في الواجهةمقالات قانونية

الزمن القضائي في ظل حالة الطوارئ الصحية بالمغرب

 

الزمن القضائي في ظل حالة الطوارئ الصحية بالمغرب

 

ما فتئت التشريعات الدولية والوطنية تؤكد على اتخاذ الإجراءات العملية لتسهيل الولوج إلى العدالة وترشيد تدبير الزمن القضائي وتيسير البت داخل أجل معقول، وضمان الحق في الوصول إلى المعلومة القانونية والقضائية. وهذا ما أكد عليه العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية في مادتيه التاسعة والرابعة عشر، والاتفاقية الأوروبية لحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية في فصلها السادس والذي أحال عليه القانون الفرنسي، وكذلك الاتفاقية الأمريكية لحقوق الإنسان في مادتها الثامنة، والقانون التنظيمي للسلطة القضائية الإسباني في مادته 9-417. بالإضافة إلى الإعلان العالمي لاستقلال السلطة القضائية المنعقد بمراكش بتاريخ 4 أبريل 2018.

أما على المستوى الوطني فقد نص دستور المملكة في فصله العشرون بعد المئة على حق الشخص في حكم يصدر داخل أجل معقول، وسار على نفس المنوال القانون التنظيمي المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة والقانون التنظيمي المتعلق بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية.

هذا وإن الزمن هو السكة التي يسير عليها قطار الحياة. وكلما ازدادت سرعة القطار ازداد اهتمام الانسان باعتباره راکب القطار ومستعمله بالزمن، وهكذا أصبحت حياة الانسان معلقة بعقارب الساعة ومشدودة إليها، فكل شيء في الحياة له ميقات معلوم. وأجل يحدد بدايته ونهايته، فالنهار يبتدئ بطلوع الشمس وينتهي بغروبها. والليل يبتدئ بغروب الشمس وينتهي بطلوع الفجر بقطع النظر عن اسم كل جزء من الليل والنهار،[1] يقصد بالزمن القضائي في مفهومه الضيق، الأمد الذي تستغرقه الخصومة القضائية والذي يمتد من تاريخ تقييدها في السجلات الرسمية للمحكمة وإلى غاية استيفاء الحق المحكوم به عبر مسطرة التنفيذ. وأما في المدلول الواسع فيشمل هذا المفهوم حتى الحقبة التحضيرية للخصومة والتي تنطلق قبل تسجيل الدعوى رسميا عن طريق تدخل بعض الهيئات والأشخاص المكلفين بتقديم الخدمة القضائية لمساعدة أطراف الخصومة في تأسيس الدعوى وصياغتها في قالب قانوني سليم.[2] لكن بظهور الأوبئة الصحية كواقعة مادية صرفةووباء كرونا كنموذج حي نعيش على آثاره من خلال تعطيل الحياة العامة بفرض حالة الطوارئ الصحية تكون لها اثار سلبية واضحة يمكن رصد ملامحها على العلاقات القانونية بوحه عام والنزاعات القضائية بوجه خاص حيث يتوقف الزمن القضائي مما يجعل من المستحيل استمراره على المستوى المادي، الأمر الذي تعود تداعياته على المرتفقين في علاقتهم بالسلطة القضائية من جهة وعلى المتقاضين في علاقتهم مع بعضهم البعض من جهة أخرى. ومن هنا أوجد المشرع آلية قانونية هدفها إقامة مقصد إسلامي عميق ألا وهو حفظ النفس بفرض حالة الطوارئ الصحية.

وقد أوصى العاهل المغربي خلال جلسة العمل التي ترأسها يوم الثلاثاء 17 مارس 2020 بالقصر الملكي بالدار البيضاء ، بالإعداد لمرحلة جديدة للتعامل مع الوباء والدراسة الاستباقية لكافة السيناريوهات الممكنة لتطوره.

على إثره قامت الحكومة على وجه السرعة بالاستجابة إلى خلاصات جلسة العمل التي ترأسها الملك بالدار البيضاء وذلك بإصدار مرسوم بقانون رقم 2.20.292 الصادر في 28 رجب 1441 ( 23 مارس 2020)  يتعلق بسن أحكام خاصة بحالة الطوارئ الصحية وإجراءات الإعلان عنها.  وما وجب التنبيه إليه والتركيز عليه هو الانسجام والتناغم في التعامل الزمني بين جلسة العمل التي ترأسها الملك وإصدار المرسوم بالجريدة الرسمية 6867 مكرر -29 رجب 1441 ( 24 مارس 2020). إضافة إلى التدابير الاحترازية التي سبقت هذا المرسوم.

 وتماشيا مع مبدأ توازن السلط، كانت السلطة القضائية هي الأخرى تشتغل على قدم وساق في تدبير الفترة الحرجة التي ألمت بالبلاد حيث استجاب المجلس الأعلى للسلطة القضائية بإصداره مجموعة من الكتب موجهة إلى الرؤساء الأولون لمختلف محاكم المملكة. كان أولها بشكل استباقي بتاريخ 16 مارس 2020. كان الغرض من هذه الكتب بالأساس تنظيم العمل بالمحاكم تفاديا للاكتظاظ بمرفق العدالة وحرصا على صحة وسلامة الجميع مرتفقين وموظفين أما الكتاب الثاني فكان الغرض منه تيسير أمر ضبط الملفات وتتبعها من طرف المتقاضين المعنيين بها[3]. أما الكتاب الثالث فارتكز فيه الرئيس المنتدب للسلطة القضائية على أن التدابير المتخذة من أجل الحفاظ على الصحة والسلامة العامة هي ألية من أليات الحكامة الجيدة. كما سنأتي على ذكره فيما بعد،  كما سنشير إلى التدابير المتخذة من طرف وزارة العدل. لكن قبل هذا هناك نظريات ومبادئ درج عليها القضاء الإداري والتشريع المدني ثم التنظيم القضائي تؤطر كيفية تصريف هذا العائق المادي لهذا الغرض وجب الإلمام بها والإحاطة علما بها.

وبالتالي فإن أهمية الموضوع تكمن في الإلمام بمجموعة من المقتضيات الاضطرارية والاستثنائية التي درج عليها الفقه والتشريع والقضاء في تفعيلها الحفاظ على النظام العام الذي يتداخل مع أليات الحكامة الجيدة، ألا وهو مقصد حفظ النفس في إطار الحفاظ على الصحة والسلامة العامة وما له من آثار قانونية وقضائية في الوقف القانوني للزمن القضائي وما يندرج عليه من استثناءات.

وعن هذه الأهمية تنبثق إشكالية مفادها إلى أي حد يمكن الجزم باحتواء إجراءات فترة الطوارئ الصحية من خلال وقف الزمن القضائي من طرف مختلف المتدخلين وإعمال قواعد فقهية أنتجتها الضرورة ؟

وعليه ما هو الإطار القانوني للتدابير القضائية المتخذة من أجل تسيير المرحلة ؟ وما الأسباب المؤدية إلى وقف الزمن القضائي ؟ وكيف يمكن إعمال مبدأ استمرارية المرفق القضائي دون الإخلال بإجراءات الحفاظ على الصحة والسلامة العامة ؟ وما هي التدابير المتخذة من طرف المجلس الأعلى للسلطة القضائية ووزارة العدل من أجل تدبير الجائحة ؟

من خلال هذه المقدمة سنناقش موضوعنا في محورين. وسنخصص المحور الأول وقف الزمن القضائي ومبدأ استمرارية مرفق القضاء. أما المحور الثاني فسنخصصه لتدابير الإدارة القضائية من أجل احتواء فترة الطوارئ الصحية.

 

المحور الأول: وقف الزمن القضائي ومبدأ استمرارية المرفق القضائي

 

        إن الإجراء القاضي بتعليق انعقاد جميع الجلسات بمختلف المحاكم يترتب عنه إيقاف الزمن القضائي وبالتالي إيقاف مدة التقادم وذلك لوجود مانع أو طارئ يعرض قبل اكتمال مدة التقادم يؤدي إلى منع سريانها ما بقي الطارئ قائما. ويكون لأسباب نص عليها القانون دون أن يترتب عن ذلك محو المدة السابقة على الوقف، بحيث يتوقف سريان التقادم المقررة لوجود مانع مادي أو قانوني وإذا ما زال هذا المانع عاد التقادم للسريان مع احتساب المدة السابقة على الوقف.

        لكن يجب التمييز بين وقف التقادم وبين تأخير سير التقادم والفرق هو أن وقف التقادم يعترض التقادم بعد بدأ سريانه أو يقع منذ البداية، أما تأخير سريان التقادم فلا يقع إلا منذ البداية ولا يتصور وقوعه معترضا سريان التقادم بعد أن بدأ.[4]

        وقبل أن نعرض إلى المانع الماثل أمامنا، سوف نعرج على سبب وقف التقادم في القضاء الإداري و في التشريع المدني ثم إلى مبدأ استمرار مرفق القضاء:

أولا: نظرية الظروف الاستثنائية في القضاء الإداري

قام مجلس الدولة الفرنسي بإنشاء نظرية الظروف الاستثنائية بمناسبة ظروف الحرب العالمية الأولى لمواجهة الآثار السيئة التي سببتها. إلا أن هذه النظرية لا تتعلق بحالة الحرب لوحدها، فقد انتقد الأستاذ الدكتور مصطفى أبو زيد فهمي تسمية النظرية في بداية نشأتها بنظرية سلطات الحرب، وتأسيسا على أن الأمر غير متعلق بنظرية سلطات الحرب، وغير قاصر على توسيع سلطات الضبط الإداري دون سواه من موضوعات القانون الإداري، ولكن الأمر يتعلق بنظرية للظروف الاستثنائية، تطبق بالنسبة لسائر موضوعات القانون الإداري بغير استثناء. والهدف من ذلك هو تمكين الإدارة تمكينا مشروعا من القيام بأعبائها في ظروف قاسية[5]

ومن أجل إعمال نظرية الظروف الاستثنائية لابد من توفر مجوعة من الشروط، أولها وجود الظرف الاستثنائي ومعنى ذلك وجود حالة واقعية تتمثل في فعل أو مجموعة أفعال تشكل خطر يتهدد قيام الإدارة بوظائفها، سواء تمثل ذلك في إدارة المرافق العامة، أو الحفاظ على النظام العام في الدولة.

ثانيها صعوبة مواجهة الظروف الاستثنائية بقواعد المشروعية العادية، ويقضي هذا الشرط أن تكون الوسائل القانونية الموجودة تحت تصرف الإدارة في الظروف العادية عاجزة وقاصرة عن مواجهة الخطر المحدق، ففي هذه الحالة تتخطى الإدارة وسائل المشروعية العادية وتضرب صفحا عنها وتتخذ التصرف المناسب السريع الذي يمكنها من التغلب على الخطر قبل أن تفلت الفرصة من يدها فيضطرب الأمن ويختل سير الأمور.

ثالثها أن تهدف الإجراءات الاستثنائية إلى حماية المصلحة العامة، أما إذا حادت الإدارة عن ذلك وتصرفت انطلاقا من بواعث ذاتية أو مآرب شخصية دون مبالاة بالصالح العام، كان تصرفها مشوبا بعيب الانحراف، ويكون من سلطة القضاء إذا ما طعن أمامه في مشروعية هذا التصرف أن يحكم بإلغائه أو التعويض عما ترتب عليه من أضرار.

رابعها أن يتناسب الإجراء المتخذ من الظرف الاستثنائي الذي وقع، وبمعنى اخر يجب أن تستخدم الإدارة من الوسائل والإجراءات ما يتناسب مع القدر لمواجهة الظرف الاستثنائي.

خامسها انتهاء سلطة الإدارة الاستثنائية بانتهاء الظرف الاستثنائي. ذلك أن تخويل الإدارة سلطة استثنائية يرجع إلى خطورة الظرف الاستثنائي، فإذا ما انتهى هذا الظرف تعين على الإدارة اتباع قواعد المشروعية العادية. فالسلطة الاستثنائية للإدارة تدور وجودا وعدما مع الظرف الاستثنائي، وحيث ينتهي الظرف وتزول خطورته تنتهي السلطة الاستثنائية للإدارة ومن تم وجب تبعا لذلك خضوع تصرف الإدارة لقواعد المشروعية العادية.[6]

وفي ظل هذه الأمر ذهب الأستاذ سليمان محمد  الطماوي في كتابه القضاء الإداري الكتاب الثانيقضاء التعويض، إلى الإحالة على المادة 382 من القانون المدني المصري التي جاء فيها: لا يسري التقادم كلما وجد مانع يتعذر معه على الدائن أن يطالب يحقه ولو كان المانع أدبيا، وكذلك لا يسري التقادم فيما بين الأصيل والنائب.[7]

        ثانيا: وقف التقادم في التشريع المدني:

        عرض المشرع المغربي لوقف التقادم في الفصول 387 و379 ثم 380 من قانون الالتزامات والعقود المغربي.

        وبالوقوف على هذه الفصول يتبين لنا أن أسباب وقف التقادم ليست من طبيعة واحدة فبعضها مستمد من اعتبارات تتعلق بشخص الإنسان وقد وردت في الفصلان 387 و379 من ق.ل.ع.  وبعضها يرجع إلى ظروف مادية اضطرارية.

 إن ما يهمنا في الموضوع هي الأسباب الاضطرارية المادية التي وردت في الفقرة الأخيرة من الفصل 380 من ق.ل.ع. من أن التقادم لا يسري بحق الدائن الذي يوجد بالفعل في ظروف تجعل من المستحيل عليه المطالبة بحقوقه خلال الأجل المقرر للتقادم ، لا يقتصر على الحالات التي تمتنع فيها على الدائن المطالبة بحقه لاعتبارات معنوية تتعلق بالشخص، بل هو يتسع للحالات التي يرجع فيها المانع من ممارسة الحق إلى ظرف مادي اضطراري يقترب من القوة القاهرة : مثل ذلك انقطاع المواصلات بسبب الفيضانات بحيث امتنع على الدائن الوصول إلى مقر المحكمة لاتخاذ الاجراءات اللازمة للمطالبة بحقه ، مثل ذلك أيضا نشوب حرب مفاجئة أو حدوث اضطرابات أو قيام فتنة في البلاد أو إعلان الأحكام العرفية إذا كان أدى ذلك إلى منع المواطنين من مزاولة أعمالهم . وكذلك يعتبر سببا موقفا لسريان التقادم جهل الدائن بوجود حقه من غير تقصير منه.

وفي هذه الحالات وما شابهها يتوقف التقادم عن السريان طالما الظروف الاضطرارية هي المانع من المطالبة بالحق القائم.[8]

هذا ويجب التأكيد على مبدأ استمرارية مرفق القضاء كمبدأ أصيل في التنظيم القضائي خاصة وكمبدأ أصيل في تسيير المرافق العمومية.

ثالثا: إعمال مبدأ استمرارية مرفق القضاء

على الرغم من اختلاف وتعدد أنواع المرافق العمومية، فإنها تخضع جميعها لبعض المبادئ الأساسية التي تحكم سيرها، وأبرزها قابلية المرفق العمومي للتبديل والتغيير تبعا لتطور الظروف ودوام سيره بانتظام واطراد، لذلك فمن واجب الجهات المعنية أن تسهر على ضمان استمراريته، كما أنه من واجب الموظفين التابعين له أن يحرصوا على تحقيق هذا الغرض.

ـأ: استمرار مرفق القضاء على ضوء دستور 2011

يعتبر مبدأ استمرارية مرفق القضاء مواكب لاستمرارية الزمن القضائي وهو بذلك مبدأ من مبادئ التنظيم القضائي الذي يفضي بدون شك إلى الفاعلية والنجاعة التي هي بدورها مبدأ من مبادئ الحكامة الجيدة وعليه فقد اهتم المشرع المغربي بهذا المبدأ من خلال التكريس التشريعي له. فدستور 2011 جاء حاملا بين دفتيه مبدأ استمرار المرفق العمومي، إذ نص في الفقرة الأولى من الفصل 154 على ما يلي: يتم تنظيم المرفق العمومي على أساس المساواة بين المواطنات والمواطنين في الولوج إليها، والإنصاف في تغطية التراب الوطني، والاستمرارية في أداء الخدمات.

وهو نص يعتبر بمثابة وعاء يستغرق بنطاقه الواسع ثلاث حقوق مهمة ألا وهي:

1: حق المواطن في الولوج إلى المرفق والتمتع بالمساواة أمامه.

2: حق المواطن في الاستفادة من خدماته عن طريق سير عمله باستمرار.

3: حق المواطن في أن يكون المرفق قريبا  منه تدعيما لسياسة القرب.

أما الفصل 120 فينص في فقرته الأولى على: لكل شخص الحق في محاكمة عادلة، وفي حكم يصدر داخل أجل معقول.

وعليه كيف للحكم أن يصدر في أجل معقول إن لم تتوفر استمرارية لمرفق القضاء.

ب: استمرارية مرفق القضاء على ضوء ظهير التنظيم القضائي

أكد المشرع المغربي مبدأ استمرارية المرفق القضائي بتنصيصه على ذلك من خلال قانون التنظيم القضائي[9]: ” تبتدئ السنة القضائية في فاتح يناير وتنتهي في 31 دجنبر، حيث تعقد المحاكم جلساتها دون انقطاع وتنظم عطلة الموظفين من قضاة وكتاب ضبط بكيفية لا يترتب عنها توقف الجلسات أو تأجيلها”.

وبهذا يجب على المحاكم أن تمارس نشاطها طول السنة وألا تعطل إلا أيام الآحاد والأعياد والعطل الرسمية. وهذا ما أكد عليه مشروع قانون التنظيم القضائي رقم 38.15 في الفقرة الأولى من مادته الثامنة.[10]

المحور الثاني: تدابير الإدارة القضائية من أجل احتواء فترة الطوارئ الصحية

إعمالا لمبدأ استمرار الزمن القضائي جاء مختلف المتدخلين بمجموعة من التدابير من أجل احتواء فترة الطوارئ الصحية المتعلقة بجائحة كوفيد 19 وعليه سنعرض لمختلف الكتب والتوجيهات التي وجهها السيد الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسطلة القضائية لكل المسؤولين القضائيين التابعين له، ثم إلى التدابير الإدارية المتعلقة بوزارة العدل.

أولا: التدابير المتخذة من طرف المجلس الأعلى للسلطة القضائية

نظرا للاكتظاظ الشديد الذي تعرفه محاكم المملكة بسبب التوافد اليومي لأعداد كبيرة من مساعدي القضاء ومرتفقي العدالة والمتقاضين إضافة إلى العاملين بالمحاكم من قضاة وموظفين، أقر المجلس الأعلى للسلطة القضائية متجسدا في رئيسه المنتدب في الكتاب رقم 1/151 المؤرخ بتاريخ 16 مارس 2020  مجموعة من التدابير الاحترازية والواقية من أجل الحفاظ على صحة وسلامة هؤلاء. وقد كان أول هذه التدابير تعليق انعقاد جميع الجلسات بمختلف محاكم المملكة ابتداء من يوم 17 مارس 2020 وهو ما يمكن أن نطلق عليه وقف تقادم الزمن القضائي ثم مجموعة من الاستثناءات التي وردت على هذا الوقف وأخيرا التقاضي عن بعد كفقرة ثالثة.

فكان من جملة الاستثناءات على هذا التعليق وحفاظا على ضمانات المحاكمة العادلة وحقوق المتقاضين:

عدم إيقاف قضايا الجنايات والجنح الخاصة بالمتهمين الذين يكونون في حالة اعتقال احتياطي ومودعين بمؤسسات سجنية. وقضايا التحقيق للتقرير في وضعية الأضناء المقدمين للتحقيق معهم بعد إيداعهم في إحدى المؤسسات السجنية أو التحقيق معهم في حالة سراح. وقضايا الأحداث للتقرير فيما إذا كان سيتم إيداعهم في إحدى مؤسسات إعادة التربية أو تسليمهم إلى دويهم. ثم القضايا الاستعجالية وهي الحالة التي لا تحتمل التأخير حيث يتعين البث فيها حتى خارج أوقات العمل وبكيفية مستعجلة، تفاديا لضياع حقوق أحد الأطراف في انتظار البث في النزاع من طرف محكمة الموضوع.

والملاحظ هنا الحرص الشديد من طرف المجلس الأعلى للسلطة القضائية على الحفاظ على الحد الأدنى من الحقوق والحريات خصوصا منها تلك المتعلقة بالاعتقال أو الإكراه البدني، وتلك القضايا الاستعجالية التي قد يؤدي تأخيرها إلى ضياع حقوق الأطراف.

كما تم التأكيد على وجوب الحفاظ على سير مرفق القضاء بحده الأدنى حفاظا على سلامة وصحة كل الأطراف. مع الإشعار بإمكانية الاطلاع على مآل الملفات والإجراءات عن بعد عبر المواقع الإلكترونية الخاصة بالمحاكم.

وقد لحق هذا الكتاب كتاب اخر تحت رقم 1/154 بتاريخ 17 مارس 2020 يحث السادة الرؤساء الأولون لمختلف محاكم الاستئناف ورؤساء المحاكم الابتدائية والتجارية والإدارية. بتوجيه رؤساء الغرف ورؤساء الهيئات بأن يتولوا بأنفسهم داخل مكاتبهم وبمساعدة كتابة الضبط تأخير الملفات المدرجة بالجلسات إلى جلسات مناسبة هذا بالنسبة للقضاء الجماعي، وكذلك الأمر بالنسبة للقضاء الفردي في إطار خصائص القضاء الفردي.

كما تم توجيه كتاب اخر وفي مدة زمنية قصيرة بتاريخ 23 مارس 2020 تحت عدد 113/3 و الذي طلب من خلاله كل من السادة رؤساء الهيئات القضائية ورؤساء المحاكم المختصة بالبث في قضايا المعتقلين في الجنايات والجنح أو التحقيق أن تعمل ما بوسعها حماية لصحة السجناء من خلال تفادي إحضارهم من المؤسسات السجنية إلا عند الضرورة القصوى من خلال البت في تأخير ملفاتهم دون حضورهم الى حين انتهاء الحجر الصحي دون إغفال منع اتصالهم بالغير داخل فضاء المحاكم الأمر الذي ابتغي منه إعطاء أولوية حمائية ذات بعد مقاصدي يدفع في اتجاه جعل دور المحاكم لا يقتصر على انتاج عدالة فعالة بقدر ما يؤسس لعدالة آمنة و مواطنة مسايرة لكل التدابير الحكومية المتخذة تنزيلا للتعليمات الملكية السامية لمواجهة هده الجائحة .[11]

أما الكتاب رقم 3/119 الموجه إلى السادة الرؤساء الأولون لكل من محاكم الاستئناف ومحاكم الاستئناف التجارية ومحاكم الاستئناف الإدارية من طرف السيد الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية. فقد جاء في إطار تفعيل آليات الحكامة القضائية التي تضمن بشكل متوازن وفعال شروط الصحة والسلامة لجميع العاملين والمرتفقين من جهة وتخويل استمرارية السلطة القضائية في أداء مهامها وواجباتها من جهة أخر، حيث تم تثمين والتنويه بالتجاوب السريع من طرف المسؤولين القضائيين مع التوجيهات الملكية السامية التي تؤكد على أهمية احترام الزمن القضائي وتضمن الحقوق وتصون الحريات وتضمن الأمن القضائي وتكرس الثقة. وكذلك التوجيهات الكتابية للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، ثم جاء التوجيه باتخاذ كافة التدابير ليقوم السادة القضاة بالإعداد المسبق منذ تاريخ الكتاب بالإعداد المسبق لمشاريع الأحكام والقرارات بخصوص الملفات المعنيين فيها لتيسير البت فيها في أقرب الآجال ووفق الضمانات القانونية الواجبة تداركا لكل الوقت الضائع.

ثانيا: تدابير وزارة العدل

 أكدت وزارة العدل انه انسجاما مع المنشور رقم 01 الصادر عن وزير الاقتصاد و المالية و إصلاح الإدارة بتاريخ 16 مارس 2020 ، فقد وجهت منشورا إلى المسؤولين الإداريين التابعين لها ، دعتهم فيه إلى اعتماد نظام التناوب اليومي في الحضور بين السادة الموظفين بما لا يخل بسير المرفق العام ، و بتخفيف الاكتظاظ داخل المكاتب ، والحد من عقد الاجتماعات إلا عند الضرورة القصوى وبما يحافظ على سلامة المجتمعين .
و في مجال الرقمنة ، فقد أعلنت وزارة العدل انه بالإضافة إلى الخدمات الرقمية التي توفرها لفائدة المرتفقين و المتقاضين عبر بوابتها الإلكترونية mahakim.ma ، من قبيل الحصول على السجلين التجاري و العدلي عن بعد و الاطلاع على مآل الملفات القضائية عن بعد ، و إيداع القوائم التركيبية الخاصة بالشركات عن بعد ، فإنها بصدد وضع اللمسات الاخيرة على عدد من الخدمات الرقمية الجديدة التي ستعزز التداول اللامادي للإجراءات و الخدمات عن بعد ، و ستحد من تنقل المرتفقين و المتقاضين إلى المحاكم او الإدارة المركزية للحصول على هذه الخدمات .[12]

وتعزيزا لجهود تقريب الخدمات القضائية من المتقاضين في إطار التدابير الوطنية المتخذة لمواجهة وباء كورونا المستجد ، أشرف السيد وزير العدل والسيد الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية و السيد رئيس النيابة العامة صباح يوم الاثنين 27 أبريل 2020 بمقر المحكمة الابتدائية بسلا على مراسم الإطلاق الرسمي لعملية التقاضي عن بعد كنظام يستخدم تكنولوجيا التواصل بين المؤسسات السجنية والسادة القضاة والمحامين في مختلف محاكم المملكة، نظام يحترم شروط المحاكمة العادلة ويضمن سلامة مختلف الأطراف المعنية بالمحاكمة ويساهم في ضمان السير العادي لعدد من القضايا المعروضة على أنظار القضاء.[13]

خاتمة

جاءت هذه الجائحة على حين غرة والعالم في ذهول لعدم قدرته على تحديد ماهية هذا الوباء الذي ينتشر انتشار النار في الهشيم، فاضطرب مدبرو الشأن العام بين أي المقتضيات القانونية والفقهية يمكن إعمالها مع هذه الجائحة. فكل قرار أو تصرف يمكن اتخاذه بالضرورة سيمس بالحقوق والحريات التي تقوم عليها الحياة الديمقراطية، فالظروف الاستثنائية المنصوص عليها في الدستور لها مقتضيات صارمة تفضي بغير شك إلى نظام ديكتاتوري متسلط على الحقوق والحريات، لذلك في اعتقادي نهج النظام المغربي نظرية الطوارئ الصحية الغير منصوص عليها في الدستور للإبقاء على الحد الأدنى من الديمقراطية التشاركية، وما كرسه الدستور والواقع من مقتضيات الحكامة الجيدة. لذلك نجد المشرع قد اجتهد وأصاب في تجنب الأسوأ والسير بخطى ثابتة تحو استمرارية المرفق العام بصفة عامة والمرفق القضائي بصفة خاصة لما له من دور في الحفاظ على الحقوق والحريات، ونهج تعليق الجلسات والحفاظ على الحد الأدنى لاستمرار مرفق القضاء. وتجسيد التعامل اللامادي للإدارة القضائية مع مرتفقيها في تدبير الملفات القضائية والتعاملات الإدارية العامة.

 

 

المراجع

المؤلفات

ü    ذ. عبد العزيز توفيق، آجال الإجراءات في التشريع المغربي، الطبعة الثانية 1997. مطبعة النجاح الجديدة – الدار البيضاء.

ü    ذ. مأمون الكزبري، نظرية الالتزامات في ضوء قانون الالتزامات والعقود المغربي، الجزء الثاني، أوصاف الالتزام وانتقاله وانقضاؤه. الطبعة 2020، منشورات الحلبي الحقوقية.

ü    ذ. سليمان محمد الطماوي في كتابه القضاء الإداري – الكتاب الثاني – قضاء التعويض وطرق الطعن في الأحكام(دراسة مقارنة) 1986، دار الفكر العربي- القاهرة.

ü    ذة. نورة غزلان الشنيوي، التنظيم القضائي للمملكة دراسة من صميم الإصلاح الشامل للقضاء، الطبعة الثانية 2013. مطبعة الورود – إنزكان.

ü    المستشار محمد عزمي البكري، القانون المدني الجديد، المجلد الثالث عشر. موسوعة الفقه والقضاء والتشريع. دار محمود – القاهرة.

ü    ذ. علي عبد الفتاح محمود، الوجيز في القضاء الإداري – مبدأ المشروعية – دعوى الإلغاء، دراسة مقارنة، 2009. دار الجامعة الجديدة للنشر- الإسكندرية.

قوانين ورسائل

ü    كتاب عدد 154/1 صادر بتاريخ 22 رجب 1441 الموافق ل( 17 مارس 2020) المملكة المغربية – المجلس الأعلى للسلطة القضائية.

ü    المرسوم رقم 2.74.498 الصادر في 16 يوليوز 1974 تطبيقا للظهير الشريف بمثابة قانون رقم 1.74.338 المؤرخ في 15 يوليوز 1974 المتعلق بالتنظيم القضائي للمملكة.

المقالات ومواقع إلكترونية

ü    لبنى الفريالي. نجاعة الزمن القضائي، المجلة المغربية للحكامة القانونية والقضائية، عدد 2 / 2017.

ü    ذ، يونس القاجو، تدبير الزمن القضائي ما بعد كورونا. https://anmon.ma/?p=10478

ü    الموقع الرسمي لوزارة العدل

[1] – ذ. عبد العزيز توفيق، آجال الإجراءات في التشريع المغربي، الطبعة الثانية 1997. مطبعة النجاح الجديدة – الدار البيضاء. ص7

[2] – ذة. لبنى الفريالي. نجاعة الزمن القضائي، المجلة المغربية للحكامة القانونية والقضائية، عدد 2 / 2017. ص 101.

[3] – كتاب عدد 154/1 صادر بتاريخ 22 رجب1441الموافق ل ( 17 مارس 2020) المملكة المغربية – المجلس الأعلى للسلطة القضائية.

[4] – المستشار محمد عزمي البكري، القانون المدني الجديد، المجلد الثالث عشر. موسوعة الفقه والقضاء والتشريع. دار محمود – القاهرة. ص 794

[5] -ذ. علي عبد الفتاح محمود، الوجيز في القضاء الإداري – مبدأ المشروعية – دعوى الإلغاء، دراسة مقارنة، 2009. دار الجامعة الجديدة للنشر- الإسكندرية. ص 79

[6] ذ. علي عبد الفتاح محمود، مرجع سابق. بتصرف من ص 80 إلى 85

[7] – ذ. سليمان محمد الطماوي في كتابه القضاء الإداري – الكتاب الثاني – قضاء التعويض وطرق الطعن في الأحكام(دراسة مقارنة) 1986، دار الفكر العربي- القاهرة. ص 522

[8] – ذ. مأمون الكزبري، نظرية الالتزامات في ضوء قانون الالتزامات والعقود المغربي، الجزء الثاني، أوصاف الالتزام وانتقاله وانقضاؤه. الطبعة 2020، منشورات الحلبي الحقوقية. ص 570.

[9] – الفصل السابع من المرسوم رقم 2.74.498 الصادر في 16 يوليوز 1974 تطبيقا للظهير الشريف بمثابة قانون رقم 1.74.338 المؤرخ في 15 يوليوز 1974 المتعلق بالتنظيم القضائي للمملكة.

[10] – ذة. نورة غزلان الشنيوي، التنظيم القضائي للمملكة دراسة من صميم الإصلاح الشامل للقضاء، الطبعة الثانية 2013. مطبعة الورود – إنزكان. من ص 55 إلى 59 بتصرف.

[11] – ذ، يونس القاجو، تدبير الزمن القضائي ما بعد كورونا. https://anmon.ma/?p=10478

[12] – الموقع الرسمي لوزارة العدل :https://www.justice.gov.ma/lg-1/actualites/act-1048.aspx. بتاريخ 26/04/2020, على الساعة 23:07.

[13] الموقع الرسمي لوزارة العدل. https://www.justice.gov.ma/lg-1/actualites/act-1055.aspx. يتاريخ 29/04/2020 على الساعة 23:30

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق