في الواجهةمقالات قانونية

الموقع القانوني والاقتصادي لمؤسسات تأمين الديون في ظل فرض حالة الطوارئ الصحية

الموقع القانوني والاقتصادي لمؤسسات تأمين الديون في ظل فرض حالة الطوارئ الصحية

 

ذ. إبراهيم بوفتاس

باحث في العلوم القانونية

 

 

لا تخفى أهمية عملية التأمين باعتبارها أداة لدرء الكثٌير من المخاطر التي يتعرض لها الإنسان، خاصة مع التطور التكنولوجي الحاصل وتعدد الأخطار المحدقة به وبمصالحه، لذا كان ضروريا اللجوء إلى عقود التأمين من أجل التخفيف من أثارها، والمساعدة في حل أي خطر لا يقوى الفرد على مجابهته ومقاومته، وكان أيضا دور الجماعة مهما في تنزيل التضامن الاجتماعي وتوزيع الخسارة بشكل جماعي، وهذه نواة التأمين التعاوني أو التبادلي.

لكن ومع التطور المضطرد الذي عرفته المعاملات التجارية في العالم، أصبح العملاء الإقتصاديين وجها لوجه أمام أرقام ومعاملات مالية ضخمة، وفي ظل هذا التهديد الذي يطال الاقتصاد العالمي من أزمات مالية وآفات وكوارث ومخاطر غير متوقعة، كان البحث لازما في تتبع أساليب متطورة لضمانها، الشيء الذي عجل بظهور مجموعة من الأدوات المالية بغرض سد حاجيات المستثمرين وزرع الثقة في نفوسهم من أجل السير نحو تطوير التجارة والإقتصاد العالميين.

وتبعا لذلك ظهرت أصناف جديدة من عقود التأمين تختلف اختلافا جوهريا عن عقود التأمين التقليدية كالتأمين عن المرض، والتأمين عن حوادث السير، والـتأمين عن الوفاة وغيرها من أنواع التأمينات المتعارف عليها.

ولعل من أبرز عقود التأمين الحديثة نجد التأمين عن الديون، الذي نشأت فكرته في أوروبا الغربية بين الحربين العالميتين الأولى والثانية، حيث أسندت حينها لهاته الشركات مهمة تدبير وتغطية المخاطر الإقتصادية ذات الطابع السياسي للدول المشاركة في الحرب وخاصة تلك المخاطر المادية الناتجة عن مخلفاتها، وبعد الحرب العالمية الثانية بدأت معالم بروز خدمات هذا النوع من التأمينات بفرنسا نتيجة التطور الاقتصادي المتسارع في مجالات مختلفة (الصناعة، الفلاحة، العقار والتعمير…) وانتشرت بعد ذلك في معظم دول العالم منذ بداية التسعينيات.

وقد دخلت إلى حيز الوجود شركات متعددة الجنسيات تختص بتأمين الديون وتغطية المخاطر الاقتصادية في مختلف دول العالم، كما تستأثر بـ 80% من السوق العالمية وتتركز في أزيد من 60 دولة عبر العالم، فكان لها دور كبير في تلبية حاجيات المعاملات التجارية الدولية وتحليل المخاطر الإقتصادية للمقاولات، وتحديد سقف الضمان بين الحدين الأدنى والأقصى وغيرها من الخدمات المتعددة، بهذا ينبغي التأكيد على الدور الرائد لهذه الشركات في نشر فكرة هذا الصنف الفريد من التأمينات في كل دول العالم ومنها المملكة المغربية.

وقد انتقلت هاته المؤسسات المالية إلى المغرب في بداية التسعينيات من القرن الماضي واستطاعت بشكل كبير إبراز مهنيتها وحرفيتها العالية في هذا المجال، من خلال نشر خدماتها المتعلقة بتغطية المخاطر لفائدة كبرى الشركات المستثمرة في مختلف القطاعات، حيث لعبت بذلك أدوارا طلائعية أهمها تأطير ومواكبة الاقتصاد الوطني وجذب الاستثمارات الأجنبية.

ثم إن هذا الموضوع يثير مجموعة من الإشكاليات القانونية والإقتصادية خاصة في هذه الفترة الإستثنائية التي أعلنت خلالها جل الأنظمة السياسية بما فيها المملكة المغربية فرض حالة الطوارئ الصحية حفاظا على سلامة مواطنيها، إلا أن هذه الإجراءات القانونية الإحترازية المتخذة لم تنجح في خلق التوازن بين المصالح الإقتصادية والحد من انتشار الفيروس (كوفيد 19) إذ تضررت من ذلك كل اقتصادات دول العالم الأمر الذي أدى إلى تضرر اقتصاد الدول المرتبطة بها.

وإذا كانت مؤسسات تأمين الديون تدور في فلك هذه المرحلة العسيرة التي يمر منها الإقتصاد المغربي، فما هي إذا القواعد القانونية التي خصها المشرع المغربي بها؟

ثم إلى أي حد ساهمت خدمات التأمين عن الديون في التخفيف من تأثير فرض حالة الطوارئ الصحية على الإقتصاد المغربي؟

المحور الأول: المحددات القانونية لعقد تأمين الديون على ضوء التشريع المغربي

لم يعرف المشرع المغربي عقد تأمين الديون بصفة خاصة وإنما اعتبره نوعا من أنواع عقود التأمين الذي وضع له إطارا قانونيا محكما في المادة الأولى من مدونة التـأمينات (القانون رقم 99-17 الصادر بمقتضى الظهير الشريف رقم 238-02-1 بتاريخ 3 أكتوبر 2002) وعرفه بأنه “اتفاق بين المؤمن والمكتتب من أجل تغطية خطر ما، ويحدد هذا الاتفاق التزاماتهما المتبادلة”.

وقد عرفه بعض الفقه الفرنسي كجوزيف هيمار بأنه “عملية يحصل بمقتضاها أحد الفريقين وهو المؤمن له مقابل دفع مبلغ معين من النقود وهو القسط على تعهد لصالحه أو لصالح الغير في حالة تحقق خطر معين من الفريق الآخر وهو المؤمن الذي يأخذ على عاتقه مجموعة من المخاطر يجري المقاصة فيما بينهما طبقا لقوانين الإحصاء”.

ويعتبر تأمين الديون صنفا من أصناف التأمينات المعتمدة، وإحدى أهم الآليات التي تساهم في تطوير الاقتصاد الوطني المغربي، وذلك من خلال السهر على ضمان استقرار المعاملات التجارية، من خلال إنفاذ الالتزامات المتقابلة بين المؤمن (شركة التأمين/ Compagnie d’assurance) والمؤمن له (مكتتب التأمين/Assuré) حيث يلتزم المؤمن له بأداء أقساط التأمين حسب شروط الأداء المتفق عليها، كما تلتزم بدورها مؤسسة التأمين بتنفيذ مجموعة من الخدمات الأساسية لفائدة المؤمن لهم تتمثل أساسا في أداء التعويضات حسب الشروط المتفق عليها في عقد التأمين.

وتلعب هذه المؤسسات المالية دورا محوريا في استقطاب الاستثمارات الوطنية والأجنبية وتوفر لها آليات الدعم القانونية والمالية اللازمة لاستمراريتها، وكذلك فإن تواجد شركات تأمين الديون (La compagnie d’assurance crédit) في بلد معين يعد معيارا من معايير الاستقرار والنمو الاقتصاديين، بل الأكثر من ذلك فإن هذه المؤسسات تشكل وسيلة لتتبع ومراقبة الوضع المالي للشركات التي تزاول نشاطها بالمغرب على غرار الأنظمة المعمول بها في مختلف دول العالم.

ولأن الظرفية التي يمر بها المغرب بسبب تفشي وباء كورونا (كوفيد 19) وبالرغم من التدابير الجادة التي اتخذتها المملكة المغربية في محاصرة الوباء، والتي ساهمت في التقليص من حدة تداعيات المرحلة، إلا أن معظم الشركات الصغيرة والمتوسطة بالمغرب عرفت أنشطتها توقفا تاما بسبب إعلان المغرب فرض حالة الطوارئ الصحية بموجب مرسوم بقانون رقم 2.20.292 الصادر في 28 من رجب 1441 (الموافق لـ 23 مارس 2020) المتعلق بسن أحكام خاصة بحالة الطوارئ الصحية وإجراءات الإعلان عنها.

ونتيجة لذلك فإن الشركات التي توفر الحماية لمعاملاتها التجارية بواسطة عقد تأمين الديون Contrat d’assurance-crédit لدى مؤسسات التأمين المعتمدة بالمغرب ستستفيد بشكل كبير من الناحية المادية خاصة في هذه المرحلة العصيبة، والسبب في ذلك راجع إلى أن السوق المغربية لمست توقفا غير مسبوق للأنشطة التجارية أثر سلبا على الوفاء بأداء الديون في آجالها، مما سيدفع بمكتتبي التأمين بالتعجيل بإعلان المخاطر الإقتصادية بأعداد غير متوقعة لدى مؤسسات تأمين الديون، وذلك حتى تستفيد من التعويضات المحددة في عقد التأمين.

ولأجله، فإن مؤسسات تأمين الديون ستصرف مبالغ مهمة من التعويضات لفائدة المؤمن لهم، وستساهم بطريقة غير مباشرة في إنقاذ الشركات التجارية من إعلان الصعوبات القانونية والواقعية من جهة، ومن جهة أخرى مشاركتها في تثبيت استقرار الاقتصاد المغربي وضمان استمرارية عقود الشغل لفائدة الأجراء.

واستنادا على المادة الأولى من القانون رقم 17.99 السالفة الذكر وارتباطا بعقد تأمين الديون الذي يتميز بتقنيات فريدة تتجلى في نوعية الخدمات المقدمة لعملاء التأمين، والتي سنعرج على ذكرها بإيجاز نظرا لارتباطها بموضوع هذا المحور، وذلك بالاسترسال في المراحل التالية:

مرحلة إعلان المخاطر: La déclaration des sinistres 

تعتبر هذه المرحلة من أهم مراحل عقد تأمين الديون، وأهم التزام ملقى على عاتق مكتتب عقد التأمين، إذ يلتزم هذا الأخير بإعلان المخاطر المتمثلة في المعاملات المالية التي تربطه بزبنائه حسب نوعية النشاط التجاري المزاول (العقار، الفلاحة، التجارة، الصناعة، النقل، الخدمات…) وبطبيعة الحال فهذه المخاطر المعلن عنها تكون عبارة عن فواتير وأوراق تجارية من كمبيالات وشيكات بدون مؤونة وكذلك الكفالات الشخصية والعينية الممنوحة لفائدة المؤمن له من طرف زبنائه وغيرها من الوثائق المثبتة للدين، وذلك داخل الآجال المتفق عليه في العقد ما لم يتم منح أجل إضافي لمكتتب التأمين لإعلان المخاطر في إطار ما يعرف لدى الاقتصاديين بالمعروف الإقتصادي (Le geste commerciale).

والأساس في هذه المرحلة يتجلى في إعلام شركة التأمين بهذه المخاطر وتمكينها من الوثائق المثبتة لها، داخل الآجال المتفق عليها في عقد التأمين تحت طائلة عدم تغطية المخاطر، كما يتعين على مؤسسة التأمين أن تشعر المؤمن له بعد إعلانه للمخاطر بضرورة مدها بالوثائق اللازمة والمثبتة للعلاقة التجارية وكذا إعلامه بمبلغ التعويض وتاريخ استحقاقه.

وقد أشار المشرع المغربي لهذا المقتضى في البند الثالث من المادة 20 من مدونة التأمينات والتي تضمنت ما يلي:

يلزم المؤمن له:

(..)

3- بأن يوجه للمؤمن في الآجال المحددة في العقد، التصريحات التي قد تكون ضرورية للمؤمن من أجل تحديد مبلغ قسط التأمين إذا كان هذا القسط متغيرا“.

وانطلاقا من هذا المقتضى فإن عملية إعلان المخاطر تجد أساسها القانوني في القانون رقم 17.99 بمثابة مدونة للتأمينات باعتباره نصا قانونيا عاما بالرغم من أن أحكام هذا القانون لم تشمل بالتأطير جميع منتجات التأمين، وإنما قياسا على عمليات التأمين الواردة في هذا القانون.

مرحلة تحصيل الديون : Le recouvrement des créances

إن عملية تحصيل الديون تعد من الخدمات الرئيسية التي تقدمها هاته المؤسسات لزبنائها حيث تتم هذه المرحلة داخل أجل تحدده الأنظمة الأساسية لمؤسسة التأمين، كما تجرى على مرحلتين، الأولى تعرف بمرحلة التحصيل الودي ويتكلف بجميع إجراءاتها عون التحصيل في آجال محددة، وتتم بواسطة مجموعة من الآليات النظامية تبدأ باتصال هاتفي للمدين وبعثه رسالة إنذارية عن طريق البريد الإلكتروني وأيضا بالبريد المضمون، وفي عدم استجابته يمكن لعون التحصيل أن يقوم بزيارة لمقر الشركة ويحاول إقناع المدين بأداء ما هو متخلذ بذمته من ديون طواعية وكذلك منحه بعض التسهيلات في الأداء كتوقيع مخطط رامي إلى تسوية الدين (Plan de paiement)  وتنبغي الإشارة إلى أن عون التحصيل يسعى جاهدا إلى استخلاص ديون المؤمن له بطريقة ودية، دون تحويل الملف إلى قسم المنازعات وما يترتب عن ذلك من تكاليف مادية قد تتحملها مؤسسة التأمين أو مكتتب التأمين حسب نوعية وصنف العقد.

والمرحلة الثانية تنطلق إجراءاتها في حالة عجز عون التحصيل عن إنهاء مهمته بشكل رضائي، حيث يعمل هذا الأخير على توجيه الملف إلى المصلحة المكلفة بتحصيل الديون القضائية التي تتكلف بتهييئ الملف وإرساله إلى محامي المؤسسة، الذي يتخذ جميع الإجراءات القانونية اللازمة من دعاوى الأداء ومسطرة الأمر بالأداء والشكايات الموجهة إلى وكيل الملك المتعلقة بإصدار شيكات بدون مؤونة وغيرها من المساطر القانونية المعمول بها حسب الوثائق المثبتة للدين.

وبعد ما يتم استصدار مقررات قضائية لفائدة المؤمن له يسلك المحامي طرق التنفيذ المنصوص على أحكامها في قانون المسطرة المدنية، والمتمثلة في التنفيذ الرضائي الذي يتم بمجرد تبليغ المحكوم عليه، أو التنفيذ الجبري الذي يسلكه محامي المؤسسة في حالة عدم امتثال المحكوم عليه لتنفيذ المقرر القضائي، وذلك عن طريق سلوك إجراءات الحجز (الحجز التحفظي والحجز التنفيذي وحجز ما للمدين لدى الغير) مع مراعاة اختلاف وتنوع محل الحجز حسب شروط وأحكام معينة.

مرحلة التعويض L’indemnisation

يعتبر التعويض في إطار عقود التأمين ذلك المبتغى الثمين والهدف المالي الذي يسعى لتحقيقه مكتتب التأمين، فالتزام هذا الأخير بأداء أقساط التأمين المتفق عليها وعلى آجال أدائها يحتم على مؤسسة التأمين أداء التعويضات الإتفاقية بمجرد تحقق الشروط الموجبة لها.

وقد أكد المشرع المغربي على هذا الإلتزام في القانون رقم 17.99 المتعلق بمدونة التأمينات، حيث نص في الفقرة الأولى من المادة 19 على ما يلي: “عند تحقق الخطر المضمون أو عند حلول أجل العقد، يجب على المؤمن داخل الأجل المتفق عليه تسديد التعويض أو المبلغ المحدد حسب عقد التأمين”.

وانطلاقا من هذه المادة فإن استحقاق مبلغ التعويض هو نتيجة حتمية لتحقق شرط حصول أو تحقق الخطر المؤمن عليه وحلول الأجل المحدد في نص العقد، إذ أن استحقاق التعويض في أجله يعد من أهم الخصائص التي تميز عقد تأمين الديون عن باقي أنواع عقود التأمين الأخرى التي قد يحتاج بعضها في أغلب الأحيان إلى صدور أحكام قضائية نهائية من أجل صرف التعويضات لمستحقيها.

وقد عرف المشرع المغربي التعويض في المادة الأولى من القانون رقم 17.99 بمثابة مدونة التأمينات بأنه: “مبلغ يدفعه المؤمن وفقا لمقتضيات العقد كتعويض عن الضرر اللاحق بالمؤمن له أو الضحية”.

يستحق المؤمن له مبلغ التعويض بعد اجتياز المراحل السالفة الذكر باحترام تام للشروط الاتفاقية المنصوص عليها في عقد التأمين في ظل الإحترام التام للضوابط التي تضمنها القانون رقم 17.99 بمثابة مدونة التأمينات.

هذا، وبعد استنفاذ إجراءات تحصيل الديون الخصوصية وفق التفصيل المذكور تكون مؤسسة التأمين أمام فرضيتين اثنتين، تتمثل الأولى في تحصيل ديون المؤمن له العالقة بذمة مدينه قبل حلول أجل التعويض، فأمام هذا المعطى يستوفي المؤمن له ديونه بطريقة مباشرة من طرف المدين أو بطريقة غير مباشرة عن طريق مؤسسة التأمين، وتتحلل هذه الأخيرة من التزامها بأداء التعويضات الاتفاقية.

أما الفرضية الثانية فتتجلى آثارها في حالة عجز مؤسسة التأمين عن استخلاص الديون قبل حلول أجل استحقاق التعويض، إذ بذلك يتعين على مؤسسة التأمين الوفاء بالتزامها في صرف التعويضات حسبما حددته اتفاقية التأمين، وتواصل بعد ذلك إجراءات التحصيل.

وانطلاقا مما سبق يمكننا الخروج بفكرة مفادها أن مؤسسات تأمين الديون تمارس أنشطتها في إطار قواعد قانونية عامة تتمثل في القانون رقم 17.99 المتعلق بمدونة التأمينات، وضوابط خاصة تتجلى في كنه عقد التأمين الذي يتضمن شروط اتفاقية عامة (Conditions générales) تسري على جميع عقود التأمين، وشروط اتفاقية خاصة (Conditions particulieres) تختلف حسب نوع اتفاقية التأمين والكل تحت لواء القاعدة الفقهية في القانون المدني التي تقضي بأن العقد شريعة أطرافه (الفصل 230 من ظهير الإلتزامات والعقود المغربي).

وبما أن اقتصاد المملكة المغربية يمر من ظروف استثنائية بسبب انتشار فيروس كورونا (كوفيد-19) المستجد، كان بيان الدور الذي تقوم به مؤسسات تأمين القروض في مواكبة الاقتصاد المغربي، خاصة في ظل هذه الجائحة أمرا ملحا وبالتالي فهو يستدعي توضيحا وبيانا أكثر وذلك وفق ما سيرد في المحور التالي.

المحور الثاني: الأهمية الإقتصادية لمؤسسات تأمين الديون في ظل فرض حالة الطوارئ الصحية

إن الدور الرائد والمتميز الذي تقوم به مؤسسات تأمين الديون في مواكبة التطور الاقتصادي للشركات الكبرى – على وجه الخصوص –  يتمثل في  التعويضات التي تصرفها هاته المؤسسات لعملائها عند حلول الأجل، فبالرغم من أن مكتتب التأمين              (Assuré) يؤدي مقابل مالي مهم لشركة تأمين الديون حسب شروط العقد المبرم (عقد تأمين القروض يختلف حسب نوع الخدمات التي يحتاجها المؤمن له واستنادا عليها تؤسس أقساط التأمين) فإنه يستفيد من ضمانات مالية ومعنوية مهمة جدا، فالأولى تتجلى في التعويضات المستحقة للمؤمن له، والثانية لها أبعاد عدة من أبرزها ضمان الاستقرار وترسيخ الثقة لدى الشركات المؤمن لها، فمن هذا المنطلق تبرم هذه الأخيرة عقودها التجارية بكل حرية وأمان ومن غير توجس، لأن هاجس التأمين يشكل جدارا مانعا يحول دون تفكيك معاملاتها التجارية، بل الأكثر من ذلك فإن المؤمن له تتاح له إمكانية تفادي أي عملية احتيال أو غش من طرف زبنائه والمتعاملين معه، عن طريق آلية التحليل المالي والإقتصادي كخدمة تضعها مؤسسة تأمين القروض لفائدة زبنائها، وهو ما يجسد البعد الوقائي والحمائي لهذه المؤسسات.

وقد برزت أهمية هاته المؤسسات المالية بشكل جلي إثر تفشي فيروس كورونا (كوفيد-19) المستجد في معظم دول العالم كما هو الحال بالنسبة للمغرب الذي انتقل إليه هذا الوباء في مطلع شهر مارس 2020 قبل أن تعلن المملكة عن حالة الطوارئ الصحية بموجب مرسوم بقانون رقم 2.20.292 بتاريخ 24 مارس 2020، حيث ساهمت في التذليل من حدة الصعوبات الإقتصادية  الناجمة عن توقف أغلب  الأنشطة الاقتصادية بصفة شبه تامة، خاصة في القطاع الصناعي وقطاع العقار والتعمير اللذان يشكلان نسبة مهمة من الإستثمارات الوطنية والأجنبية، كما تعد من أهم القطاعات التي تعزز معاملاتها التجارية وتسيجها بواسطة عقود تأمين الديون.

وقد ترتب عن هذه الأزمة التي يمر منها المغرب كما باقي دول العالم إعلان الشركات التجارية بصفتها مؤمن لها عن عدد مهم من المخاطر غير المعتادة وغير المتوقعة لدى مؤسسة التأمين، بغرض تغطية هذه الديون والإستفادة من التعويضات المستحقة.

ويرجع السبب الرئيسي في ارتفاع عدد المخاطر المعلنة لمؤسسة تأمين الديون في فرض حالة الطوارئ الصحية، إذ على إثر هذا الوضع الإستثنائي غير المألوف تخلف معظم الشركاء التجاريين عن الوفاء بالتزاماتهم المالية، الأمر الذي جعل مؤسسة تأمين القروض أمام وضع استثنائي حتم عليها صرف مبالغ مهمة من التعويضات لمكتتبي التأمين.

وتعد أيضا من بين أهم الأدوار ذات الطابع الحمائي لمؤسسة تأمين الديون التي ظهرت مزاياها خاصة في هذه الفترات الإقتصادية الصعبة هو المساهمة في تفادي الشركات المؤمن لها من إعلان الصعوبات الاقتصادية، ومن ثم تجنب الخضوع لمسطرة الإنقاذ المعمول بإجراءاتها بمقتضى القانون رقم 73.17 المغير والمتمم للكتاب الخامس من مدونة التجارة، كما يجنبها التعامل مع المقاولات التي تعاني من صعوبات مالية من شأنها الإخلال باستمراريتها بواسطة التحليل المالي والإقتصادي الذي تنتجه مؤسسة التأمين لفائدة عملائها.

ودائما في إطار عقد التأمين المبرم بين مؤسسة التأمين والشركة المؤمن لها وافتراضا أنه تم إعلان الصعوبة  الإقصادية (Les difficultés de l’entreprise) من طرف المقاولات المتعاملة مع الشركة المؤمن لها (Assuré) فإن اتفاق الحلول                      (Convention de subrogation) المضمن مسبقا في عقد التأمين يسمح لمؤسسة التأمين اتخاذ جميع الإجراءات القانونية اللاحقة بمجرد نشر الحكم القاضي بإخضاع المقاولة لمسطرة الإنقاذ (Procédure de sauvegarde) في الجريدة الرسمية بما في ذلك التصريح بالدين، كما يتعين على الشركة المؤمن لها الإدلاء بما يفيد المديونية من أوراق تجارية، فواتير، ومستندات التسليم وغيرها من الوثائق المثبتة للدين، ثم إنها – أي الشركة المؤمن لها-  تحتفظ بحقها في المطالبة باستحقاق التعويض في الأجل التعاقدي.

وتبعا لذلك، فإنه إذا افترضنا في الحالة السابقة أن الشركة الدائنة لم تحصن ديونها بعقد التأمين مسبقا، فإن النتيجة الحتمية ستكون هي انتظار مآل مخطط الإستمرارية Plan de continuation الذي يستغرق عادة مدة زمنية معينة، والتي ترتبط أيضا بتكلل جهود كل من السنديك والقاضي المنتدب وغيره من المتدخلين في هذه المسطرة القانونية بنجاح، وعدم استفادتها من التعويض الذي يعد حقا مكتسبا بالنسبة لمكتتبي التأمين في إطار عقد التأمين.

وبناء على هذا الأساس يتضح بشكل واضح البعد الوقائي لمؤسسات تأمين الديون ودورها في مواكبة العمليات التجارية للمقاولات عن طريق مصلحة خاصة (مصلحة التحليل المالي) تناط بها مهمة تحديد مستوى ضمان الديون حسب شروط ومعايير محددة بموجب أنظمة مالية وقانونية معتمدة في القطاع المالي العام، ونذكر منها رقم أعمال الشركة التجارية، ونوعية نشاطها، ومخططها المالي وغيرها من آليات الرقابة المالية القبلية والبعدية، ونتيجة لذلك فإن الشركة التجارية المؤمن لها تبقى رهينة في معاملاتها بالدراسة المالية المسبقة لمؤسسة  التأمين، مما يجعلها تتفادى التعامل مع زبناء معسرين أو مع المتوقع إعلان إفلاسهم مستقبلا خاصة في هذه الظرفية الإستثنائية التي يمر منها الإقتصاد العالمي بسبب انتشار وباء كورونا (كوفيد – 19).

وفي الختام، ينبغي التركيز على جانبين أساسيتين في هذه الدراسة:

الجانب القانوني

إن القانون رقم 17.99 المتعلق بمدونة التأمينات لم يشمل بالتنظيم كل أنواع التأمينات وإنما اقتصر على التأطير القانوني للعناصر الأساسية لعقد التأمين محددا شروطه وآثاره، ولعل غاية المشرع من هذا النهج القانوني هو جعل مدونة التأمينات إطارا عاما ووعاء قانونيا لمختلف عقود التأمين، إلا أن التطور الاقتصادي المستصحب بتطور أنواع عقود التأمين، كالتأمين عن الديون – موضوع هذه الدراسة – الذي عرف نموا اقتصاديا ملحوظا في السنوات الأخيرة وما كان لذلك من آثار على الإقتصاد الوطني خاصة في ظل فرض حالة الطوارئ الصحية بسبب وباء كورونا (كوفيد 19) المستجد، يتحتم على المشرع المغربي تعديل وتحيين نصوص هذا القانون مستقبلا بما يتوافق ومتطلبات النموذج التنموي الجديد.

الجانب الإقتصادي

استنتاجا لما تمت معالجته في المحاور السابقة، يتضح لنا أن مؤسسات تأمين الديون في ظل فرض حالة الطوارئ الصحية التي حالت دون وفاء العملاء التجاريين بالتزاماتهم المالية، قد أضحت تواجه معادلة اقتصادية مكلفة، تتجلى في قبول المخاطر المعلن عنها من جهة، وصرف تعويضات غير متوقعة من جهة أخرى، وبالتالي ستكون مؤسسة تأمين الديون قد ساهمت بشكل فعال في مساعدة الشركات التجارية من تخطي هذه الظروف الإستثنائية والتخفيف من حدتها، وذلك من خلال التعويضات التي ستصرفها لفائدة المؤمن لهم مما سيمكنهم من الوفاء بالتزاماتهم التعاقدية، ومن ضمنها أداء أجور المستخدمين والعمال، والوفاء بالمستحقات الضريبية والاجتماعية، كما ستشكل لها هذه التعويضات الآنية دفعة قوية نحو انطلاقة اقتصادية آمنة بعد رفع حالة الطوارئ الصحية.

ولأن لكل نقمة منافع فربما ستشكل هذه الوضعية الوبائية التي يجتازها المغرب بالخصوص فرصة للمقاولات الوطنية والأجنبية المستثمرة بالمملكة، التعرف أكثر على فعالية مؤسسات تأمين الديون ودورها الريادي في النهوض بالإقتصاد الوطني، وكذلك ستمثل دعوة لانفتاحها على هذا المشروع المالي المتميز.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: