في الواجهةمقالات قانونية

“عيد العرش المجيد: 27 سنة من الحكمة والتبصر” البشير الحداد الكبير

“عيد العرش المجيد: 27 سنة من الحكمة والتبصر”

البشير الحداد الكبير، دكتور في القانون العام.

تحتفل المملكة المغربية في الأيام القادمة بحلول الذكرى 27 لتربع صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده عرش أسلافه المنعمين، وهي مناسبة وطنية مهمة نستحضر فيها أهم الإنجازات التي بصمت العهد الجديد.

سنحاول التطرق لأهم المنجزات بالاعتماد على المقاربة الأنجلوساكسونية من خلال تقسيم الموضوع لمجموعة من المحاور، وذلك من خلال ما يلي:

المحور الأول: الريادة الحقوقية وتخليق الحياة السياسية

 

كما هو معلوم أن المغرب في العهد الجديد دشن لمرحلة جديدة في مجال حقوق الإنسان، مكنته من تعزيز مكانته على الصعيد الدولي، ومن جملة الإصلاحات التي قام بها، دستور 2011 الذي يسميه البعض بدستور الحقوق والحريات، حيث تم تخصيص باب كامل للحديث عن حقوق الإنسان، بل إن الأمر شمل تأسيس مؤسسات دستورية تُعنى بهذا المجال من قبيل المجلس الوطني لحقوق الإنسان…إلخ، كما صادق المغرب على مختلف الاتفاقيات الدولية، كل هذا منحه الثقة الدولية، حيث حصل سنة 2024 على منصب رئاسة مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بأغلبية الأصوات 30 صوت مقابل 17 صوت لجنوب إفريقيا، كما تم انتخاب السيدة أمل البرنوصي رئيسة للجنة الاستشارية لمجلس حقوق الإنسان في جنيف سنة 2025، كما أن رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان السيدة أمنة بوعياش تترأس التحالف العالمي للمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان، وهذا يدل على أن المغرب يحتل الريادة الإقليمية والدولية في مجال العدالة وحقوق الانسان.

أما بخصوص تخليق الحياة السياسية، فمنذ اعتلاء جلالة الملك حفظه الله ورعاه العرش وهو يولي عناية فائقة للشأن السياسي، على اعتبار أن الأحزاب السياسية تعتبر فاعلا مهما في صناعة السياسات العمومية والعمل على أجرأتها وتنفيذها وتقييمها، سواء من خلال مشاركتها في الحكومة أو البرلمان، حيث تم الارتقاء بالقانون المنظم للأحزاب السياسية من قانون عادي 36.04 إلى قانون تنظيمي 29.11 وتم إدخال العديد من التعديلات عليه إلى يومنا هذا بغية جعل الأحزاب قوة فاعلة في الشأن العام، ومن أجل تجويد عملها داخل المؤسسات المنتخبة تم إصدار القانون التنظيمي 53.25 المغير والمتمم للقانون التنظيمي 27.11 المتعلق بمجلس النواب بغية تخليق والرفع من مردودية العمل البرلماني بعد الانتخابات التشريعية المقبلة المقرر إجراؤها يوم الأربعاء 23 شتنبر 2026.

المحور الثاني: الجهوية المتقدمة في خدمة العدالة المجالية

إذا كان المغرب بعد حصوله على الاستقلال قام بوضع اللبنات الأساسية للجهوية، فإنه في العهد الجديد انتقل إلى السرعة القصوى، حيث أصبحنا نتحدث عن الجهوية المتقدمة بعد الإصلاح الدستوري الجديد سنة 2011 وتم تخصيص باب كامل بمعنى تدشين لمرحلة جديدة قوامها التنمية والمسؤولية، ووعيا منه بأن لا جهوية بدون اللاتمركز الإداري، تمت مواكبة هذا الورش بإصدار مرسوم جديد 2.17.618 خاص به، جعل المواكبة والدعم للتنظيم الترابي اللامركزي من أسمى أهدافه عبر تخويل صلاحيات مهمة للولاة والعمال وجعل الجهة ذلك الفضاء المناسب لتنزيل السياسة العامة للدولة وتلاقي وتجانس السياسات العمومية الترابية.

إن الجهوية تعتبر هي الأداة الرئيسية لتحقيق التنمية المستدامة وتحقيق العدالة المجالية وتقريب الخدمات ورقمنتها، حيث تم تمكينها بميكانيزمات وآليات دستورية من خلال الفصل 145 إلى الفصل 146، ثم آليات قانونية عبر إصدار القانون التنظيمي للجهات 111.14.

إن الإرادة الملكية تهدف إلى الإنتقال بالجهوية من التسيير التقليدي إلى التدبير الجديد الذي يجعل من الرقمنة(تم إصدار القانون 54.19 والقانون 55.19 في هذا المجال) عنوانه ومن المقاربة التشاركية وسيلته، ففلسفة الحكم في العهد الجديد تقتضي إشراك مختلف الفاعلين سواء الرسميين أو غير الرسميين، على اعتبار أن التنمية هم مشترك.

المحور الثالث: المغرب قوة صاعدة في التنمية الإقتصادية

إن العهد الجديد تميز بالاعتماد على المقاربة الإقتصادية على اعتبار أن من يملك اقتصادا قويا، يملك قوة في المجال الدولي، حيث تم إطلاق مجموعة من الأوراش الكبرى من قبيل: *تحديث البنيات التحتية؛ *المطارات؛

*السكك الحديدية( القطار فائق السرعة TGV وLGV)؛

*إحداث شبكة واسعة من الموانئ مثلا ميناء طنجة المتوسطي الذي يحتل مكانة متميزة على الصعيد الدولي، ميناء الناظور، ميناء الداخلة الأطلسي لتعزيز العمق الإفريقي وربط القارة الإفريقية بالقارة الأمريكية؛

*تعزيز جاذبية المملكة وتنافسيتها في المجال السياحي على الصعيد الدولي؛

*الريادة الصناعية، من قبيل صناعة السيارات، الطيران، اللقاحات والأدوية، الصناعة الغذائية، الصناعة الكهربائية والمواد الإلكترونية….إلخ؛

*تطوير وعصرنة المجال الفلاحي من خلال مخطط المغرب الأخضر واستراتيجية الجيل الأخضر؛

*الانفتاح على الطاقات المتجددة كالطاقة الشمسية والريحية، وإطلاق برنامج عرض المغرب من خلال الإعتماد على الهيدروجين الأخضر؛

تحسين مناخ الأعمال وتحفيز الإستثمار، من خلال إحداث إطار مؤسساتي المتمثل بالدرجة الأولى في المراكز الجهوية للإستثمار والتي يشرف عليها الولاة منذ سنة 2002 حيث تم الانتقال بالسلطة من المقاربة التقليدية المتمثلة في الحفاظ على الأمن والنظام العام إلى خدمة التنمية، ثم سن إطار تشريعي مهم من خلال القانون الإطار 03.22؛

*السيادة المائية، إيمانا منه بأنه لا تنمية بدون ماء، فقد استطاع المغرب مواجهة سنوات الجفاف بفضل الرؤية الملكية المتبصرة عبر ترأس العديد من جلسات العمل والتي تُوجت بإطلاق مجموعة من الإستراتيجيات من قبيل الإعتماد على تحلية مياه البحر، الربط المائي بين الأحواض المائية، أو ما يسمى بطريق السيار المائي؛

*إطلاق برنامج مدن المهن والكفاءات الذي سيساهم في تكوين جيل جديد يندمج بسرعة في الحياة الإقتصادية ويساير متطلبات سوق الشغل؛

*النموذج التنموي الجديد ورؤية 2035، دون أن ننسى النموذج التنموي بالأقاليم الجنوبية الذي تم إطلاقه سنة 2015.

وتتويجا لما سبق ذكره، تم انتخاب المغرب عضوا في المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع للأمم المتحدة لولاية تمتد من 2027 إلى 2029، وهذا يؤكد بالملموس المكانة الإقتصادية والإجتماعية التي يحتلها والتي جاءت نتيجة الإصلاحات التي باشرها طيلة ربع قرن.

المحور الرابع: ملكية مواطنة في خدمة التنمية الاجتماعية

منذ اعتلاء جلالته أسماه الله وأعز أمره العرش، فقد أطلق مجموعة من الأوراش الاجتماعية الكبرى من قبيل:

*المبادرة الوطنية للتنمية البشرية والتي عرفت ثلاث نسخ؛

*برنامج مدن بدون صفيح وتم استكماله اليوم بإطلاق مشروع دعم السكن إلى غاية سنة 2028؛

*نظام المساعدة الطبية راميد والذي أصبح الآن التأمين الإجباري الأساسي عن المرض AMO؛

*تعميم الحماية الإجتماعية عبر سن قانون الإطار 09.21؛

*الإعتماد على برنامج السجل الإجتماعي الموحد والذي يستهدف الفئات المعوزة التي تستحق فعلا الدعم عبر اعتماد معايير دقيقة وموضوعية؛

*برنامج تيسير؛

*إعادة إدماج السجناء وإعطاءهم فرصة جديدة في الحياة عبر تمكينهم من الاستفادة من برامج إجتماعية، تساهم في خلق فرص الشغل.

هناك برامج إجتماعية طويلة المدى وهناك برامج إجتماعية تخلقها الظروف وهذا ما يتجلى لنا من خلال المبادرة الملكية في مواجهة آثار زلزال الأطلس الكبير سنة 2023، ثم الدعم الذي كان في فترة جائحة كورونا سنة 2020، ناهيك عن القفة الرمضانية والمساعدات التي تكون كل سنة لدعم ساكنة الأطلس في مواجهة آثار البرد القارس، كل هذا يؤكد أننا أمام ملكية مواطنة، ملكية مسؤولة.

المحور الخامس: الدبلوماسية العسكرية والأمنية

يحظى المغرب بثقة دولية في المجال العسكري والأمني، فهو يحتل الريادة الإقليمية في إفريقيا والمنطقة الأورومتوسطية والأوروأطلسية في هاذين المجالين، حيث يساهم بشكل فعال في حفظ السلم والأمن الدوليين، وحصل على العضوية في :

*مجلس السلم والأمن التابع لمنظمة الاتحاد الإفريقي لولاية تمتد من 2026 إلى غاية 2028؛

*مجلس السلام، الذي يعتبر عضوا مؤسسا له ودائما فيه، بعدما وقع على ميثاق التأسيس من طرف وزير الخارجية بمدينة دافوس السويسرية سنة 2026.

إن الأمر لم يقتصر هنا فحسب، بل شمل اتفاقيات مع القوى العالمية من قبيل الولايات المتحدة الأمريكية، حيث تم التوقيع على خارطة طريق عشرية(2026-2036)، لتطوير الصناعات الدفاعية، الأمن السبيراني، والتكامل العملياتي، دون أن ننسى تنظيم مناورات الأسد الإفريقي بالمغرب كل سنة، كما شارك المغرب هذه السنة أيضا في مناورات ORION التي تقودها القوات المسلحة الفرنسية، وهذا يدل على المكانة المتميزة التي تحظى بها المملكة كشريك موثوق به على الصعيد الدولي فالمغرب يعتبر حليف رئيسي خارج الناتو تم تصنيفه سنة 2004 من طرف الولايات المتحدة الأمريكية، لكون معاهدة واشنطن المؤسسة لهذا الحلف جعلت العضوية منحصرة فقط في الدول الأوروبية ودول أمريكا الشمالية.

يساهم المغرب كما قلنا في حفظ السلم والأمن الدوليين، فهو يعتبر من أكبر المساهمين في بعثات السلام التابعة للأمم المتحدة وذلك عبر نشر قواته في مناطق النزاع من قبيل جمهورية الكونغو الديمقراطية وإفريقيا الوسطى.

إن هذه القوة العسكرية لم تأتي من فراغ بل هي نتيجة عمل مستمر، حيث عمل جلالة الملك نصره الله وأيده في العهد الجديد على تطوير وتحديث الترسانة العسكرية عبر اقتناء أحدث الأسلحة، حيث أصبح المغرب القوة العسكرية الأولى إفريقيا سواء تعلق الأمر بالمجال الجوي، البحري، والبري، كما انتقل المغرب بفضل القيادة الرشيدة والمتبصرة لجلالة الملك حفظه الله ورعاه إلى الصناعة العسكرية المحلية، وكما رأينا هذه السنة أن جلالته عين ولي العهد صاحب السمو الملكي الأمير الجليل مولاي الحسن منسقا لمكاتب ومصالح القيادة العامة للقوات المسلحة الملكية، فهذا التعيين له أبعاد ودلالات إستراتيجية وسيادية مهمة، حيث أن هذا التعيين يضع مؤسسة ولي العهد في قلب مفاصل المؤسسة العسكرية مما يتيح له الإشراف المباشر على مختلف الجوانب المتعلقة بالعمل العسكري، لاسيما أن جلالة الملك نصره الله وأيده قام بترقيته السنة الماضية إلى رتبة كولونيل ماجور.

أما بخصوص الجانب الأمني والإستخباراتي فالمغرب أصبح نموذجا يحتذى به ويحظى بالإشادة في مختلف المحافل الدولية من قبيل استضافته لأشغال الدورة 93 للجمعية العامة للإنتربول، وهذا جاء نتيجة المجهودات التي يبذلها المدير العام الجديد السيد عبد اللطيف حموشي، الذي يجمع بين جهازين عريقين ومهمين مؤسسة الأمن الوطني ومؤسسة الديستي أو مراقبة التراب الوطني، وقد سبقه الجنرال حميدو العنيكري حينما جمع بين هاذين المنصبين في بداية العهد الجديد.

إن الدبلوماسية الأمنية ساهمت في توقيع العديد من الاتفاقيات في المجال الأمني والإستخباراتي مع العديد من الدول، كما يقوم المغرب بتكوين وتدريب الخبراء وقوات الشرطة الإفريقية والدولية، دون أن ننسى أنه تم افتتاح مقر مكتب برنامج الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب والتدريب في إفريقيا بمدينة الرباط، وهذا يدل على الثقة الدولية في المقاربة الأمنية والإستخباراتية المغربية.

إن المغرب قام بتفكيك العديد من الخلايا الإرهابية لاسيما بعد إحداث المكتب المركزي للأبحاث القضائية سنة 2015، وواجه هذه الخلايا التي في كل مرة تغير من طريقة عملها، حيث كانت في السابق تعمل بشكل جماعي، لكن حاليا أصبحت تعتمد على تقنية الذئاب المنفردة، ومع يقظة الأجهزة الأمنية والإستخباراتية وقوة التنسيق بين مختلف الفاعلين، يتم تفكيكها، بل أكثر من ذلك أن المغرب يساعد العديد من الدول في تفكيك هذا النوع من الخلايا، مما مكنه من مكانة دولية متميزة.

المحور السادس: السياسة الخارجية:هادئة ورزينة

على اعتبار أن مجال السياسة الخارجية محفوظ بيد المؤسسة الملكية بنص الدستور بموجب الفصل 55، فقد تميزت هذه السياسة بالجدية والحزم والواقعية، فقد أعطت أُكلها وثمارها، من خلال الانفتاح على شركاء دوليين جدد، العودة للإتحاد الإفريقي، ثم دبلوماسية القنصليات كإعتراف قوي بمغربية الصحراء وتأييد مبادرة الحكم الذاتي وتجلى ذلك من خلال إعتماد عيد الوحدة السنة الماضية بعد الخطاب التاريخي لجلالة الملك نصره الله وأيده يوم 31 أكتوبر 2025، كإشارة للطي النهائي للنزاع المفتعل في الصحراء المغربية.

كما تميزت السياسة الخارجية في العهد الجديد بإدارة الأزمات الدولية بكل حكمة وعقلانية، حيث أن جلالة الملك يلتزم بمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، ويساهم في نشر السلم بين الدول، كل هذا جعل للمغرب وزن دولي كبير.

المحور السابع: المؤسسة الملكية صمام الأمن الروحي في العالم

إن ما ميز العهد الجديد أن المؤسسة الملكية قامت بإعادة هيكلة الحقل الديني وفق الضوابط الشرعية، لمحاربة التطرف والإرهاب ونشر السلم والسلام، حيث تم الاستمرار على نهج الدروس الحسنية التي دشنها جلالة المغفور له بإذن الله الملك الحسن الثاني نور الله ضريحه وخلد في الصالحات ذكره، كما تم إعطاء التعليمات السامية لإعادة هيكلة المجالس العلمية المحلية، وإعطاء دور جديد للمساجد من خلال الوعظ والإرشاد ونشر مبادئ وقيم الدين الإسلامي الحنيف والسمح، إطلاق قناة محمد السادس للقرآن الكريم، جعل المجلس العلمي الأعلى بموجب الفصل 41 من دستور 2011 هو الهيئة الوحيدة المتخصصة في إصدار الفتاوى، إحداث معهد محمد السادس لتكوين الأئمة والمرشدين والمرشدات، إحداث مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة، فالمؤسسة الملكية تمارس الدبلوماسية الروحية في العالم، ونظرا للتاريخ المشترك الذي يجمعنا بالقارة الإفريقية فالعديد من الدول تتبع المذهب المالكي الذي يعتمده المغرب رسميا، فالدبلوماسية الروحية تعتبر من الوسائل المعتمدة في المقاربة المغربية في محاربة الإرهاب.

وفي الختام، استطاع المغرب في العهد الجديد أن تكون له مكانة متميزة على الصعيد الدولي في شتى المجالات بفضل الرؤية الملكية السديدة، فالمؤسسة الملكية تملك العزيمة والإرادة الصادقة في خدمة المغرب ومصالحه العليا.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

https://dolanlink.com/

https://dolankumau88.com/

https://opalsaya88.com/

https://gokumania88.com/

https://gokunih.com/

https://opalkhusus01.org/

https://opalsaya89.com/

https://opalutama.com/

https://skwslot.net/

https://cairbos569.com/

https://cairbosjp.com/

https://caiboswild.com/

https://cairbos.net/