي عدم الاقتصار على مضمونها، وإنما يمتد إلى كيفية تفسيرها وتطبيقها في إطار التحكيم الاستثماري، وهو ما يستدعي الانتقال إلى دراسة حدود الاجتهاد التحكيمي في تحقيق هذا التوازن.
الفقرة الثانية: حدود الاجتهاد التحكيمي في تحقيق التوازن بين حماية الاستثمار ومتطلبات حماية البيئة
شهد الاجتهاد التحكيمي خلال العقدين الأخيرين تطورًا ملحوظًا في مقاربته للعلاقة بين حماية الاستثمار ومتطلبات حماية البيئة، إذ انتقل تدريجيًا من منح الأولوية للضمانات التقليدية المقررة للمستثمر إلى تبني قراءة أكثر مراعاة للسلطة التنظيمية للدولة. وقد ساهم هذا التطور في ترسيخ فكرة أن التدابير التنظيمية غير التمييزية، المتخذة بحسن نية لتحقيق أهداف المصلحة العامة، لا تشكل في ذاتها إخلالًا بالالتزامات الاستثمارية. غير أن هذا التحول لم يفض إلى توحيد التوجهات التحكيمية، إذ ما تزال هيئات التحكيم تختلف في تحديد الحدود الفاصلة بين التدبير التنظيمي المشروع والإجراء الذي يرتب مسؤولية الدولة، الأمر الذي يجعل الاجتهاد التحكيمي أحد أبرز مصادر عدم اليقين في نظام الدولي للاستثمار[57].
ويظهر هذا التباين بوضوح في اختلاف المقاربات المعتمدة لتفسير معايير الحماية الاستثمارية، ولاسيما معيار المعاملة العادلة والمنصفة، ومفهوم نزع الملكية غير المباشر، والتوقعات المشروعة للمستثمر. ففي حين تمنح بعض هيئات التحكيم وزنًا أكبر لحق الدولة في تنظيم الأنشطة الاقتصادية حمايةً للبيئة والصحة العامة، تتجه هيئات أخرى إلى توسيع نطاق الحماية المقررة للمستثمر متى ترتب عن التدبير التنظيمي تأثير جوهري في القيمة الاقتصادية للاستثمار، حتى وإن كان الهدف من الإجراء تحقيق مصلحة عامة مشروعة. ويؤدي هذا الاختلاف إلى غياب معيار موحد يمكن للدول والمستثمرين الاستناد إليه عند تقدير مشروعية التدابير البيئية وآثارها القانونية[58].
كما أن الطابع غير الملزم للسوابق التحكيمية يزيد من حدة هذا الإشكال، إذ لا يخضع التحكيم الاستثماري لنظام السابقة القضائية الملزمة، وإنما تتمتع كل هيئة تحكيم باستقلال واسع في تفسير نصوص الاتفاقيات وتقدير وقائع النزاع. ويترتب على ذلك صدور أحكام متباينة بشأن وقائع متقاربة، وهو ما ينعكس سلبا على الأمن القانوني ويضعف إمكانية التنبؤ بمآل المنازعات الاستثمارية، خاصة في القضايا المرتبطة بالتدابير البيئية التي تتداخل فيها الاعتبارات الاقتصادية والقانونية والعلمية[59].
ويضاف إلى ذلك أن تقدير مدى مشروعية التدابير البيئية يظل رهينًا بمدى اقتناع هيئة التحكيم بتوافر عناصر الضرورة والتناسب وعدم التمييز، وهي مفاهيم تتسم بطبيعة مرنة وتخضع لسلطة تقديرية واسعة. ولذلك، قد تختلف نتائج التحكيم تبعًا لاختلاف تقدير الهيئة لمستوى الخطر البيئي، أو لمدى تناسب الإجراء التنظيمي مع الهدف المراد تحقيقه، أو لوجود بدائل أقل تأثيرًا على الاستثمار، وهو ما يكرس استمرار هامش معتبر من عدم اليقين القانوني رغم التطور الذي عرفه الاجتهاد التحكيمي في السنوات الأخيرة[60].
وتؤكد هذه المعطيات أن الاجتهاد التحكيمي أسهم في إعادة تشكيل العلاقة بين حماية المستثمر وحق الدولة في التنظيم، إلا أن هذا الإسهام ما يزال محدودًا بفعل غياب وحدة التفسير، واستمرار تباين الأحكام الصادرة عن هيئات التحكيم، الأمر الذي يجعل تحقيق التوازن المنشود رهينًا بمواصلة إصلاح قواعد التحكيم الاستثماري، وتطوير الصياغات الاتفاقية بما يقلص من هامش الاختلاف في تفسير معايير الحماية الاستثمارية. ومن ثم، فإن استكمال التحول الذي يشهده قانون الاستثمار الدولي يقتضي تجاوز حدود التطبيق القضائي نحو إصلاحات مؤسساتية واتفاقية أكثر شمولًا، وهو ما يشكل موضوع المطلب الثاني المتعلق بآفاق إصلاح قانون الاستثمار الدولي في ظل متطلبات حماية البيئة.
المطلب الثاني: آفاق إصلاح قانون الاستثمار الدولي في ظل متطلبات حماية البيئة
أبانت الدراسة في المبحث الأول أن التحولات التي شهدها القانون الدولي للاستثمار أسهمت في إعادة رسم العلاقة بين حماية المستثمر وحق الدولة في التنظيم، من خلال تطوير مضمون الاتفاقيات الاستثمارية وتنامي الاعتراف بالاعتبارات البيئية ضمن قواعد الاستثمار الدولي. كما بين المطلب الأول من هذا المبحث أن هذه التحولات، رغم أهميتها، ما تزال تصطدم بجملة من القيود المرتبطة بتباين الصياغات الاتفاقية واستمرار اختلاف الاجتهادات التحكيمية، وهو ما يحد من فعالية الإصلاحات المنجزة في تحقيق التوازن المنشود.[61] لذلك، اتجهت المنظمات الدولية وعدد من الدول إلى إطلاق مسار إصلاحي أوسع يروم مراجعة قواعد الاستثمار الدولي بما ينسجم مع متطلبات التنمية المستدامة، ويعزز قدرة الدول على ممارسة سلطتها التنظيمية دون الإخلال بمبدأ حماية الاستثمار[62].
ويواكب هذا التوجه الدولي تطورًا تشريعيا على المستوى الوطني، حيث أصبح البعد البيئي يشكل أحد المرتكزات الأساسية للسياسات الاستثمارية الحديثة. ففي المغرب، أقر دستور سنة 2011 مبدأ التنمية المستدامة وحماية البيئة، وألزم السلطات العمومية بضمان الحق في بيئة سليمة وتحقيق التنمية المستدامة[63]، كما عزز القانون الإطار رقم 99.12 بمثابة ميثاق وطني للبيئة والتنمية المستدامة هذا التوجه، من خلال إرساء مبادئ الإدماج الأفقي للبعد البيئي في مختلف السياسات العمومية[64]. وسار القانون الإطار رقم 03.22 بمثابة ميثاق الاستثمار في الاتجاه نفسه، عندما ربط منح الامتيازات الاستثمارية بتحقيق التنمية المستدامة، وإحداث فرص الشغل، وتعزيز الاستثمار المسؤول، بما يعكس تقاربًا متزايدًا بين السياسة الاستثمارية الوطنية والتوجهات الدولية الحديثة[65].
وانطلاقا من ذلك، تقتضي دراسة آفاق إصلاح قانون الاستثمار الدولي الوقوف، أولًا، عند الإصلاحات الجارية الرامية إلى تعزيز التوازن بين حماية الاستثمار وحق الدولة في التنظيم، ثم بحث السبل الكفيلة بإرساء نموذج قانوني أكثر اتساقًا بين حماية الاستثمار ومتطلبات التنمية المستدامة.
الفقرة الأولى: الإصلاحات الجارية لنظام الاستثمار الدولي لتعزيز التوازن بين حماية الاستثمار وحق الدولة في التنظيم
أفرزت الانتقادات التي وُجهت إلى النظام التقليدي لحماية الاستثمار الدولي، ولاسيما ما تعلق منها باتساع نطاق حقوق المستثمر الأجنبي على حساب السلطة التنظيمية للدولة، دينامية إصلاحية شاملة استهدفت إعادة التوازن بين متطلبات تشجيع الاستثمار وضرورات حماية المصلحة العامة. وقد قادت هذه الدينامية منظمات دولية، وفي مقدمتها الأونكتاد ولجنة الأمم المتحدة للقانون التجاري الدولي (الأونسيترال)، إلى إطلاق مبادرات متتالية لإعادة النظر في بنية اتفاقيات الاستثمار وآليات تسوية المنازعات، بما يضمن اتساقها مع أهداف التنمية المستدامة ويعزز قدرة الدول على اعتماد السياسات البيئية والصحية والاجتماعية دون التعرض لمسؤولية دولية غير مبررة[66]. ولم يعد الإصلاح يقتصر على مراجعة بعض الأحكام الاتفاقية، وإنما امتد إلى إعادة تقييم فلسفة القانون الدولي للاستثمار برمتها، من خلال الانتقال من نموذج يركز على حماية الاستثمار في حد ذاتها إلى نموذج يجعل الاستثمار وسيلة لتحقيق التنمية المستدامة وخدمة الصالح العام[67].
وفي هذا السياق، اتجهت الدول إلى إعادة التفاوض بشأن العديد من اتفاقيات الاستثمار الثنائية والإقليمية، مع الحرص على إدراج نصوص صريحة تؤكد حق الدولة في التنظيم، وتحدد بصورة أوضح نطاق معايير الحماية الاستثمارية، وخاصة معيار المعاملة العادلة والمنصفة ونزع الملكية غير المباشر. كما تضمنت الاتفاقيات الحديثة أحكامًا تقضي بأن التدابير التنظيمية غير التمييزية، المتخذة بحسن نية لحماية البيئة أو الصحة العامة أو النظام العام، لا تعد في الأصل نزعًا غير مباشر للملكية، وهو ما يعكس توجهًا متزايدًا نحو تضييق نطاق المسؤولية الدولية للدول عند مباشرتها لاختصاصاتها التنظيمية[68]. ويجد هذا التوجه سنده كذلك في النماذج الحديثة لاتفاقيات الاستثمار، ومنها نموذج الاتفاقية الثنائية الهولندية لسنة 2019، والنموذج الكندي، واتفاقية الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة، التي سعت جميعها إلى تحقيق توازن أوضح بين حقوق المستثمر والسلطة التنظيمية للدولة[69].
وامتدت الإصلاحات كذلك إلى منظومة تسوية منازعات الاستثمار، حيث باشرت مجموعة العمل الثالثة التابعة للأونسيترال منذ سنة 2017 مسارا إصلاحيا غير مسبوق لمعالجة أوجه القصور التي أفرزها نظام التحكيم التقليدي، ومن أبرزها تضارب الأحكام، وارتفاع تكاليف التقاضي، وطول الإجراءات، وغياب آليات فعالة لضمان الاتساق والشفافية. وقد انصبت المقترحات الإصلاحية على إحداث آلية للاستئناف، ووضع مدونة سلوك للمحكمين، وتعزيز قواعد الإفصاح والاستقلال والحياد، بما يرسخ الثقة في نظام تسوية المنازعات ويحد من التفسيرات المتباينة لمعايير حماية الاستثمار[70]. ويؤكد هذا المسار أن إصلاح قانون الاستثمار الدولي لم يعد ينحصر في مراجعة النصوص الاتفاقية، بل أصبح يشمل أيضًا تطوير الإطار المؤسسي الذي يضمن حسن تطبيقها.
ويواكب المغرب بدوره هذه التحولات الدولية، حيث اعتمد القانون الإطار رقم 03.22 بمثابة ميثاق الاستثمار الذي جعل من بين أهدافه توجيه الاستثمار نحو تحقيق التنمية المستدامة، وتقليص الفوارق المجالية، وتشجيع الاستثمار المسؤول، بما ينسجم مع المقتضيات الدستورية المتعلقة بحماية البيئة والتنمية المستدامة[71]. كما يفرض القانون رقم 49.17 المتعلق بالتقييم البيئي إخضاع عدد من المشاريع الاستثمارية لتقييم آثارها البيئية قبل الترخيص لها، بما يعكس توجهاً تشريعياً نحو تحقيق التوازن بين متطلبات الجاذبية الاستثمارية وحماية الموارد الطبيعية[72]. ويبرز من خلال ذلك أن الإصلاحات الوطنية والدولية تتقاطع في تكريس تصور جديد يجعل حماية البيئة عنصرًا مكونًا للسياسة الاستثمارية، وليس مجرد قيد خارجي مفروض عليها.
وتكشف هذه الإصلاحات عن تحول نوعي في فلسفة القانون الدولي للاستثمار، غير أن فعاليتها تظل مرتبطة بمدى تعميمها على مختلف الاتفاقيات الاستثمارية، وضمان انسجام تطبيقها من قبل هيئات التحكيم، وهو ما يقتضي التفكير في نموذج قانوني أكثر تكاملًا يوفق بين حماية الاستثمار ومتطلبات التنمية المستدامة، وهو ما سيتم تناوله في الفقرة الثانية.
الفقرة الثانية: نحو نموذج قانوني أكثر اتساقا بين حماية الاستثمار ومتطلبات التنمية المستدامة
أبانت الإصلاحات التي يشهدها القانون الدولي للاستثمار عن تحول تدريجي في فلسفة حماية الاستثمار، غير أن تحقيق توازن مستدام بين حقوق المستثمر وسلطة الدولة في التنظيم يظل رهينًا بإرساء نموذج قانوني جديد يتجاوز منطق المفاضلة بين الطرفين، ويؤسس لعلاقة تكاملية تجعل الاستثمار أداة لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية والبيئية في آن واحد. ويقتضي هذا النموذج إعادة بناء قواعد الاستثمار الدولي على أساس مبدأ الاستدامة، باعتباره مبدأً موجهًا لتفسير الالتزامات الاستثمارية، وليس مجرد هدف سياسي يرد في ديباجات الاتفاقيات. كما يستلزم تطوير معايير قانونية أكثر دقة تحدد نطاق حقوق المستثمر وحدود السلطة التنظيمية للدولة، بما يقلص من هامش التفسير المتباين ويعزز الأمن القانوني لكافة أطراف العلاقة الاستثمارية[73].
ويقتضي هذا التوجه أيضا الانتقال من نظام يرتكز بصورة أساسية على حماية حقوق المستثمر إلى نظام يقر بتوازن الحقوق والالتزامات، من خلال تكريس مفهوم الاستثمار المسؤول بوصفه أحد المبادئ المنظمة للعلاقات الاستثمارية الدولية. ويستدعي ذلك تضمين الاتفاقيات الاستثمارية التزامات صريحة تقع على عاتق المستثمر في مجالات حماية البيئة، واحترام حقوق الإنسان، والامتثال لمبادئ الحكامة الجيدة، ومكافحة الفساد، بما يجعل المسؤولية القانونية متبادلة بين الدولة والمستثمر، عوض اقتصارها على الدولة وحدها. وقد أصبح هذا التوجه يحظى بدعم متزايد في الأدبيات القانونية الدولية، كما يجد أساسه في مبادئ الأمم المتحدة التوجيهية بشأن الأعمال التجارية وحقوق الإنسان، والمبادئ التوجيهية لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بشأن المقاولات متعددة الجنسيات، فضلاً عن عدد من الاتفاقيات الحديثة التي أدرجت مقتضيات تتعلق بالسلوك المسؤول للمستثمر[74].
ومن جهة أخرى، يظل تحقيق الاتساق بين قواعد الاستثمار الدولي وقواعد القانون الدولي للبيئة شرطًا أساسيا لنجاح الإصلاحات المستقبلية، إذ لا يمكن الاستمرار في التعامل معهما باعتبارهما نظامين قانونيين منفصلين، في وقت أصبحت فيه التحديات البيئية، وفي مقدمتها التغيرات المناخية وفقدان التنوع البيولوجي، تؤثر بصورة مباشرة في توجيه السياسات الاستثمارية الوطنية والدولية. ومن ثم، يقتضي النموذج المنشود اعتماد تفسير منسجم للاتفاقيات الاستثمارية في ضوء الالتزامات البيئية الدولية، ولاسيما اتفاق باريس للمناخ لسنة 2015، وأهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة لسنة 2030، بما يضمن عدم تعارض حماية الاستثمار مع الالتزامات البيئية للدول[75].
ويتقاطع هذا التوجه مع التجربة المغربية، حيث جعل دستور سنة 2011 التنمية المستدامة وحماية البيئة من بين المرتكزات الدستورية المؤطرة للسياسات العمومية، كما ألزم السلطات العمومية بتعبئة الوسائل الكفيلة بضمان الحق في بيئة سليمة وتحقيق التنمية المستدامة[76]. وكرس القانون الإطار رقم 03.22 بمثابة ميثاق الاستثمار هذا الاختيار من خلال توجيه الاستثمار نحو خلق القيمة المضافة، وتعزيز التنمية المجالية، وتشجيع الاستثمار المسؤول، في حين أسهم القانون الإطار رقم 99.12 بمثابة ميثاق وطني للبيئة والتنمية المستدامة في إرساء مبدأ إدماج البعد البيئي ضمن مختلف السياسات العمومية، بما فيها السياسة الاستثمارية[77]. وتبرز هذه المقتضيات أن التشريع المغربي يسير في الاتجاه الذي تدعو إليه الإصلاحات الدولية، وهو ما يعزز فرص بناء منظومة استثمارية أكثر توافقا مع متطلبات التنمية المستدامة.
ويخلص مما سبق أن مستقبل القانون الدولي للاستثمار لا يرتبط بمجرد تعديل بعض أحكام الاتفاقيات أو إصلاح آليات التحكيم، وإنما يتوقف على بلورة نموذج قانوني متكامل يعيد صياغة العلاقة بين الاستثمار والتنمية على أساس التكامل لا التعارض، ويؤسس لتوازن حقيقي بين حماية المستثمر وحق الدولة في التنظيم. ويظل نجاح هذا النموذج رهينا بتعزيز التعاون الدولي، وتوحيد المبادئ المؤطرة للاتفاقيات الاستثمارية، وتكريس التفسير المنسجم بين القواعد الدولية للاستثمار والقانون الدولي للبيئة، بما يجعل الاستثمار رافعة لتحقيق التنمية المستدامة، وليس مصدرًا لإضعاف السياسات البيئية للدول.
خاتمة
برزت هذه الدراسة أن القانون الدولي للاستتثمار يشهد تحولات عميقة انتقلت به من نموذج يركز على توفير حماية واسعة للمستثمر الأجنبي إلى نموذج أكثر توازناً يسعى إلى التوفيق بين تشجيع الاستثمار وتمكين الدولة من ممارسة سلطتها التنظيمية لحماية البيئة وتحقيق التنمية المستدامة. وقد ساهم هذا التحول في إعادة صياغة فلسفة اتفاقيات الاستثمار الحديثة، وإعادة توجيه الاجتهاد التحكيمي نحو الاعتراف المتزايد بحق الدولة في اتخاذ التدابير البيئية المشروعة، مع المحافظة في الوقت ذاته على الحد الأدنى من الضمانات القانونية المقررة للمستثمر.
أولاً: أهم النتائج
توصلت الدراسة إلى مجموعة من النتائج، أهمها:
- انتقال اتفاقيات الاستثمار الدولية الحديثة من الاكتفاء بحماية المستثمر إلى إدماج مفاهيم التنمية المستدامة وحماية البيئة ضمن أحكامها الموضوعية.
- ترسيخ مبدأ حق الدولة في التنظيم باعتباره أحد المرتكزات الأساسية لإصلاح قانون الاستثمار الدولي، مع الاعتراف بمشروعية التدابير البيئية غير التمييزية والمتناسبة.
- تطور الاجتهاد التحكيمي الدولي نحو اعتماد تفسير أكثر توازناً لمعايير الحماية، خاصة فيما يتعلق بنزع الملكية غير المباشر والمعاملة العادلة والمنصفة، مع استمرار قدر من التباين بين هيئات التحكيم.
- استمرار عدد كبير من الاتفاقيات التقليدية في تكريس نماذج حماية لا تستجيب بصورة كافية لمتطلبات حماية البيئة، مما يحد من فعالية الإصلاحات الحديثة.
- انسجام التوجه التشريعي المغربي، من خلال دستور 2011 والقانون الإطار رقم 03.22 بمثابة ميثاق الاستثمار، مع الاتجاه الدولي الداعي إلى ربط الاستثمار بالتنمية المستدامة وتعزيز الاستثمار المسؤول.
ثانياً: الاستنتاجات القانونية
تؤكد الدراسة أن تحقيق التوازن بين حماية المستثمر وحق الدولة في التنظيم لم يعد مجرد توجه سياسي أو اقتصادي، وإنما أصبح مبدأ قانونياً يفرض نفسه داخل المنظومة الحديثة لقانون الاستثمار الدولي. كما أن حماية البيئة لم تعد تشكل استثناءً على قواعد حماية الاستثمار، بل أصبحت عنصراً مؤثراً في تفسيرها وتطبيقها. ومع ذلك، فإن استمرار الصياغات العامة لبعض معايير الحماية، واختلاف المقاربات التحكيمية، يجعلان هذا التوازن نسبياً ويستدعيان مزيداً من التطوير التشريعي والاتفاقي.
تقترح الدراسة ما يلي:
- مراجعة اتفاقيات الاستثمار الثنائية التقليدية بما ينسجم مع متطلبات التنمية المستدامة وحماية البيئة.
- التنصيص بصورة صريحة على حق الدولة في التنظيم داخل اتفاقيات الاستثمار، مع تحديد شروط ممارسته وحدوده القانونية.
- إعادة صياغة معايير المعاملة العادلة والمنصفة ونزع الملكية غير المباشر بما يقلص هامش التفسير المتباين.
- إدراج التزامات قانونية واضحة على عاتق المستثمر، خاصة في مجالات احترام التشريعات البيئية، وإنجاز تقييمات الأثر البيئي والاجتماعي، والالتزام بمبادئ المسؤولية الاجتماعية.
- تعزيز التنسيق بين قواعد الاستثمار الدولي والاتفاقيات البيئية الدولية بما يضمن وحدة التفسير وتحقيق الأمن القانوني.
- مواصلة تحديث السياسة الاتفاقية للمغرب بما ينسجم مع التوجهات الدولية الحديثة ويعزز جاذبية الاستثمار المسؤول والمستدام.
رابعاً: آفاق البحث
يفتح هذا الموضوع آفاقاً لبحوث مستقبلية تتعلق بدراسة الإصلاحات الجارية لنظام تسوية منازعات الاستثمار، وتحليل أثر التغيرات المناخية على التزامات المستثمرين والدول، وبحث العلاقة حقوق الانسان والقانون الدولي للاستثمار، فضلاً عن حماية البيئة وتقييم التجربة المغربية في إبرام الجيل الجديد من اتفاقيات الاستثمار ومدى انعكاسها على حماية البيئة وتحقيق أهداف التنمية المستدامة، من خلال دراسات مقارنة وتطبيقية تستند إلى الممارسة الاتفاقية والتحكيمية الحديثة.
وبذلك يتضح أن مستقبل القانون الدولي للاستثمار يتجه نحو تكريس نموذج قانوني يقوم على التكامل بين حماية الاستثمار وحماية البيئة، باعتبارهما ركيزتين متلازمتين لتحقيق تنمية اقتصادية مستدامة تحترم سيادة الدول ومتطلبات المصلحة العامة.
لائحة المراجع
أولا: النصوص الدستورية والتشريعية
- دستور المملكة المغربية لسنة 2011، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.11.91 بتاريخ 27 من شعبان 1432 (29 يوليوز 2011)، الجريدة الرسمية، عدد 5964 مكرر، بتاريخ 28 شعبان 1432 (30 يوليوز 2011).
- القانون الإطار رقم 03.22 بمثابة ميثاق الاستثمار، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.22.76 بتاريخ 14 جمادى الأولى 1444 (9 دجنبر 2022)، الجريدة الرسمية، عدد 7151، بتاريخ 17 جمادى الأولى 1444 (12 دجنبر 2022).
- القانون الإطار رقم 99.12 بمثابة الميثاق الوطني للبيئة والتنمية المستدامة، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.14.09 بتاريخ 4 جمادى الأولى 1435 (6 مارس 2014)، الجريدة الرسمية، عدد 6240، بتاريخ 18 جمادى الأولى 1435 (20 مارس 2014).
- القانون رقم 49.17 المتعلق بالتقييم البيئي، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.22.78 بتاريخ 7 ربيع الثاني 1444 (3 نونبر 2022)، الجريدة الرسمية، عدد 7140، بتاريخ 8 ربيع الثاني 1444 (3 نونبر 2022).
ثانيا: الاتفاقيات والوثائق الدولية
- Agreement between the Government of the Kingdom of Morocco and the Government of the Federal Republic of Nigeria concerning the Reciprocal Promotion and Protection of Investments, signed at Abuja, 3 December 2016.
- Government of Canada, 2021 Model Foreign Investment Promotion and Protection Agreement (FIPA).
- Ministry of Foreign Affairs of the Netherlands, Model Investment Agreement, 2019.
- United Nations, Rio Declaration on Environment and Development, UN Doc. A/CONF.151/26 (Vol. I), Rio de Janeiro, 14 June 1992.
- United Nations General Assembly, Resolution 1803 (XVII), Permanent Sovereignty over Natural Resources, 14 December 1962.
ثالثا: الاجتهادات التحكيمية الدولية
- Chemtura Corporation v. Government of Canada, UNCITRAL, Award, 2 August 2010.
- Compañía del Desarrollo de Santa Elena S.A. v. Republic of Costa Rica, ICSID Case No. ARB/96/1, Final Award, 17 February 2000.
- Metalclad Corporation v. United Mexican States, ICSID (Additional Facility), Case No. ARB(AF)/97/1, Award, 30 August 2000.
- Methanex Corporation v. United States of America, UNCITRAL, Final Award, 3 August 2005.
- Philip Morris Brands Sàrl, Philip Morris Products S.A. and Abal Hermanos S.A. v. Oriental Republic of Uruguay, ICSID Case No. ARB/10/7, Award, 8 July 2016.
- Saluka Investments B.V. v. Czech Republic, UNCITRAL, Partial Award, 17 March 2006.
- Técnicas Medioambientales Tecmed S.A. v. United Mexican States, ICSID (Additional Facility), Case No. ARB(AF)/00/2, Award, 29 May 2003.
رابعا: الكتب والمؤلفات
- Douglas, Zachary, The International Law of Investment Claims, Cambridge University Press, Cambridge, 2009.
- Dolzer, Rudolf; Kriebaum, Ursula; Schreuer, Christoph, Principles of International Investment Law, 3rd ed., Oxford University Press, Oxford, 2022.
- Newcombe, Andrew; Paradell, Lluís, Law and Practice of Investment Treaties: Standards of Treatment, Kluwer Law International, Alphen aan den Rijn, 2009.
- Salacuse, Jeswald W., The Law of Investment Treaties, 3rd ed., Oxford University Press, Oxford, 2021.
- Schill, Stephan W., The Multilateralization of International Investment Law, Cambridge University Press, Cambridge, 2009.
- Titi, Catharine, The Right to Regulate in International Investment Law, Nomos/Hart Publishing, Baden-Baden, 2014.
خامسا: التقارير الدولية
- Bernasconi-Osterwalder, Nathalie; Dommen, Caroline; Abebe, Mintewab; Mann, Howard; Zhang, Joe, Harnessing Investment for Sustainable Development: Inclusion of Investor Obligations and Corporate Accountability Provisions in Trade and Investment Agreements, International Institute for Sustainable Development (IISD), Winnipeg, January 2018.
- OECD, International Investment Agreements and Their Implications for Sustainable Development, OECD Publishing, Paris, 2020.
- OECD, Regulatory Policy Outlook 2021, OECD Publishing, Paris, 2021.
- UNCTAD, Expropriation: A Sequel, Series on Issues in International Investment Agreements II, United Nations, New York and Geneva, 2012.
- UNCTAD, Investment Policy Framework for Sustainable Development, 2015 Edition, United Nations, Geneva, 2015.
- UNCTAD, Investment Policy Framework for Sustainable Development, 2023 Edition, United Nations, Geneva, 2023.
- UNCTAD, World Investment Report 2015: Reforming International Investment Governance, United Nations, Geneva, 2015.
- UNCTAD, World Investment Report 2023: Investing in Sustainable Energy for All, United Nations, Geneva, 2023.
سادسا: المقالات والدراسات
- Kairouani, Ali, « L’arbitrage d’investissement en droit marocain », in Maroc et droit international des investissements étrangers, Legitech, 2023.
- UNCTAD, World Investment Report 2015: Reforming International Investment Governance, United Nations, Geneva, 2015, p. 120. ↑
- UNCTAD, Investment Policy Framework for Sustainable Development, 2015 Edition, United Nations, Geneva, 2015, UNCTAD/DIAE/PCB/2015/5, pp. 91–94. ↑
- UNCTAD, World Investment Report 2015, op. cit., pp. 131–134. ↑
- UNCTAD, World Investment Report 2015, op. cit., pp. 120–123. ↑
- UNCTAD, Investment Policy Framework for Sustainable Development, op. cit., pp. 91–92. ↑
- UNCTAD, World Investment Report 2015, op. cit., pp. 135–139. ↑
- Agreement between the Government of the Kingdom of Morocco and the Government of the Federal Republic of Nigeria concerning the Reciprocal Promotion and Protection of Investments, signed at Abuja on 3 December 2016, Preamble and Articles 13 –15 and 23. ↑
- القانون الإطار رقم 03.22 بمثابة ميثاق الاستثمار، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.22.76 بتاريخ 14 من جمادى الأولى 1444 (9 دجنبر 2022)، الجريدة الرسمية، عدد 7151، بتاريخ 17 من جمادى الأولى 1444 (12 دجنبر 2022)، ص. 7857. ↑
- دستور المملكة المغربية لسنة 2011، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.11.91 بتاريخ 27 من شعبان 1432 (29 يوليوز 2011)، الجريدة الرسمية، عدد 5964 مكرر، بتاريخ 28 من شعبان 1432 (30 يوليوز 2011)، الفصلان 31 و71. ↑
- UNCTAD, World Investment Report 2015, op. cit., pp. 119–123. ↑
- UNCTAD, Investment Policy Framework for Sustainable Development, op. cit., pp. 91–96. ↑
- Rudolf Dolzer, Ursula Kriebaum & Christoph Schreuer, Principles of International Investment Law, 3rd ed., Oxford University Press, Oxford, 2022, pp. 3–15. ↑
- Jeswald W. Salacuse, The Law of Investment Treaties, 3rd ed., Oxford University Press, Oxford, 2021, pp. 23–39. ↑
- United Nations, Rio Declaration on Environment and Development, UN Doc. A/CONF.151/26 (Vol. I), Rio de Janeiro, 14 June 1992, Principles 3 and 4. ↑
- UNCTAD, World Investment Report 2015, op. cit., pp. 116–126. ↑
- UNCTAD, Investment Policy Framework for Sustainable Development, 2023 Edition, United Nations, Geneva, 2023, pp. 20–34. ↑
- Morocco–Nigeria Bilateral Investment Treaty (2016), Arts. 13–15 and 24. ↑
- UNCTAD, World Investment Report 2015, op. cit., pp. 120–126. ↑
- Stephan W. Schill, The Multilateralization of International Investment Law, Cambridge University Press, Cambridge, 2009, pp. 373–387. ↑
- OECD, International Investment Agreements and Their Implications for Sustainable Development, OECD Publishing, Paris, 2020, pp. 31–39. ↑
- UNCTAD, Investment Policy Framework for Sustainable Development, United Nations, Geneva, 2015, pp. 43–52. ↑
- Catharine Titi, The Right to Regulate in International Investment Law, Nomos/Hart Publishing, Baden-Baden, 2014, pp. 121–138. ↑
- Morocco – Nigeria Bilateral Investment Treaty (2016), Arts. 13–15 and 24. ↑
- Jeswald W. Salacuse, The Law of Investment Treaties, op. cit., pp. 223–228. ↑
- Andrew Newcombe & Lluís Paradell, Law and Practice of Investment Treaties: Standards of Treatment, Kluwer Law International, Alphen aan den Rijn, 2009, pp. 56-63. ↑
- UNCTAD, World Investment Report 2015, op. cit., pp. 116–121. ↑
- UNCTAD, Investment Policy Framework for Sustainable Development, op. cit., pp. 33–47. ↑
- Zachary Douglas, The International Law of Investment Claims, Cambridge University Press, Cambridge, 2009, pp. 6–12. ↑
- United Nations General Assembly, Resolution 1803 (XVII), Permanent Sovereignty over Natural Resources, adopted on 14 December 1962, UN Doc. A/RES/1803(XVII). ↑
- Rudolf Dolzer, Ursula Kriebaum & Christoph Schreuer, Principles of International Investment Law, op. cit., pp. 9–15. ↑
- Stephan W. Schill, The Multilateralization of International Investment Law, op. cit., pp. 374–381. ↑
- Rudolf Dolzer, Ursula Kriebaum & Christoph Schreuer, Principles of International Investment Law, op. cit., pp. 145–158. ↑
- OECD, Regulatory Policy Outlook 2021, OECD Publishing, Paris, 2021, pp. 93-98. ↑
- Catharine Titi, The Right to Regulate in International Investment Law, op. cit., pp. 39–48. ↑
- Nathalie Bernasconi-Osterwalder, Caroline Dommen, Mintewab Abebe, Howard Mann & Joe Zhang, Harnessing Investment for Sustainable Development: Inclusion of Investor Obligations and Corporate Accountability Provisions in Trade and Investment Agreements, International Institute for Sustainable Development (IISD), Winnipeg, January 2018, pp. 18–26. ↑
- Morocco–Nigeria Bilateral Investment Treaty (2016), Arts. 13, 14 and 18. ↑
- Ministry of Foreign Affairs of the Netherlands, Model Investment Agreement, 2019, arts. 2 and 7. ↑
- Government of Canada, 2021 Model Foreign Investment Promotion and Protection Agreement (FIPA), arts. 3 and 9(3). ↑
- دستور المملكة المغربية لسنة 2011، مرجع سابق، الديباجة والفصلان 31 و35 منه. ↑
- القانون الإطار رقم 99.12 بمثابة الميثاق الوطني للبيئة والتنمية المستدامة، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.14.09 بتاريخ 4 جمادى الأولى 1435 (6 مارس 2014)، الجريدة الرسمية عدد 6240 بتاريخ 18 جمادى الأولى 1435 (20 مارس 2014)، المواد 2 و3 و5. ↑
- القانون رقم 49.17 المتعلق بالتقييم البيئي، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.20.78 بتاريخ 16 جمادى الأولى 1442 (31 ديسمبر 2020)، الجريدة الرسمية، عدد 6954، بتاريخ 18 يناير 2021، المواد 2 و3 و7. ↑
- القانون الإطار رقم 03.22 بمثابة ميثاق الاستثمار، مرجع سابق، المواد 2 و4 و5. ↑
- Rudolf Dolzer, Ursula Kriebaum and Christoph Schreuer, Principles of International Investment Law, op. cit., pp. 11–18. ↑
- Metalclad Corporation v. United Mexican States, ICSID (Additional Facility), Case No. ARB(AF)/97/1, Award of 30 August 2000, paras. 103–111. ↑
- Técnicas Medioambientales Tecmed S.A. v. United Mexican States, ICSID (Additional Facility), Case No. ARB(AF)/00/2, Award of 29 May 2003, paras. 122–132. ↑
- Compañía del Desarrollo de Santa Elena S.A. v. Republic of Costa Rica, ICSID Case No. ARB/96/1, Final Award, 17 February 2000, paras. 71–72. ↑
- UNCTAD, Expropriation: A Sequel, Series on Issues in International Investment Agreements II, United Nations, New York and Geneva, 2012, pp. 95-103. ↑
- Methanex Corporation v. United States of America, UNCITRAL, Final Award, 3 August 2005, Part IV, Chapter D. ↑
- Saluka Investments B.V. v. Czech Republic, UNCITRAL, Partial Award, 17 March 2006, paras. 255-266. ↑
- Chemtura Corporation v. Government of Canada, UNCITRAL, Award, 2 August 2010, paras. 266 –270; see also Philip Morris Brands Sàrl, Philip Morris Products S.A. and Abal Hermanos S.A. v. Oriental Republic of Uruguay, ICSID Case No. ARB/10/7, Award, 8 July 2016, paras. 305–307. ↑
- Ali Kairouani, « L’arbitrage d’investissement en droit marocain », in Maroc et droit international des investissements étrangers, Legitech, 2023, pp. 95–102. ↑
- UNCTAD, Investment Policy Framework for Sustainable Development, op. cit., pp. 33–47. ↑
- OECD, International Investment Agreements and Their Implications for Sustainable Development, op. cit., pp. 31–39. ↑
- UNCTAD, World Investment Report 2023: Investing in Sustainable Energy for All, United Nations, Geneva, 2023, pp. 108–116. ↑
- David Gaukrodger, The Balance Between Investor Protection and the Right to Regulate in Investment Treaties: A Scoping Paper, OECD Working Papers on International Investment, No. 2017/02, OECD Publishing, Paris, 2017, pp. 27–33. ↑
- UNCTAD, Investment Policy Framework for Sustainable Development, op. cit., pp. 20–34. ↑
- UNCTAD, Investment Policy Framework for Sustainable Development, op. cit., pp. 33–47. ↑
- Stephan W. Schill, The Multilateralization of International Investment Law, op. cit., pp. 364–387. ↑
- UNCTAD, World Investment Report 2015, pp.145–154. ↑
- OECD, International Investment Agreements and Their Implications for Sustainable Development, OECD Publishing, Paris, 2020, pp. 40–48. ↑
- UNCTAD, World Investment Report 2023, op. cit., pp. 108–121. ↑
- UNCITRAL Working Group III, Possible Reform of Investor-State Dispute Settlement (ISDS), op. cit. ↑
- دستور المملكة المغربية لسنة 2011، مرجع سابق، الفصلان 31 و35. ↑
- القانون الإطار رقم 99.12 بمثابة ميثاق وطني للبيئة والتنمية المستدامة، مرجع سابق. ↑
- القانون الإطار رقم 03.22 بمثابة ميثاق الاستثمار، مرجع سابق. ↑
- UNCTAD, Reforming the International Investment Regime: An Action Menu, United Nations, Geneva, 2015, pp. 1–28 ↑
- Stephan W. Schill, Christian J. Tams and Rainer Hofmann, “International Investment Law and Development: Friends or Foes?”, in Stephan W. Schill, Christian J. Tams and Rainer Hofmann (eds.), International Investment Law and Development: Bridging the Gap, Edward Elgar Publishing, Cheltenham, 2015, pp. 3 – 42. ↑
- OECD, International Investment Agreements and Their Implications for Sustainable Development, op. cit., pp. 52–61. ↑
- Catharine Titi, The Right to Regulate in International Investment Law, op. cit., pp. 181–205. ↑
- UNCITRAL, Report of Working Group III (Investor-State Dispute Settlement Reform) on the Work of Its Forty-Sixth Session (Vienna, 9–13 October 2023), U.N. Doc. A/CN.9/1160, United Nations, Vienna, 2023, paras. 11–58. ↑
- القانون الإطار رقم 03.22 بمثابة ميثاق الاستثمار، مرجع سابق، المواد 2 و4 و5. ↑
- القانون رقم 49.17 المتعلق بالتقييم البيئي، مرجع سابق. ↑
- Rudolf Dolzer, Ursula Kriebaum & Christoph Schreuer, Principles of International Investment Law, op. cit., pp. 397–418. ↑
- United Nations, Guiding Principles on Business and Human Rights, New York and Geneva, 2011؛ OECD, OECD Guidelines for Multinational Enterprises on Responsible Business Conduct, Paris, 2023, pp. 15-39. ↑
- Agreement adopted under the United Nations Framework Convention on Climate Change (Paris Agreement), Paris, 12 December 2015؛ United Nations, Transforming our World: the 2030 Agenda for Sustainable Development, A/RES/70/1, 25 September 2015. ↑
- دستور المملكة المغربية لسنة 2011، مرجع سابق، الفصلين 31 و35. ↑
- القانون الإطار رقم 03.22 بمثابة ميثاق الاستثمار، مرجع سابق؛ والقانون الإطار رقم 99.12 بمثابة ميثاق وطني للبيئة والتنمية المستدامة، مرجع سابق. ↑





