في الواجهةمقالات قانونية

إحياء الأراضي الموات بين تضارب النصوص وواقع التنزيل

 

إحياء الأراضي الموات بين تضارب النصوص وواقع التنزيل

أحمد لعسيري

طالب باحث بسلك الماستر

يعتبر حق الملكية من أهم الحقوق العينية على الإطلاق، فبالرجوع إلى مدونة الحقوق العينية نجدها تناولت أسباب كسب حق الملكية في القسم الأول من الكتاب الثاني، ومن ضمن هذه الأسباب التي نظمتها المدونة إحياء الأراضي الموات، بحيث لم تكن توجد مقتضيات تشريعية صريحة تنظم هذه الأملاك إلى أن صدرت مدونة الحقوق العينية فتطرقت لبعض أحكامها بالتنظيم في المواد من 222  إلى226 ، إلا أن هذه المقتضيات وإن كانت توضح بعض الخصائص المميزة لهذه الأملاك فإنها لم تستطع رصد ومعالجة مختلف الإشكالات التي تثيرها[1]. وعموما يمكن تعريف الأراضي الموات بأنها الأرض التي لا مالك لها ولا عمارة فيها ولا ينتفع بها في زراعة ولا بناء.

وتكمن أهمية موضوع إحياء الأراضي الموات والحريم في أهمية الموارد التي يمكن أن يحققها هذا الملك للمستفيدين منه، فقد أولى المشرع أهمية كبرى لتدبيره والمحافظة عليه، ولهذا الغرض، صدرت عدة  نصوص تشريعية تهدف في عمومها إلى تنمية الاحتياطات العقارية، ومواجهة التحديات الآنية والمستقبلية، من أجل جعل العقار قاطرة للتنمية المحلية[2]. كما أن هذا الموضوع حظي بعناية كبيرة من طرف فقهاء المذاهب الفقهية الأربعة، ناهيك عن تعدد المشاكل القانونية المتمثلة في تناقض النصوص داخل مدونة الحقوق العينية، وكذا المشاكل العملية التي تجعل من تنزيل أحكام القانون [3]08.39 المرتبطة بالإحياء على أرض الواقع عنوانا بارزا لإشكالات قانونية كبرى وتهديدا للرصيد العقاري التابع للملك الخاص للدولة.

ومن خلال هذه الأهمية يتضح لنا جليا أن الموضوع الذي بين أيدينا يثير إشكالا محوريا لا تقل عن الأهمية أعلاه، يمكن إيرادها على الشكل التالي؛ ما هي المشاكل والعوائق التي تحول دون كسب حق الملكية عن طريق الإحياء والحريم؟

وللإجابة عن هذه الإشكالية وغيرها من الإشكالات القانونية والواقعية المرتبطة بها يمكن اعتماد التصميم التالي:

المطلب الأول: إحياء الأراضي الموات في ضوء القواعد الفقهية

              المطلب الثاني: إحياء الأراضي الموات بين واقع النصوص وإشكالات التطبيق

 

المطلب الأول: إحياء الأراضي الموات والحريم في ضوء الأحكام والقواعد الفقهية

          حظي موضوع إحياء الأراضي الموات بعناية كبيرة من طرف الفقهاء على مختلف مشاربهم فهم يجمعون على أن الأرض الموات هي الأرض التي لا مالك لها ولا عمارة فيها ودليلهم في ذلك ما جاء في سورة النحل من قوله سبحانه وتعالى “والله أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها”. (الآية: 65)

وتتعد أسباب موات الأرض فإما أن يكون سبب مواتها الجفاف وانقطاع الماء عنها وقد يكون سبب مواتها تواجد الرمال والأحجار والنباتات الضارة بها.

ويعتبر إحياء الأراضي الموات سبب من أسباب التملك دل على ذلك زمرة من النصوص الشرعية التي يستدل بها الفقهاء على جواز إحياء الأرض الموات حيث روي عن سعيد بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال “من أحيا أرضا ميتتا فهي له” واللام تدل على الاختصاص بالشيء وملكه.

كما أنه روي عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: قال عليه السلام “من عمر أرضا ليست

لأحد فهو أحق بها”[4] وعن ابن عباس رضوان الله عليه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “موتان الأرض لله ورسوله، فمن أحيا منها شيئا، فهي له”.

من هنا يتضح جليا أن الشريعة الإسلامية كانت سباقة لموضوع الإحياء مند بزوغ فجر الإسلام، فما المقصود إذا بإحياء الأرض الموات والحريم؟ وماهي مراحل وضع اليد وشروط الإحياء؟

 

  الفقرة الأولى: التقعيد المفاهيمي للأراضي الموات والحريم

  سنتطرق في هذه الفقرة إلى تعريف كل من الأرض الموات (أولا) والحريم (ثانيا)

     أولا: تعريف الأرض الموات

      مصطلح الموات، مشتق من الموت وهو ذهاب القوة من الشيء فالموت حسب ابن منظور يطلق على السكون والأرض الموات هي الأرض التي لا مالك لها من الآدميين ولا ينتفع بها أحد، فمصطلح الأرض الموات اصطلح في الفقه الإسلامي على الأرض التي لا نبات بها حسب ابن رشد. بيد أن هذا التعريف حصر الأرض الموات في دائرة جد ضيقة، لكونه لا يعتبر الأرض ذات الأشجار أو ذات الأشواك مواتا إذ أن أكثر الفقهاء يعتبر الآجام والمستنقعات من الموات أيضا.

وعرفها ابن الحاجب بكونها “الأرض المنفكة عن الاختصاص بنفع،”[5] ومنه فالأرض الموات يدخل في إطارها الأرض ذات النباتات والأرض الجرداء، شريطة أن تكونا مجردتين عن أي علاقة بمختص، سواء كان محييا أو محجرا.[6]

    ويرى الفقهاء أن كل من وضع يده على أرض ميتة غير مملوكة لأحد وقام بإحيائها وتحويلها إلى أرض صالحة للاستغلال تصبح مملوكة له ملكية تامة.[7]

وعموما يطلق هذا المصطلح الفقهي –إحياء الموات- على قيام الشخص بأعمال تؤدي إلى جعل الأرض غير المملوكة والتي لا يمكن الانتفاع  بها على حالتها صالحة للاستغلال. وهذا يعني أن الأرض التي لا تصلح تسمى أرضا ميتة أو مواتا. وإحياؤها يكون بجعلها صالحة للانتفاع بها وذلك مثل المستنقعات التي يتعذر استغلالها بسبب المياه التي تغمرها. ومثل الصحاري التي لا تتأتى زراعتها ولا السكن فيها لشدة جفافها. ولكن إن جفف المستنقع وأصلح أو جلبت المياه إلى الصحراء وأصبحا صالحين للاستغلال والسكنى، فإن ذلك يعتبر إحياء لهما.[8]

    ثانيا: الحريم

يعتبر الحريم التابع للأراضي المملوكة مملوكا لصاحب الأرض، وذلك مثل المراعي التابعة للأراضي المملوكة والمحتطبات –الأماكن التي يقطع القريب منها الحطب عادة- ومثل حريم البئر، أي ما حولها من الأرض التي لا بد منها لاستغلال تلك البئر، فإنه يعتبر تابعا للبئر ومملوكا لصاحبها.[9]

فيمنع على الغير استغلال حريم غيره أو إحداث أي شيء فيه، وكل ما يضر بهذا الحريم يزال. فالمداخل والمخارج المؤدية إلى بلدة أو جماعة فهي تعتبر حريم الجماعة والبلدة، وما تحتاجه الشجرة لسقيها ومد جذورها وفروعها يعد حريما تابع للشجرة.

وعليه فالأرض المملوكة لشخص إذا أهملها صاحبها حتى صارت ميتة، فلا يعتبر إحياؤها من طرف الغير سببا لملكيتها.[10] بل تبقى مملوكة لصاحبها القديم، وكذلك الأمر بالنسبة للحريم التابع للأرض المملوكة فلا يعتبر احياؤها سببا لملكيتها، وإنما تبقى في ملكية مالك البلدة أو رب البئر أو الشجرة.[11]

 

الفقرة الثانية: مراحل وضع اليد على الأرض الموات

     أجمع الفقهاء على أن وضع اليد على الأراضي الموات يتم عبر التحجير (أولا) ثم الإحياء (ثانيا)

أولا: التحجير

يقصد بالتحجير وضع العلامات، وقد اعتمده الفقهاء مصطلحا ليؤدي معنى ضرب الحدود حول ما يراد إحياؤه،[12]   كوضع الأحجار حول الأرض التي يراد إحياؤها أو تسييجها أو إزالة الحشائش من الأرض وحرق أشواكها كأعمال تسبق وضع اليد على الأرض الموات وإحياؤها.

وتحجير الأرض الموات لا يثبت ملكيتها لصاحبه، بل يجعله أولى بإحيائها من غيره، إلا أن التحجير ينتهي بما يلي:

  1. مضي مدة ثلاث سنين

    إذا لم يقم المحجر بعمل جاد لإحياء الأرض داخل ثلاث سنوات ينتهي حقه المكتسب في التحجير ودليل ذلك قوله صلى الله عليه وسلم “…وليس لمحتجر حق بعد ثلاث سنين”[13]

  1. عدم القدرة على الإحياء

   في حالة عدم قدرة المحجر على الاحياء إما لفقره أو لعجزه عن تهيئة أسبابه اللازمة، فلا أثر للتحجير وجاز لغيره إحياؤها.[14]

  1. زوال آثار التحجير

   في حالة زوال علامات التحجير بعامل من عوامل التعرية يؤدي إلى إعادة الأرض إلى ما كانت عليه وبالتالي يسقط حق المحجر في الإحياء.

وعليه فالحق المكتسب بالتحجير ينتهي بتوافر أحد الأسباب المذكورة أعلاه.

     ثانيا: الإحياء

     بختلف الاحياء من وضع لآخر تبعا للمقصود من ورائه، فعملية الإحياء عند الشخص الذي يقصد السكن تختلف عن الآخر الذي يقصد من ورائه الاستثمار الفلاحي أو الصناعي، فما هي شروط الاحياء (أ) وما هي النتائج المترتبة على الإحياء (ب).

     أ. شروط الاحياء

      يمكن حصر شروط إحياء الأرض الموات في الآتي:

  1. انتفاء يد الغير عنها

     يقول صل الله عليه وسلم “من أعمر أرضا ليست لأحد فهو أحق بها” الشاهد عندنا في هذا الحديث قوله عليه السلام “ليست لأحد” وبالتالي يجب أن لا تكون هذه الأرض مملوكة لأي كان.

  1. كون الأرض الموات مجردة من الإقطاع ومن الحمى ومن المنافع العامة[15]

    كأن تكون مشعرا للعبادة كمنى وعرفات، أو محتطبا أو شوارع أو نحوهما،[16]  وبالتالي فحصول أدنى انتفاع بها من طرف عامة الناس يخرجها من كونها مواتا.[17]

  1.   ألا تكون حريما للعامر أو مما تعلق بها مصالح أهل العامر

بحيث لا ينتفع بها كمرفق من مرافق العامر من الأرض، لأن الانتفاع بها كطرق أو مسايل ماء أو مطرح نفايات أو ملقى تراب يجعلها ذات نوع من الاختصاص بأهل العامر[18].

وبخصوص الحصول على إذن الإمام أو الحاكم اختلف الفقهاء بين من قال الاحياء لا تترتب عليه نتائج إلا إذا اقترن بإذن خاص من الإمام، وهو رأي جمهور الحنفية. بيد أن المالكية لهم رأي آخر مفاده إذا كانت الأرض الموات قريبة من الأراضي العامرة فلابد فيها من إذن الإمام، أما إذا كانت بعيدة ولا تشاحن فيها  بين الناس فلا تحتاج لإذن الإمام.

   ب. النتيجة المترتبة على الإحياء

ذهب جمهور فقهاء المالكية إلى القول بنشوء الملكية نتيجة الإحياء، أي أن الاحياء يكسب الحق في ملكية الأرض التي تم إحياؤها، وقد قال بهذا الرأي أيضا فقهاء الشافعية والحنابلة والأحناف في الرأي المشهور لهم. ودليلهم في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم “عادي الأرض لله وللرسول ولكم من بعد..” وقوله أيضا “من أحيا أرضا ميتة فهي له وليس لعرق ظالم حق” والعرق الظالم كل من احتفر او أخذ أو غرس بغير حق.

المطلب الثاني: إحياء الأراضي الموات بين واقع النصوص وإشكالات التطبيق

   نظم المشرع المغربي إحياء الأراضي الموات كسبب من أسباب كسب الملكية بموجب المواد من 222 إلي 266 من مدونة الحقوق العينية، فبقراءتنا لهذه المواد نستشف أنها تطرح زمرة من الإشكالات إن على المستوى القانوني أو على المستوى العملي، فضلا عن مخالفتها الصريحة لأحكام الشريعة، الشيء الذي يجعل تنزيل هذه الأحكام على أرض الواقع يطرح مجموعة من العوائق ، ابرزها تهديد الرصيد العقاري التابع للملك الخاص للدولة.

وحتى يتسنى لنا الاحاطة بمختلف الجوانب القانونية لهذه المؤسسة القانونية سنتطرق إلى النظام القانوني للأراضي الموات بالمغرب (الفقرة الاولى) ثم نعرج على خصوصية الأراضي الموات بالمغرب (الفقرة الثانية)

   الفقرة الأولى: النظام القانوني للأراضي الموات

     سنعالج في هذه الفقرة الأراضي التي لا مالك لها ملك خاص للدولة (أولا) ثم شروط وضع اليد والإحياء (ثانيا).

    أولا: الأراضي التي لا مالك لها ملك خاص للدولة

    رغم تناول المشرع العقاري، إحياء الأراضي الموات ضمن الكتاب الثاني من مدونة الحقوق العينية المتعلق بأسباب كسب الملكية، فإن الأرض الموات أخرجت من نطاق الإباحة العامة إلى نطاق الملك الخاص للدولة، أي أن الأراضي التي لا مالك لها فهي ملك خاص للدولة، ودليل ذلك ما ورد ما ورد في المادة 222 من مدونة الحقوق العينية إذ تنص على أن ” الأراضي الموات التي لا مالك لها تكون ملك للدولة، ولا يجوز وضع اليد عليها إلا بإذن صريح من السلطة المختصة طبقا للقانون”.

إذن فالمشرع قرر أن الأراضي الموات غير المزروعة والتي لا مالك لها تكون ملكا للدولة، ولا يجوز لأحد تملك هذه الأراضي أو وضع اليد عليها إلا بترخيص صريح من السلطة المختصة وفقا للقانون،[19] فتعتبر ملكا للدولة الأراضي الخلاء التي لا مالك لها ولا يمكن احتلالها أو إحياؤها إلا بترخيص خاص من المخزن.[20]

حيث أكدت مقتضيات المادة 222 أعلاه بأن الأراضي الموات هي التي لا مالك لها وتكون ملكا للدولة ولا يجوز وضع اليد عليها إلا بإذن صريح من السلطة المختصة طبقا للقانون وأن استغلالها رهين بالحصول على إذن من السلطة المختصة.[21]

     ثانيا: الأعمال التي تجعل الأرض الموات صالحة للاستغلال

الاحياء يكون بأمور، منها البناء والغرس والزراعة والحرث، وجلب الماء إلى الأرض،وصرف الماء منها ، وإزالة الأوساخ أو الأحجار منها، أو كسر ما بها من أحجار، أو تسوية الأرض، أو إزالة ما بها من أشواك وأدغال، ولا يكفي في ذلك مجرد تحويط الأرض، أو رعي ما بها من كلإ.[22]

وفي هذا الصدد نصت المادة 224 من مدونة الحقوق العينية على أن “يكون إحياء الأرض الموات بجعلها صالحة للاستغلال، ويتم إحياؤها بزراعتها أو غرس الأشجار بها أو صرفه عنها” وبالتالي فإن هذه الأعمال، نؤدي إلى جعل الأرض غير المملوكة لأحد والتي لا يمكن الانتفاع بها على حالتها صالحة للاستغلال.

ومن الأعمال التي تجعل الأرض الموات صالحة للاستغلال، مثلا القيام بزراعتها وحرثها وغرس الأشجار بها أو إقامة دار، وبناء أو منشأة عليها، أو تفجير ماء بها أو صرفه عنها.[23]

وهذا دون إغفال أحكام المادة 223 من القانون 08.39 التي جاء فيها “من أحيا أرضا من الأراضي الموات بإذن من السلطة المختصة فله حق استغلالها”. بمعنى أنه من أحيى أرضا مواتا بإذن من السلطة المختصة فله الحق في استغلالها، مفاد ذلك أن من أحيا أرضا من الأراضي الموات، لا مالك لها إلا الدولة، وحصل على إذن صريح من السلطة المختصة في شأنها، فله الحق في استغلال هذه الأرض وإحيائها وتحويلها إلى أرض صالحة للاستغلال والانتفاع منها، وذلك بأمور، منها البناء والغرس والزراعة والحرث، وغير ذلك مما يجعل هذه الأرض الميتة صالحة للنفع والاستغلال والاستفادة منها عمليا وميدانيا.[24]

ومنه فإن النصوص التي نظمت احياء الأراضي الموات ربطت مسألت الإحياء بضرورة الحصول على ترخيص قانوني من السلطة المختصة.[25]

    الفقرة الثانية: التنزيل العملي لأحكام المادة 222 من مدونة الحقوق العينية

    سنعالج في هذه الفقرة بعض الاشكالات التي يثيرها التنزيل العملي لأحكام المادة 222 (أولا) لنتطرق بعد ذلك لتعارض الأحكام المنظمة للإحياء مع المقتضيات المؤطرة للحيازة الاستحقاقية (ثانيا)

أولا: بعض الاشكالات التي يثيرها النزيل العملي للمادة 222

 بعد دخول القانون 08.39 حيز التنفيذ أقرت المادة 222 واقعا قانونيا مفاده أنه لم يعد وجود لأراضي موات بدون مالك ما دامت الدولة أصبحت هي المالك لها بقوة القانون، وهذا يطرح إشكالية تطبيق باقي المقتضيات القانونية المرتبطة بالأراضي الموات التي لا مالك لها.[26]

هب أن شخصا وجد أرضا ميتة وأراد أن يحييها فلابد له من التوجه إلى السلطة المختصة ليطلب الترخيص، فبمجرد ما يتبين للإدارة المختصة أن هذه الأرض هي من الأراضي الموات التي لا مالك لها، ستحتج عليه إدارة الملك الخاص للدولة بمقتضيات المادة 222 وتقول له هذه الأرض وإن كانت من الأراضي الموات فهي ملك للدولة بقوة القانون، وبالتالي لا يمكن منح إذن صريح له بوضع اليد على ملك الدولة. إذن فهذه المادة تتضمن مقتضيين يعطل أحدهما الآخر.

وبالتالي يمكن أن نتساءل عن كيف يمكن تطبيق هذه المادة على الأراضي الموات التي التي كانت تعتبر كذلك وتم وضع اليد عليها قبل صدور مدونة الحقوق العينية ولم يتم إحياؤها إلا بعد دخول هذا القانون حيز التطبيق؟

   ثانيا: تعارض الأحكام المنظمة للإحياء مع المقتضيات المؤطرة للحيازة الإستحقاقية

   ” إن مقتضيات المادة 222 وما يليها تعطل المقتضيات المنصوص عليها في المادة 239 وما يليها من النصوص المنظمة للحيازة الاستحقاقية في مدونة الحقوق العينية والتي تنص على ما يلي “تقوم الحيازة الإستحقاقية على السيطرة الفعلية على الملك بنية اكتسابه. ولا تقوم هذه الحيازة لغير المغاربة مهما طال أمدها.”

فإذا اتفقنا على أن الإنسان لا يجرأ على حيازة إلا العقارات أو الأراضي التي لا مالك لها، وإذا اتفقنا أن مآل الأراضي التي لا مالك لها هو الموت، فالحيازة بذلك تكون مدخل لتملك الأفراد للأراضي الموات التي لا مالك لها، علما أن المواد 239 و 240 وما يليها من مدونة الحقوق العينية حددتا مجموعة من الشروط لصحة الحيازة وأهمها وضع اليد على العقار والتصرف فيه تصرف المالك في ملكه وعدم منازعة أي أحد في ذلك وهذه الأمور لا تتحقق إلا في الأراضي الموات التي لا مالك لها. ومادامت المادة 222 نصت صراحة على أن الأراضي الموات التي لا مالك لها تكون ملكا للدولة ولا يجوز وضع اليد عليها فلن يبقى هناك أي مجال للحيازة. وتبعا لذلك أصبح من حق الملك الخاص للدولة الإعتراض على كل مطالب التحفيظ التي يكون مدخل التملك فيها هو الحيازة.

ومن ثم فإن مقتضيات المادة 222 وما يليها تعطل في جوهرها هذه الإمكانية المتاحة للفرد، ومقابل ذلك تقر للدولة بأحقية التملك.”[27]

وفي الختام، نخلص إلى أن المشرع العقاري قام بكبح أحكام ونصوص الشريعة الإسلامية الغراء قطعية الدلالة، فضلا عن تعطيله لمقتضيات الحيازة الاستحقاقية كأحد أسباب اكتساب حق الملكية العقارية، حينما جعل الاراضي التي لا مالك لها ملكا خاصا للدولة، وأنى لهذه الأخير أن تتنازل للمواطن الضعيف عن أرض قام بإحيائها أو قام بحيازتها. وبالتالي فهناك تناقض بين النصوص القانونية داخل مدونة الحقوق العينية، بحيث أن المشرع يعطيك باليمنى _احكام الحيازة_ الحق في تملك عقار عن طريق الحيازة ويسلب منك باليسرى _احكام الإحياء_ وذلك من خلال جعل حق التملك _بل حق الاستغلال فقط دون حق التملك_ عن طريق الإحياء رهين بالحصول على إذن من لدن إدارة الملك الخاص للدولة، وهذا لعمري ضرب في كنه وجوهر الأمن القانوني المنشود.

لائحة المراجع

الكتب:

  • عبد الكريم شهبون، الشافي في شرح مدونة الحقوق العينية، توزيع مكتبة الرشاد، سطات، 2015، الطبعة الأولى.
  • محمد ابن معجوز: الحقوق العينية في الفقه المالكي، دار الباحث العربي، فاس، 1990، الطبعة الأولى.
  • محمد خيري، العقار وقضايا التحفيظ العقاري في التشريع المغربي من خلال القانون رقم 07-14 المتعلق بالتحفيظ العقاري، دار نشر المعرفة، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط، 2014.

المقالات:

  • أحمد العطاري، المساطر الخاصة للتحفيظ العقاري دراسة في ضوء الاجتهاد الفقهي والقضائي والممارسة العملية، الجزء الأول، مجلة القضاء المدني، العدد 10، مارس 2015.
  • فاطمة الزهراء علاوي، إحياء الأرض الموات على ضوء القواعد الفقهية والقانون الجديد لمدونة الحقوق العينية، مجلة الحقوق”الأنظمة والمنازعات العقارية”، الإصدار السابع، فبراير 2017.
  • زكرياء خليل: الأراضي الموات بين النص القانوني والتنزيل العملي، منشورات كلية الحقوق مراكش “مدونة الحقوق العينية بين الواقع والمأمول”، العدد 58، سنة 2019.

القوانين:

  • القانون رقم: 38.08 المتعلق بمدونة الحقوق العينية الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم: 1-11-178 بتاريخ 22 نونبر 2011 المنشور بالجريدة الرسمية رقم 5998 بتاريخ 24 نونبر 2011.

 

 

 

 

المطلب الأول: إحياء الأراضي الموات والحريم في ضوء الأحكام والقواعد الفقهية

الفقرة الأولى: التقعيد المفاهيمي للأراضي الموات والحريم

أولا: تعريف الأرض الموات

ثانيا: الحريم

الفقرة الثانية: مراحل وضع اليد على الأرض الموات

أولا: التحجير

ثانيا: الإحياء

أ. شروط الاحياء

ب. النتيجة المترتبة على الإحياء

المطلب الثاني: إحياء الأراضي الموات بين واقع النصوص وإشكالات التطبيق

الفقرة الأولى: النظام القانوني للأراضي الموات

أولا: الأراضي التي لا مالك لها ملك خاص للدولة

ثانيا: الاعمال التي تجعل الأرض الموات صالحة للاستغلال

الفقرة الثانية: التنزيل العملي لأحكام المادة 222 من مدونة الحقوق العينية

أولا: بعض الاشكالات التي يثيرها النزيل العملي للمادة 222

ثانيا: تعارض الأحكام المنظمة للإحياء مع المقتضيات المؤطرة للحيازة الإستحقاقية

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

– أحمد العطاري، المساطر الخاصة للتحفيظ العقاري، الجزء الأول، مجلة القضاء المدني، العدد 10، مارس 2015، ص 23[1]

– المرجع السابق، ص 20[2]

3- القانون رقم: 38.08 المتعلق بمدونة الحقوق العينية الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم: 1-11-178 بتاريخ 22 نونبر 2011 المنشور بالجريدة الرسمية رقم 5998 بتاريخ 24 نونبر 2011.

أخرجه الامام أحمد في مسنده، كما أخرجه الإمام البخاري في صحيحه كتاب المزارعة، حديث رقم565، ج3، ص222[4]

2-  ينظر أبا عبد الله محمد الأنصاري: شرح الحدود “حدود الامام ابن عرفة”، المطبعة التونسية، تونس، الطبعة الاولى، 1350ه، ص 408. اوردته  فاطمة الزهراء علاوي، إحياء الأرض الموات على ضوء القواعد الفقهية والقانون الجديد لمدونة الحقوق العينية، مجلة الحقوق”الأنظمة والمنازعات العقارية”، الإصدار السابع، فبراير 2017، ص 32.

– محمد جواد السهلاني: اليد في الفقه الاسلامي سبب للملكية ودليل عليها، دار الزهراء للطباعة والنشر، بيروت/لبنان، الطبعة الاولى  [6]

1410ه ، ص 165، اوردته فاطمة الزهراء العلاوي، إحياء الأرض الموات على ضوء القواعد الفقهية والقانون الجديد لمدونة الحقوق العينية، ص 32.

 

محمد ابن معجوز: الحقوق العينية في الفقه المالكي، دار الباحث العربي، فاس، 1990، الطبعة الأولى.، ص311[7]

 المرجع السابق، ص310[8]

 المرجع السابق، ص 311[9]

 المرجع السابق، ص 311 [10]

                 عبد الكريم شهبون، الشافي في شرح مدونة الحقوق العينية، توزيع مكتبة الرشاد، سطات، 2015، الطبعة الأولى، ص 408[11]

[12]  ابو عبد الله محمد الانصاري، شرح الحدود “حدود الامام ابن عرفة”، م.س، ص 34

[13] جمال الدين الحنفي الزيعلي: نصيب الراية لاحاديث الهداية، ج4، ص 290. اوردته فاطمة الزهراء العلاوي، م.س، ص 35.

 

 

[14]  فاطمة الزهراء علاوي، إحياء الأرض الموات على ضوء القواعد الفقهية والقانون الجديد لمدونة الحقوق العينية، مجلة الحقوق”الأنظمة والمنازعات العقارية”، الإصدار السابع، فبراير 2017، ص 35

محمد عليش،  شرح منح الجليل على مختصر خليل، مكتبة النجاح، طرابلس ليبيا، ج4، ص12. اوردته  فاطمة الزهراء العلاوي، م س، ص38.[15]

 

[16] علي بن محمد البصري البغدادي (الماوردي)، الاحكام السلطانية والولايات الدينية، مطبعة البابي الحلبي، مصر، الطبعة الاولى 1380ه، ص 177، اوردته فاطمة الزهراء العلاوي، م س، ص 38.

 فاطمة الزهراء علاوي، م س، ص 38.[17]

 أبي بكر الكساني، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، اوردته فاطمة الزهراء العلاوي، م س، ص 39. [18]

 عبد الكريم شهبون، م.س، ص44[19]

 محمد خيري، العقار وقضايا التحفيظ العقاري في التشريع المغربي، دار نشر المعرفة، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط، 2014،  ص 77 [20]

 المرجع السابق، ص 78[21]

 محمد ابن معجوز، م.س، ص 311[22]

 عبد الكريم شهبون، م س، ص406[23]

 المرجع السابق، ص 405 و 406[24]

 المرجع السابق، ص 406 [25]

[26]   زكرياء خليل: الأراضي الموات بين النص القانوني والتنزيل العملي، منشورات كلية الحقوق مراكش “مدونة الحقوق العينية بين الواقع والمأمول”، العدد 58، سنة 2019، ص207

 [27] المرجع السابق، ص 207

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: