أقدار التاريخ : عبد الصمد نيت أكني
أقدار التاريخ : عبد الصمد نيت أكني

أقدار التاريخ
إنجاز: عبد الصمد نيت أكني
بسم الله الرحمان الرحيم، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد، وعلى ٱله، وصحبه أجمعين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فقدر التاريخ تعبير أعني به ما هو ثابت في حقل دراسة الإنسان عبر الزمن مما لا يمكن رفعه بقول مناقض رغم قوته، وإنما سيستمر ثابت التنوع في هذا الحقل، حقلِ أقدم ”علم“ إنساني. إنه -باختصار- الحقل الذي يتسع لأكثر من مذهب في الموضوع الواحد، وتجتمع فيه المتناقضات والمختلفات، غير أن محترفيه يُسمع لكلامهم، ويقرأ لهم بعناية زائدة.
وما أسميته أقدارا مجرد خواطر، لا أدعي المعرفية فيها، ولا الحكمة، وفصل الخطاب. ولا أظن أني أتيت بجديد، وإنما جمعت ما قيل في الموضوع، وعبّرت عن ذلك مع زيادات من هنا وهناك، دون إبداء رأي إلا في بعض المسائل، والقصد الإفادة. ولستُ هنا في مقام البحث العلمي وأدبياته. وفي هذه الخواطر المعبَّر عنها بعض تجريد يسهل على المشتغل بالتاريخ استحضار المثال المقصود والمناسب. ولا أدعو إلى العدمية، وإنما أصف ما يقع في هذا الحقل؛ فكل طائفة تنصر رأيا، وأنا أحكي بعض هذه الآراء وفلسفتها مما له تعلق بالمقصود. ويحسن بالقارئ تجنب سذاجة تأويل المكتوب، وشيطنة الكاتب. وإن وجدتَ ما لا يسرك، فنب عني في وضع الاحتراس البلاغي؛ لتخليص الكلام منه.
فأقول وبالله أستعين:
- القدر الأول: تقول ويقولون
تاريخ كل مرحلة زمنية لا بد أن تجد فيه ما يسرك وما يحزنك؛ لأنك تتلقى أخبار من لا عصمة له ما عدا الأنبياء. ومتلقي هذه الأخبار بحسب ما إليه يميل، فقد يحزنك ما يسره، وقد يسره ما يحزنك؛ ولذلك تباينت أحكام كل قارئ تباينا جذريا، فقتلُ قوم جهاد عند بعض وإرهاب عند الٱخر، ودخولُ بلد فتح عند بعض وغزو عند الٱخر، واستعمار عند قوم واستدمار عند الٱخر، وإنقاذ عند بعض واغتصاب عند الٱخر، ودفاعُ قوم نخوة وإباءة ضيم عند بعض وعناد عند الٱخر.
هكذا هي أحوال القراء في حقل التاريخ، تحكمهم ثنائيات متضادة ومنسجمة مع نزعاتهم.
ومن الطبعي في هذا الحقل أن تجد من يداري الحقائق إذا تعارضت مع مذهبه، ويسعى إلى إظهار محاسن مرحلة زمنية وتغييب مساوئها أو العكس؛ لحاجة في نفس قارئ، وندر الإنصاف في هذا الميدان، أو قل: صعب؛ لعسر الظفر بالحقيقة الكاملة، وإعادة تركيب المشهد كما كان. فما زال القراء يرد بعضهم على بعض بغطاء الإنصاف والتجرد وهم في ذلك مختلفون، فمنهم الصدوق الأمين الذي هو كذوب خؤون في نظر غيره؛ لاختلاف المنهج، والغاية، والرؤية.
وقد شاءت الأقدار الإلهية أن يكون هذا الحقل المهم محز خلف ومحل جدل كبيرين لم تستطع -في نظري- المدارس الإستوغرافية رفع ذلك، رغم التجديد النظري، والاجتهاد العملي، منذ سنوات خلت إلى يومنا هذا.
قدر التاريخ: تقول ويقولون.
- القدر الثاني: حمول ذلول ذو وجوه
من حسنت دراسته للإنسان في الزمان البعيد والقريب وما يعرض له من أحوال، وسلك أقرب المناهج للإنصاف، فقد أنقذ نفسه من الانحراف عن جادة الاعتدال؛ إذ قَدَرُ التاريخ كقدر العلوم الشرعية، من ساء سبيله في تلقي العلم الشرعي ودراسته ألفيته معوجا في تفكيره؛ فيحكم على الأغيار بأثقل الأحكام دون تريث؛ من تكفير، وتفسيق، وتبديع، وتضليل…، مختزلا الشرع كله في هذا؛ ويمتثل لأحكام الدين على نحو مبالغ فيه، موهما نفسه أنه محسن في صنعه وهو مسيء في تأويله للنصوص الشرعية، واستثمارها، فكذلك في التاريخ؛ كأن ينتهي الأمر بالمشتغل فيه إلى حد تأسيس منهج النظر على الوهم والهوى؛ فتضطرب أحكامه، وتتناقض ولا تتناسق؛ فيكون -مثلا- البريء متهما بالخيانة أو الاستبداد أو التزييف أو التٱمر والتواطؤ أو خدمة السلطة أو التوق إلى المناصب أو يحمل البريء مسؤولية نتيجة كارثية، ويكون العرق موجبا لطبائع محددة ومطردة، ويُنفى الموجود ويثبت المنفي، ويوجز جيل في حكم غير دقيق، وغيرها من الٱراء التي قد تزينها الأهواء للنفوس؛ فيحسب صاحبها أنه مجدد والحال أنه مبدد، أو أنه حسن النية في البحث والحال أنه متخيل أو مدلس أو مُهَوَّس، أو أنه كاشف عن الحق والحال أنه متجاوز له أو ساتر. ويُعرَف ذلك بأدنى نظر في بنية عمل من كان هذا حاله؛ إذ لا تخفى لغة العلم ومنهجه على ذي النظر السليم في حقل التاريخ، ولا يخونه حدسه القوي وفراسته في الكشف عن معايب العمل، ودسائسه.
قدر التاريخ أنه حمول ذلول ذو وجوه كالنصوص الشرعية؛ لكن لا يخفى على المؤرخ وعالم الشرع ما كان مألوفا في العلم وما كان ممجوجا فيه وغير مستساغ، فمن احتمى بنزهاء الصناعتين نجا من أوهام المخلّط ومكايد المزيّف. وذو الإنصاف يشك في الأعمال ما لم تثبت بالعلم ويرتضيها خبراؤه قبل الاحتفاء بها، ولله در علماء التاريخ حين قالوا: «شك المؤرخ رائد حكمته»، وليقس على ذلك متلقي كل عمل في التاريخ أو الشرع.
- القدر الثالث: موقع بين الإنصاف والأهواء
من أقدار التاريخ أن موقعه بين الإنصاف والأهواء؛ فما كان إنصافا عند مؤرخ قد يكون هوى عند مخالفه، وكعكسه تأكد.
وسبب النزاع اختلاف المؤرخين في تحديد وظيفة المؤرخ.
فهناك من يحكي الواقع كما حدث ويسترجعه دون تدخل بالتأويل ولا بالتأمل الفلسفي ولا بالتقويم والتنظير؛ لأنه ميل وهوى، ولا ترجى منه فائدة؛ مثل: الاتهام، والتنديد، والتقريظ، والتنويه، والتأسف، والتعاطف، والحدس… وأصحابُ هذا الرأي لا يرون للإنصاف بابا إلا هذا. وهم أهل الوثيقة المكتوبة ولا شيء غيرها؛ لأن في تحليلها كفاية لبيان الواقع التاريخي، والواقع مستقل عن عقل المؤرخ، وهذا أشف ما استدلوا به. ومفهوم الوثيقة عندهم ضيق. ومنهجهم صارم، وهو أشبه بعمل القاضي. وأصنامهم ثلاثة: الفرد، والسياسة، والسرد التسلسلي للأحداث. اهتموا كثيرا بتاريخ الوقائع، والمؤسسة، والدولة، أكثر من اهتمامهم بالتاريخ الاجتماعي والاقتصادي (التاريخ من أعلى). والزمن الذي يشتغلون به قصير وسريع (الزمن السياسي). ويستعينون بعلوم اللغة، وعلم الخطوط… وهم متأثرون بالطبيعيات والعلموية. ويؤمنون بالفصل بين علوم الروح بعضها عن بعض. ولغتهم -في نظرهم- علمية محايدة باردة لا أدب فيها؛ لأنهم يعدون التاريخ علما خالصا. وانتُقدوا بأنهم يهتمون بتاريخ ميت وعقيم، ومقطع إلى محطات، وأنهم يؤولون ولا يشعرون، وأنهم لا يجمعون بين دراسة الأموات ودراسة الأحياء، ولا يقارنون بين الماضي والحاضر؛ لأن التاريخ -كما قال الٱخر- «علم دراسة التحولات»، وأنهم سووا بين الظاهرة الإنسانية والظاهرة الطبيعية، وأنهم وقعوا في القومية الشوفينية.
وهناك من يؤول بالاستشكال، والمقارنة، والتركيب، أو ما سماه بعضهم بالتدخل النشيط. وبتأويل المؤرخ للظواهر الاجتماعية والاقتصادية يصير التاريخ -عند دوركهايم- فرعا من علم الاجتماع. وبالتأويلات يعطى للتاريخ معنى، وتنمّى المعرفة التاريخية؛ لأن كل مؤرخ ينصر تأويله، وينقد تأويلات غيره بالتصحيح، والتوجيه، والتدقيق، والحقُّ متفرق بين هذه التأويلات. وأصحاب هذا الرأي يدّعون أن للإنصاف ألوانا، بعضها أنسب من بعض، مع صعوبة انفكاك عقل المؤرخ عن الواقع؛ أي: عقل الإنسان الدارس لماضي الإنسان المدروس؛ لأنه محكوم بهياكل قبلية في عقله تؤثر في إدراكه للواقع، وأساس هذا القول ذلك المذهب القائل بأن الواقع ما هو إلا تصوراتنا الذهنية عنه، ولا يلزم منها أن تكون مطابقة للواقع، خلافا للواقعيين التجريبيين، ورأيهم هذا جاء في سياق ظهور نظرية النسبية. وغرضهم الاقتراب من الحقيقة التاريخية الجزئية ما أمكن. وهم أهل تفكير، ودعوة إلى تاريخ جديد كامل شامل مقارن غير حدثي، وأهل نقد للوثيقة بذهنية أوسع، مع توسيع مفهومها، لتشمل المكتوب وغيره؛ ككتب الأدب، والكلام، والفقه، والنوازل، وكالٱثار، والمعتقدات، والمشاعر، والطبائع، والأمثال الشعبية، والرواية الشفوية، والطقوس الاحتفالية، والجنائزية، والطبونيميا، وشواهد القبور، والنقوش، والرسوم الصخرية، ومظاهر السحر، والمطبخ، واللباس… وأما المفهوم الضيق للوثيقة عندهم، فإنه يفضي بالمؤرخ إلى بتر الحقائق، وتجاوز معلومات موجودة في مصادر أخرى قد تكون هي صانعة التاريخ حقيقة، كما اتهموا الوثيقة الملموسة بعدم البراءة من تصورات الكاتب، ورؤيته السردية، وانفعالاته، وميولاته، والخضوع للظروف القاهرة، أو عدم تمتعه بحواس سليمة، وعقل صحيح، وشروط المشاهدة العلمية. وهم لا يقدسون الوثيقة، ولا يعتقدون أن الواقعة في الوثيقة هي الحقيقة التاريخية؛ أي -كما تقدم-: لهم مذهب في الوثيقة، وفي الموضوعية. وكل شيء -عندهم- يمكن أن يتحول إلى وثيقة لدراسة أية مسألة. وأصنامهم: البنيات العميقة والخفية والمستترة؛ كالمجتمع، والاقتصاد، والعقليات والذهنيات، وغيرها. وقد انتقلوا بالبحث التاريخي من الفرد إلى الجماعة، ومن السياسة إلى الثقافة (التاريخ من أسفل). واعتنوا بشخصية المؤرخ. وأطلقوا على تاريخ الوضعانيين التاريخ الحدثي السطحي، أو التاريخ- المعركة، أو تاريخ الكر والفر، أو تاريخ حوادث الطريق. ومع ذلك فقد أعادوا الاعتبار للتاريخ السياسي مع إخضاعه لمنهجهم. وينظرون إلى التاريخ نظرا مختلفا؛ وهو إعادة بناء الماضي وليس مجرد الإحياء. والزمن الذي يشتغلون به طويل وبطيء (الزمن الاجتماعي-الثقافي). ويستعينون بمختلِف العلوم الإنسانية والاجتماعية بمثابة علوم مساعدة ومتكاملة؛ كعلم الاجتماع، وعلم الاقتصاد، والجغرافيا، وعلم النفس الاجتماعي، والتحليل النفسي، والعلوم السياسية، والقانون العام، واللسانيات، والدلالات، والسيميائيات، والإثنوغرافيا… وهم متأثرون بالتيارات الفكرية الكبرى. وانتُقدوا بأن منهجهم مفض -في نظر فرانسوا دوس- إلى تفتيت التاريخ وعزلة أعماله، وأنه أقرب إلى الذاتية؛ وذلك حينما اتهموا الوضعانيين بأنهم انشغلوا بالمضطهِد، وتركوا المضطهَد، وهو حكم فيه شبهة تعميم، وهذا المضطهَد عبّروا عنه كذلك بأوصاف تستبطن موقفا واضحا؛ كالمهمشين، والمعدمين، والمغيبين، والعاديين، والكادحين، والمنسيين، والمغلوبين، والمنبوذين، والأصوات الصغيرة، والتابع. والقول الأخير ليس اعتراضا؛ لأن منهج القوم تأويلي تأملي. واللافت للنظر أن كتابات أصحاب هذا المنهج استعملت فيها مفاهيم ماركسية وإن كانوا غير ملتزمين بها؛ كمارك بلوخ، وبروديل، وجورج دوبي. وانتقدوا كذلك في استعمالهم للشمولي والكلي في زمن تشكيك إنسان ما بعد الحداثة في السرديات الكبرى؛ كالوضعية، وفلسفة الأنوار، والهيغلية، والماركسية…
والفرق الدقيق بينهما؛ أن الرأي الأول يحكي ما حدث ويراه (الحقيقة تعطى= الوضعانيون المنهجيون)، وأن الرأي الأخير يفهم ما حدث ويتخيله (الحقيقة تبنى= الحولياتيون)، وقد فُرّق بينهما كذلك بفرق يصعب تعميمه؛ كقولهم: الوضعانيون يذكرون الحقيقة كما هي، والحولياتيون يذكرون الحقيقة كما يجب أن تكون.
ومهما يكن، فإن سلوك أي رأي من الرأيين لا يعني أن صاحبه سيسلم من النقد؛ فكلاهما محجوج بنقصان الحقيقة؛ إذ المؤرخ لا يدرس إلا بقايا الماضي، لا كل الماضي، ومعلوم أن الإنسان يعيش في زمنه الراهن ولا يدرك منه إلا القليل، وإن أدركه قد لا يفهم وجه الصواب منه، فما بالك بالماضي خاصة البعيد؛ كأخبار إنسان ما قبل التاريخ. كما أنهما متهمان بالإيديولوجيا، والأبولوجيا؛ إذ كل مذهب يرى في منهجه الإستوغرافي أنه يلبي مصالحه وانتظاراته عند اقتصاره على دراسة التاريخ من أعلى (إيديولوجيا النخب مثلا) أو دراسة التاريخ من تحت (إيديولوجيا الجماهير مثلا)، كما أن كل مذهب يسوّغ فلسفته الإستوغرافية، رغم ضعف أسس اشتغالها في نظر الٱخر.
واعلم أن هناك وظائف أخرى للمؤرخ في غير المدرستين المذكورتين، كمن يقصر وظيفته على البحث عن مقاصد الله -سبحانه- في الأحداث التاريخية (مذهب الإرادة الإلهية)، أو على صوغ اتجاه التاريخ؛ كانتصار الحرية، واللاطبقية، والرأسمالية، والكمال الإنساني، الديمقراطية السياسية، والعلم التجريبي… (مذهب الغائية)، أو على تفسير عقلاني للماضي، والنظر في مصائر الجنس البشري (العقلانيون)، أو على البحث عن هوية الأمة، وروحها التاريخية (الرومنطيقيون)، أو على تفسير ماضي الجنس البشري وَفق طبيعة بشرية واحدة (الفرويديون)…
قدر التاريخ: تعدد مناهج الوصول إلى المعرفة التاريخية المنزهة عن نزعات الذات؛ من هوى؛ كالتمجيد، أو التبخيس، أو التضخيم، أو الشيطنة، أو التزام الصمت، أو الانتقاء، أو التعميم، وغيرها كثير بثير.
- القدر الرابع: علم وأدب
إذا كنت في منهجك مؤولا للواقع التاريخي فلا مفر من الميل إلى قول، وترك قول ٱخر قد يضاده. وينبغي أن تعتاد التجريح بعد اختيارك لهذا المنهج؛ كأن توصف بأضداد المعرفة؛ كالإيديولوجيا، والأبولوجيا، والخرافة، وغيرها من مفردات ذلك المعجم المشهور المألوف. وكما لا يسلم المؤرخ الكاتب من هذا المعجم، فكذلك صانع الحدث، وقارئ التاريخ.
ومن نتائج هذا المنهج أنه يفتح نقاشا جديدا يعاد النظر فيما قيل عن واقع من تأويلات واحتمالات؛ فهي اجتهاد، واجتهاد في اجتهاد، وهكذا.
ومن نتائجه كذلك أنه يتجاوز معجم التجريح إلى تشريح الاجتهاد، وتفكيك بنيته، وتقويمه تقويما شموليا -كما يحسبه صاحبه- تستثمر فيه مختلف العلوم والفنون. والتجريح أول البحث، وليس نهايته.
ولا يغرنك تصريح المؤرخ المؤول بقصد إنصاف الطبيعيات في بحثه، فالتأويل مع الإنصاف المطلق في هذا الميدان صعب. فكما جُرّج أصحاب النزعة الاستعمارية في كتابة جزء من تاريخ المغرب، جُرح كذلك أصحاب النزعة الوطنية، وكلٌّ يتهم الٱخر بعدم براءة تأويله. فالدفاع غضب وعناد وكراهة، والأخلاق سذاجة وتعصب، والاحتلال ظاهرة إيجابية أو ظاهرة سلبية، والثائر متمرد أو حر أو مصلح أو بطل تقدمي سيزيفي أو غاز سفاح أو ساحر أو مهدي منتظر، والتغير والتحول عناية إلهية أو صدفة واتفاق أو حتمية، والناظر إلى واقع نظرة ميتروبولية غير الذي ينظر إليه نظرة تقليدية قبلية، ومفسر التاريخ تفسيرا دينيا غير الذي يفسره تفسيرا ماديا أو قوميا أو عقلانيا أو بطوليا يظهر البطل الملهم في صورة صانع التاريخ ومحركه، والشر في نظر مؤرخ البروتستانت غيره في نظر مؤرخ الكاثوليك…
المؤرخ المؤول ذو انتماء قطري وزمني، وهما مؤثران في التأويل. وكان يتمنى فرانسوا فنلون ألا يكون المؤرخ منتميا لأي بلد أو زمن، ولكن هيهات هيهات أن يستقل المؤرخ بنفسه عن ذلك، رغم محاولته وضع مسافة كافية بينه وبين الواقع التاريخي؛ لأنه -كما قيل-: «يكره القرب من الأحداث».
أصاب ريكور حين عدّ التاريخ «ابستمولوجية مختلطة» بخطاب علمي وخطاب أدبي، وهذا من أقداره.
- القدر الخامس: مهنة ثقيلة وصعبة ولذيذة
من أقدار التاريخ أن مهنة المؤرخ ثقيلة، وصعبة، إلا أنها لذيذة.
- ثقل المهنة
فأما ثقلها؛ فلأن المؤرخ نائب عن العامي في إحياء بقايا الماضي ومخلفاته، وصونها من النسيان والضياع، وفي النظر فيها، وفق منهج اختلف أهل الصناعة فيه، فأنت هو ماضيك، وبعض نزاعات الحاضر إنما منشؤها الماضي، وبعضها يراد منها إشباع لذة الانتقام. والسعيُ إلى إحياء الماضي أو إعادة بناءه على قدر المستطاع منية المؤرخ، ويسخّر ما عنده من عدة منهجية لذلك. المؤرخ -كما قال العروي-: «حافظ ناظر».
ثم إنه ينير قلب العامي بتفسيره للماضي البعيد، مع تحفظه الواضح من تفسير الماضي القريب؛ لعدم اختمار مادته، أو قلة المادة؛ لأسباب؛ ولتعلقه -أحيانا- بالقضاء؛ ولعدم وجود مسافة نقدية ضامنة للإنصاف. وأنت خبير بأن التفسير ثقيل، ومع ذلك لا بد منه؛ لأن النفس ميّالة إلى ذلك، ومن أولى الناس به -عند القائل بالتأويل- المؤرخ؛ لتمكنه من حرفته.
ثم إنه -في نظر مارك بلوخ- لا يدرس الماضي البشري فحسب؛ بل يدرس البشر في الزمن.
ثم إنه في بعض المناهج يجد نفسه مضطرا إلى الحكم على الماضي بالاتهام، والتنديد، والتبرئة، والعدل والظلم، والتصنيف المذهبي والاجتماعي، وإثبات التأثر والتأثير، والقلة والكثرة، والحركة والجمود، والقوة والضعف، وغيرها من الأحكام ذات الوزن الثقيل.
- صعوبة المهنة
وأما صعوبتها؛ فلأنها معرفة غير مباشرة؛ أي: تدرس الٱثار المتروكة، ولا تلاحظ الوقائع حين تتحدث؛ لذلك فهي ليست علم ملاحظة ومشاهدة، وإنما هي -في نظر لانقلوا وسينوبوس- «علم إعمال العقل»، ومن هنا اختلف الخبر التاريخي عن الخبر النبوي المنقول بالسند.
ثم لتعلقها بوجود المصادر، ثم إن وجدت -المكتوبة منها مثلا- فلا بد من تحقيقها، ثم إن حققت فلا بد من وتحليل خطابها، وتعليل بعدها عن الخطأ والتحريف، وإتقان منهجية استنطاقها، وحسن النظر فيها بنقدها نقدا أدنى وأعلى وداخليا وخارجيا، ثم إذا استنطقت تُؤُمِّل في ذلك؛ للربط بينها وللتأليف بلا اعتساف، مع رعي السند إن وجد، والعادة، والعقل وفكر النفوس (الممكن والممتنع)، وقياس الغائب على الحاضر، وطبائع العمران، وعلوم الروح؛ توليدا للأفكار، ثم يحكي كل ذلك ويسرده عند بعض، وعند ٱخرين تستنطق المصادر، وتسرد النتائج، دون توسع في النظر والقياس، «مختبئين -في نظر غيرهم- خلف النصوص»، ومستدلين بأن في الوثيقة من المعلومات ما يغني عن تدخل المؤرخ بتأويلاته وافتراضاته.
ومهما يكن، فإنهما متفقان على التقميش والتفتيش، وإنما الخلف في المعنى الذي يعطيه كل منهج لذلك. وكلا المنهجين متعب ومضن.
فأصحاب المنهج الأول يبدؤون من حيث ينتهي أصحاب المنهج الأخير. يؤلفون، ويتوسعون، ويطرحون الأسئلة على المصادر، ويبحثون في المسكوت عنه، ويملؤون الفراغات.
ومثال ذلك، أن الأول يبحث في جذور دعوة المهدي بن تومرت، متوسعا فيما صرحت به عبارة المصادر من أنه تأثر بعلم الحدثان، والجفر، والجامعة، متسائلا عن ظروف هذا التأثر ومصدره، أو أن يبحث عن صحة ما في بعض المصادر أنه التقى بأبي حامد الغزالي.
ومثال ٱخر، أن يفهم الأول انتشار الفكر الصوفي من جهة اقتصادية؛ كربطه بانتشار الفقر، مقارنة مع نظرية كفاية الفقهاء. أو أن يفهمه من زاوية نفسية؛ كأن يفهم سبب لجوء العامة إلى التصوف بالفرار من قسوة الحياة اليومية ومجابهتها؛ وكأن يفهم اعتقاده بكرامات الأولياء بعجز صاحبه عن وضع حل لحاجته ومشكلاته من العقل والواقع. هذا اللجوء والاعتقاد هو موقف من الحياة المعيشة، أو أن يحاول فهم وجود الفكر الصوفي في واقع ماض من زاوية سياسية؛ كأن ينظر في علاقة الصوفي بسلطة الفقهاء.
ومثال ٱخر، أن يفهم الأول الأخلاق الدينية لقوم فهما اقتصاديا؛ كالأخلاق البروتستانتية الكالفينية والأخلاق الكاثوليكية؛ أو أن يفهم ثقافة الأمم عموما فهما اقتصاديا؛ لتقويم أثرها في الاقتصاد إيجابا أو سلبا.
ومثال ٱخر، أن يفهم الأول ضعف بناء الأساطيل المغربية والاهتمام بالمجال البحري في فترة ماضية بخوف المغاربة من البحر، وهي ثقافة كانت سائدة في المخيال الشعبي.
ومثال ٱخر، أن يحاول الأول فهم غياب اسم الحلاج (ت309هـ) في «تعرف» الكلاباذي (ت380هـ)، مع أنه ذكر بعض شيوخه؛ كالجنيد (ت298هـ)، ومع شهرته وتأثيره، بافتراضات كثيرة؛ منها ما هو سياسي، ومنها ما هو اجتماعي وثقافي، هذا مع وجود احتمال بأن يكون هو المقصود من قول الكلاباذي -كثيرا- في تعرفه: «وقال بعض الكبراء».
ومثال ٱخر أن يذهب الأول بنظره إلى افتراض لا تجيب عنه الوثائق المكتوبة وغيرها، وهو وجود اتصال بين عبد الواحد المراكشي (ت647هـ) وابن الأثير (ت630هـ)؛ لأن المراكشي صاحب «المعجب» ألف كتابه هذا ببغداد، وابن الأثير نقل تفاصيل أخبار الموحدين في «كامله» الذي ألفه بالموصل، ومرة قال: «سمعت جماعة من فضلاء المغاربة»؛ فيحتمل عند أصحاب المنهج الأول أن ابن الأثير يريد من ضمن الجماعة المراكشي، وأنه التقى به؛ فسمع منه أخبار الموحدين. وهذا المنهج هو الذي عبر عنه أحدهم بقوله: «لا تاريخ دون أسئلة» أو «التماهي والتقمص»؛ أي: أن المؤرخ غير منفصل عن التاريخ، فهو يعلل، ويقارن بين الماضي والحاضر، ويحاكم، ويحاور، ويبحث عن العلاقات، ويسد الثغرات، ويملأ الفراغات. وأما أصحاب: «لا تاريخ دون وثيقة»، فلا يلتفتون إلا إلى الأسئلة التي تعززها الوثيقة؛ وغير ذلك زيادات على النص، وانتقال من التاريخ إلى ٱراء المؤرخ.
ثم لأنها تستلزم من المؤرخ الاطلاع على مختلِف العلوم المساعدة، كلغة العصر المدروس (الفيلولوجيا)، وعلم الخطوط (الباليوغرافيا)؛ لاكتشاف تاريخ المصدر الحقيقي أو التقريبي، ومكان كتابته أو نسخه، وصاحبه الذي قد يكون مجهولا، وعلوم الحديث عند المسلمين التي تضبط أحوال الخبر سندا ومتنا؛ كعلم المصطلح، وعلم الرجال، وعلم العلل، وعلم الوثائق (الديبلوماتيك) الذي يعين على التمييز بين الوثيقة الأصلية والمزيفة بدراسة شكلها، وعلم الكيمياء للتأكد من عمر الوثيقة، وعلم الأختام والطوابع الدال على أصالة الوثيقة وعلى بعض من ثقافة ذلك الزمن، وعلم الرنوك الذي يدرس الشعارات والعلامات المعبرة عن هوية الدولة، وعلم النميات (المسكوكات) الذي يفيد في معرفة رموز الدولة، وسيادتها، وألقابها، وعلم الهيرمينوطيقا الذي يفيد في تأويل النصوص بمناهج مختلفة، إضافة إلى علم الاجتماع، وعلم الاقتصاد، وعلم النفس الاجتماعي، وعلم التحليل النفسي، وعلم الدلالة، وعلم الألسنية، والجيولوجيا، والأنثروبولوجيا، والجغرافيا، وغيرها من العلوم التي يصار إليها بحسب نوع المنهج المسلوك.
صدق من وصف علم التاريخ بأنه علم مفترس وإمبريالي، وغول يريد التهام كل شيء؛ لأن المؤرخ يظهر بأشكال، فيلسوف، أو أديب، أو عالم اجتماع، أو أنثروبولوجي، أو عالم نفس، أو عالم مستقبلي، أو صحافي، أو ديمغرافي…
ثم لأنها -في بعض المدارس- تلزم المؤرخ بمعرفة كل التفاصيل؛ لإدراك حقيقة البنيان الاجتماعي، وليس ذلك بالأمر الهين.
- لذة المهنة
وأما لذتها؛ فلأنها تبصر القارئ بجملة من قوانين السياسة، وأخبار النخب، وأحوال الدهماء، وطبائعهم، وٱرائهم، وكل ما ينتحلونه من المعاش، والعلوم، والصنائع، وتفهم الذات، وتصحح مغالط الناس، وترفع شبهاتهم وأوهامهم، وتضعه أمام أخطاء من سلف؛ للتحرر من سلوك طريقها، خلافا لنقولا زيادة وغيره الذين نفوا عن التاريخ أصل العبرة والاعتبار، وتسلي، وتنصف من ظلمه دهره ونبذه، وتؤرخ لمن لا تاريخ لهم، وتثبت الحق ليسترجع، وترشد إلى القرار الصائب، وتقدم ما يصلح للاقتداء به، وتنمي العقول؛ فيصير القارئ -كما قال السخاوي-: «مجربا غير غر ولا غمر» باطلاعه على خلاصة تجارب السابقين، وتثبت الأفئدة، وتصوغ الهويات، وغير ذلك. غير أن بول فاليريه له نظر ٱخر في التاريخ، من جهة أثره النفسي السلبي في القراء؛ إذ «يشحنهم بهذيان العظمة أو هذيان الاضطهاد».
قُدّر على التاريخ أن يكون هكذا، وقدرُه خير في خير، ولله في العلوم حِكم وشؤون.
- القدر السادس: الحاضر موقف من الماضي
لنعيش حاضرنا لا بد من اتخاذ موقف ما من الماضي؛ فالمؤرخ -في نظر المؤولة- وسيط بين الماضي والحاضر. يعرض بقايا الماضي، ويفهمها، وينقدها؛ لصالح حاضره، ومستقبله؛ إذ هي سلعة ثمينة يعرضها المؤرخ على أهل الحاضر للبيع، وبحسب المشترى يكون التقدم والازدهار. والموقف المتخذ إما أن يكون استمرارا، وإما أن يكون تجاوزا، وإما أن يكون مركبا منهما. ويرى ذلك المؤرخ في هذا الزمان -مثلا- في التشريعات، والسياسات، والاقتصاد، والحركة الفكرية، والنماذج المعرفية، والعمران، وحياة المجتمع، والرؤى بعيدة المدى، وغير ذلك مما هو من ثمرات الموقف المتخذ من بقايا الماضي.
في التاريخ تجارب تشبع حاجات الحاضر، إذا أحسن المؤرخ النظر فيه؛ لأن الإنسان قد عاش على هذه الأرض زمنا طويلا جرّب فيها الكثير مما يمكن التفكير فيه في كل فترة مما قد عُلم مصيره؛ ولأن «المعضلات التي واجه بنو الإنسان حلها هي في أساسها واحدة» كما يذكر جورج سارتون، والمؤرخ معتبر بما مضى، ومخبر لأهل زمانه بتأويله. وما زال الجنس البشري يجرب، والحاضر قاض بالثالوث السابق (استمرار – تجاوز – مركب منهما)، وقضاؤه تجربة ستصير ماضيا جديدا، وهذا من أقداره.
ما أثقل حرفة المؤرخ، يعيش في أزمنة متعددة مهتما ومتهمما ومهموما، ويرى الٱني والٱتي ماضيين مؤجلين، طولب بالنظر فيهما هو وبعض علماء الروح.
دعني أكن مبالغا فأقول: المؤرخ مهدي كل زمان ومخلّصه !
- القدر السابع: فلسفاته
تعددت تفسيرات وقائع الماضي وتباينت؛ لاختلاف النموذج المعرفي للناظر الذي به يفهم، ويقوّم. ومن أسباب هذا التعدد والتباين اختلافهم في مسألة: هل الإنسان يصنع التاريخ أم أنه سلبي؟
وكل ذي نموذج معرفي أجاب بما يقتضيه نموذجه؛ كالعناية الإلهية أو المشيئة أو الإرادة، والقوى الغيبية (الكرامة والدعاء)، والروح المطلق، والجبرية، والقدرية، والحتمية أو الغائية الواحدة، والمكر الهيغلي، والصدفة أو المصادفة أو الاتفاق، والمناورة أو المؤامرة، والحظ، والخلاص، والتحدي والاستجابة، والواقعية، وغيرها من الأجوبة التي إما أن تثبت أن للإنسان عقلا، وإرادة، وحرية، وإما أن تنفي ذلك كله، وإما أن تقيده.
ومن ثمرات سلوك هذه المذاهب النظر إلى الزمن التاريخي إما نظرة غيبية تفسر التاريخ بتدخل غيبي، وإما نظرة دنيوية تفسر التاريخ بقوانين الاجتماع البشري المكتشفة، وتعوض الله بجملة من المفاهيم السابقة. وكذلك ثمرة النظر إلى التقدم بين الخط التصاعدي والخط الدائري، وثمرة النظر إلى مسألة السيطرة على مسار التاريخ، وثمرة تبرير الفعل السياسي، وغيرها منالثمرات.
من أقدار التاريخ فلسفاته.
- القدر الثامن: مرجعية من لا مرجعية له في حاضره
سعت بعض المذاهب المعاصرة إلى تسويغ ذهنيتها بأصل تاريخي، تتمسك به، وتتوق إلى مثله، وإن كان ذا وضع خاص في نظر الجمهور والنخب؛ وهذا الأصل غالبا ما يكون تجربة تاريخية سياسية، نُظر إليها نظرة مثالية، ويحاول مذهب ما استرجاعها في الأذهان، والواقع.
ومن أزماتهم -أقصد في أمور السياسة- أنهم لا يفرقون بين الواقع والمثال، ولا يتأثرون بحركة التاريخ؛ فهم بالوصف الأنثروبولوجي «كائنات غير تاريخية»، لا تتغير في بنية التفكير، ولا تتأثر بتحولات الواقع وجديده. إنهم يخلطون بين الأزمنة، وأساؤوا فهم حقل تدبير الشأن العام.
التاريخ في نظرهم ساكن وجامد، منذ ظهور ذلك الأصل التاريخي الذهبي، وكل محاولة لتحريك مسار التاريخ ستفشل أمام المثال المقدس، بوصفه نهاية التاريخ.
التاريخ قد يكون مرجعية لمن لا مرجعية له في حاضره، وهذا من أقداره.
يقول نيتشه: «الإفراط في التعلق بالتاريخ يضر بالأحياء». قلتُ: بعض المذاهب أضرت بنفسها وغيرها حين أفرطت في استهلاك مقولات تاريخية سياسية مثالية محترمة، وحين اختزلت الحياة في السعي إلى إعادتها، أو انتظار من يعيدها دون تفكير في حلول واقعية لتدبير الزمن الراهن الذي تعلق التكليف به. أغرب المذاهب من تلغي زمنها وتنتظر زمنا غيبيا. أسمي مقتضى هذا التفكير «انتحارا تاريخيا».
وصلى الله وسلم سيدنا محمد، وعلى آله، وصحبه، وٱخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.





