في الواجهةمقالات قانونية

بعض المداخل لتحسين أداء الفاعلين في منظومة العدالة:

 

بعض المداخل لتحسين أداء الفاعلين في منظومة العدالة:

 

إعداد: نورالدين مصلوحي، عدل متمرن وباحث بماستر القانون والممارسة القضائية بالرباط.

من الأهداف الرئيسية التي سطرت في ميثاق إصلاح منظومة العدالة: إنماء القدرات المؤسسية لمنظومة العدالة، وهذا الإنماء كما جاء في الميثاق المذكور، يهم كل مكونات منظومة العدالة، من قضاة وموظفي هيئة كتابة الضبط، ومحامين، موثقين، وعدول، ومفوضين قضائيين، وخبراء قضائيين، وتراجمة محلفين، وموظفين وأعوان مكلفين بمهام الشرطة القضائية، وذلك من خلال توفير مؤسسات قادرة على تأهيل مختلف العاملين في هذه المنظومة، وتحسين شروط الولوج إلى المهن القضائية والقانونية، وضمان جودة التكوين الأساسي، والارتقاء بمستوى التكوين المستمر، وتوسيع مجال التكوين المتخصص، وكذا تقوية القدرات المؤسساتية للمهن القضائية والقانونية، ودعم آليات تعزيز ثقة المواطن في هذه المهن.

هذا، ولعدم اتساع المقام للتطرق لكل هذه المتطلبات أعلاه، قصرنا تركيزنا على ضرورة إعادة النظر في شروط ومعايير ولوج مهن منظومة العدالة (أولا) وتبني استراتيجية واضحة للتكوين الأساسي والمستمر وكذا التخصصي (ثانيا).

أولا: ضرورة إعادة النظر في شروط ومعايير ولوج المهن القانونية والقضائية:

إن امتهان أي مهنة قانونية أو قضائية يعد تكليفا قبل أن يكون تشريفا، فما يميز المهن القانونية والقضائية عن غيرها من المهن أن لها ارتباط وصلة شديدين بحقوق وحريات المواطن، ومن ثم فإن مزاولي هذه المهن يفترض فيهم الاتصاف بمؤهلات علمية، فالعلم حصن حصين ومرتكز أساسي من مرتكزات تأهيل أي مهنة والنهوض بها.

فالقضاة باعتبارهم يمثلون ويمارسون سلطة دستورية ألا وهي السلطة القضائية[1]، وباعتبارهم بموجب الدستور يتولون حماية حقوق الأشخاص وحرياتهم وأمنهم القضائي، وتطبيق القانون، فإن الأصل فيهم أن يتمتعوا بمؤهلات علمية تمكنهم من القيام بوظيفتهم على أحسن وجه.

وبالرجوع إلى المعايير الدولية والتي تعد مرجعا أساسيا في إصلاح منظومة العدالة، ولاسيما مجموعة المبادئ الأساسية بشأن استقلال السلطة القضائية، يلاحظ أن من هذه المبادئ ما يتعلق بمؤهلات القضاة واختيارهم وتدريبهم، فبموجب هذا المبدأ؛ يجب أن يكون الأشخاص الذين يختارون لشغل مناصب قضائية أشخاصا يتسمون بالنزاهة والقدرة ولديهم الخبرة أو المؤهلات المناسبة في القانون.

وقد ورد في التوصية 145 من ميثاق إصلاح منظومة العدالة أن الارتقاء بمعايير وشروط ولوج وممارسة مهن منظومة العدالة يقتضي مراجعة مستوى المؤهل العلمي للمشاركة في مباريات ولوج سلك القضاء، مع الانفتاح على مختلف التخصصات العلمية. وبالرجوع إلى الفصل الخامس من الظهير المتعلق بالنظام الأساسي لرجال القضاء لسنة 1974، نجد أن هذا الظهير يشترط على الراغب في ولوج مهنة القضاء حصوله على شهادة جامعية لا تقل عن الاجازة، كما جاء في قرار للوزير المكلف بتحديث القطاعات العامة القاضي بتحديد قائمة الشهادات المقبولة للمشاركة في مباراة الملحقين القضائيين أن من شروط المشاركة في هذه المباراة الحصول على شهادة الاجازة في الدراسات الأساسية مسلمة من طرف الجامعات المغربية (شعبة القانون الخاص أو الشريعة). أما النظام الأساسي الجديد للقضاة لسنة 2016 فلم يشر صراحة إلى نوع الشهادة، بل أحال في المادة 8 منه إلى القانون، الذي ترجع له صلاحية تحديد نوع الشهادة الجامعية والمدة اللازمة للحصول عليها. وسيتم اشتراط شهادة الماستر بدل سلك الاجازة، كما جاء على لسان وزير العدل والحريات السابق السيد المصطفى الرميد. نظرا لما لأن هذه الشهادة تمكن الحاصلين عليها من التعمق والتخصص في العلوم القانونية. ونظرا كذلك لتوجه المشرع المغربي إلى اعتماد مبدأ القضاء المتخصص، وهذا ما نصت عليه المادة 5 من مشروع التنظيم القضائي الذي صادق عليه مؤخرا مجلس النواب بعد قراءة ثانية له في انتظار نشره بالجريدة الرسمية.

ولم يكتف ميثاق إصلاح منظومة العدالة بالتأكيد على مراجعة المستوى العلمي للمشاركة في مباريات ولوج سلك القضاء، بل زاد على ذلك التوصية بتنظيم مباريات بشروط خاصة، وذلك لاستقطاب أجود الكفاءات المهنية لولوج سلك القضاء، مع الخضوع للتكوين بمعهد تكوين القضاة، وهذا ما تم تجسيده بعد صدور القانون التنظيمي رقم 13-106 المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة، حيث نصت المادة 9 من هذا القانون التنظيمي على إمكانية التعيين كقضاة في السلك القضائي، وبعد اجتياز مباراة، المترشحون المنتمون إلى بعض فئات المهنيين والموظفين الذين لا تتجاوز سنهم عند تقديم الطلب، خمسا وخمسين سنة والذين مارسوا مهنتهم أو مهامهم بصفة فعلية لمدة لا تقل عن عشر سنوات. ويحدد القانون فئات المهنيين والموظفين المخول لهم اجتياز المباراة وكذا نوع الشهادات الجامعية المطلوبة. وحسنا فعل المشرع، فأغلب المهن القضائية والقانونية الآن أصبح يلجها كفاءات تحمل شهادات في القانون أو الشريعة كالماستر والدكتوراه، ومن هذه المهن مهنة المفوضون القضائيون والعدول والمحافظين العقاريين والمحافظين القضائيين.

وبالنسبة للمحاماة كمهنة مساعدة للقضاء، ومساهمة في تحقيق العدالة، وباعتبار المحامين يعدون جزءا من أسرة القضاء، فإن النهوض والارتقاء بهذه المهنة رهين بإيلاء شروط ولوجها أهمية كبرى، ولذلك فمن توصيات ميثاق إصلاح منظومة العدالة مراجعة مستوى المؤهل العلمي للمشاركة في امتحانات ولوج مهنة المحاماة، بما يماثل المؤهل العلمي لولوج سلك القضاء، مع الانفتاح على مختلف التخصصات العلمية، وكذا مراجعة نظام الامتحان للولوج إلى مهنة المحاماة ومدة التمرين فيها، وكذا امتحان التخرج للحصول على شهادة الكفاءة لممارسة المهنة.

وهذه العناية التي أولاها ميثاق إصلاح منظومة العدالة لمهنة المحاماة، تعد ترجمة حقيقية للمعايير الدولية التي تحث على الاهتمام بمهنة المحاماة ولاسيما تعزيز القدرات العلمية لممتهنيها، فقد جاء من ضمن المبادئ الأساسية بشأن دور المحامين، والتي اعتمدها مؤتمر الأمم المتحدة الثامن لمنع الجريمة ومعاملة المجرمين، والمعقود في هافانا سنة 1990، مبدأ المؤهلات والتدريب، حيث بمقتضى هذا المبدأ تكفل الحكومات والرابطات المهنية للمحامين والمؤسسات التعليمية توفير تعليم وتدريب ملائمين للمحامين، وتوعيتهم إلى المثل والواجبات الأخلاقية للمحامين وإلى حقوق الانسان والحريات الأساسية التي يعترف بها القانون الوطني والدولي.

وقد أعدت جمعية هيئات المحامين بالمغرب مسودة مشروع القانون المنظم لمهنة المحاماة، إذ تم اشتراط الحصول على شهادة الماستر على الأقل في العلوم القانونية من إحدى كليات الحقوق المغربية، أو شهادة من كلية للحقوق معترف بمعادلتها لها، كما تم استبدال شهادة الأهلية بمسمى شهادة الكفاءة.

أما مهنة التوثيق العدلي، فباعتبارها مهنة مساعدة للقضاء،ولهدفها المهم المتمثل في توثيق الحقوق والمعاملات، والحفاظ على أعراض الناس وأنسابهم، وتحضير وسائل الإثبات، التي تمكن القضاء من فض النزاعات والفصل في الخصومات، بالإضافة إلى المساهمة في التنمية العقارية والاقتصادية والاجتماعية، وتحصيل الموارد وضبط الواجبات المفروضة على المعاملات العقارية وغيرها، فقد تقدمت الهيئة الوطنية للعدول بمشروع لتعديل قانون 03-16 المتعلق بمهنة التوثيق العدلي، والذي من أهم تعديلاته التي لها علاقة بالشروط الواجب توفرها في المترشح للمهنة، الحصول على شهادة الاجازة المحصل عليها بالمغرب من إحدى كليات الشريعة أو الحقوق فرع القانون الخاص أو ما يعادلها. بعد أن كانت الشواهد المطلوب الحصول عليها هي شهادة الإجازة المحصل عليها بالمغرب من إحدى كليات الشريعة، أو اللغة العربية، أو أصول الدين، أو الآداب -فرع الدراسات الإسلامية-، أو الحقوق -فرع القانون الخاص أو القانون العام-أو ما يعادلها.

ثانيا: تبني استراتيجية واضحة للتكوين:

للنهوض بالرأسمال البشري لمنظومة العدالة، لا بد من إعطاء التكوين نصيبه من الاهتمام، فبالتكوين يتمكن كل ممتهني المهن القضائية والقانونية من القيام بالمهام المنوطة بهم على أحسن وجه، كما بهذا التكوين يستطيعون مواكبة كل المستجدات والتطورات التي تحدث ولها علاقة بمنظومة العدالة، فالقوانين تستجد، كما أن آليات العمل بدورها تتطور وتتغير، إذ التدبير الكلاسيكي للإدارة القضائية والمعتمد بكثرة على الأوراق، وعدم اعتماد تكنلوجيا المعلومات في تحرير الأحكام والتواصل بين مهنيي منظومة العدالة أصبح كل هذا يعد عائقا أمام تحديث مرافق منظومة العدالة من قضاء ومساعديه، فلقد أصبح الآن السير نحو الرقمنة والتحديث هو التحدي الأول للنهوض بمنظومة العدالة.

أ: تكوين القضاة:

لا تخفى على أحد أهمية التكوين بالنسبة لكل مكونات منظومة العدالة، وتكوين القضاة وموظفي هيئة كتابة الضبط بصفة خاص.

فلقد أصبح التكوين القضائي من أهم دعائم إصلاح منظومة العدالة، ومن أبرز مقومات ضمان تخليق القضاء وتكريس استقلاله، بل إن نجاح برامج إصلاح العدالة أضحى، في جزء كبير منه، رهينا بنجاعة التكوين القضائي وجودته.

وازدادت أهمية هذا التكوين، بفعل ما أصبحت العدالة المعاصرة تواجهه من تحديات متسارعة، نتيجة تنامي دور القاضي في المجتمع، وتضخم التشريع، وضرورة الاستجابة لمتطلبات التحولات الاقتصادية والاجتماعية، وانخراط القضاء في جهود التنمية والمساهمة في توفير المناخ الملائم للاستثمار.

ولذلك لن تتمكن العدالة من مواجهة هذه التحديات، إلا بالإعداد الجيد لعنصرها البشري وتأهيله، من خلال التكوين المتين للقضاة ومختلف العاملين في حقل القضاء، تكوين منفتح على المعارف الجديدة، وتأهيل متواصل يواكب المستجدات القانونية الناجمة عن مسار الإصلاحات المتتالية.

وللعلم، فإن ميثاق إصلاح منظومة العدالة أوصى بضرورة الارتقاء بمستوى فعالية التكوين الأساسي والتخصصي لمهنيي منظومة العدالة، مع ضرورة دعم التكوين المستمر لضمان الاحترافية.

فنظرا للتحديات والتطورات التي أصبح الآن يعيشها ويتعايش معها القضاة، أصبحت فترة التكوين الأساسي التي يخضع لها هؤلاء قبل التخرج والتعيين في السلك القضائي، والتي هي سنتين غير كافية، مما يستدعي الأمر الرفع من مدة هذا التكوين إلى ثلاث سنوات.

وقد نصت المادة 12 من النظام الأساسي للقضاة الجديد أن مدة التكوين التي سيقضيها الملحقون القضائيون في معهد تكوين القضاة سيحددها القانون. كما تم التأكيد على الطابع الالزامي للتكوين المستمر الذي سيقضيه هؤلاء الملحقون بعد تعيينهم في السلك القضائي، فنصت المادة 50 من النظام الأساسي للقضاة على ما يلي: ” يلتزم كل قاض بالمشاركة في دورات وبرامج التكوين المستمر التي تنظم لفائدة القضاة “. ومبدأ إلزامية التكوين المستمر هذا هو عين ما جاءت به التوصية 157 من ميثاق إصلاح منظومة العدالة، بل واعتبره الميثاق أي التكوين المستمر حقا وواجبا بالنسبة لجميع منتسبي مهن منظومة العدالة.

ولأهمية التكوين التخصصي في تنمية وتعزيز مؤهلات القاضي، أولاه ميثاق إصلاح منظومة العدالة أهمية بالغة، حيث من توصيات هذا الميثاق، التوصية رقم 152 والتي تحث على وضع برامج للتكوين التخصصي للقضاة، لاسما في القضايا التجارية، وقضايا الأسرة، وقضاء النيابة العامة، والتحقيق، والأحداث، وجرائم الأموال، وجرائم الصحافة، والجرائم المرتبطة بالنظم المعلوماتية.

وقد تحدث وزير العدل السابق المصطفى الرميد عن مبادرة وزارة العدل في تنزيل هذه التوصية قائلا ” كما بادرنا إلى توفير تكوين متخصص في القضاء التجاري للفوج 40 للملحقين القضائيين، وابتداء من هذا الأسبوع، سيتم الشروع في تكوين متخصص في القضاء الإداري لفائدة جزء من الملحقين القضائيين للفوج 39، وسيؤطر هذا التكوين المتخصص رؤساء أولون للمحاكم الإدارية، ورؤساء محاكم إدارية وقضاة من هذه المحاكم، وفعاليات من قطاعات أخرى ذات الصلة”.

أما وزير العدل الحالي السيد محمد أوجار، فقد سار على نهج سلفه في مواصلة الإصلاح الشامل والعميق لمنظومة العدالة، ولم يحد قيد أنملة عن العمل على تنزيل أهداف ميثاق إصلاح منظومة العدالة ولاسيما فيما له علاقة بتكوين مهنيي منظومة العدالة، حيث جاء في كلامه بمناسبة الاجتماع مع الفوج 41 للملحقين القضائيين وتوزيع الحواسيب عليهم ” ولذلك وفي سبيل النهوض بمستوى التكوين، سواء التكوين الأساسي أو التكوين المستمر، فقد قمنا، ووفق مقاربة قائمة على التشاركية، والتخطيط، والتعاون مع الجهات المعنية بالتكوين، بوضع الآليات الكفيلة بتحديد الحاجيات الحقيقية للتكوين، ومراجعة برامج التكوين الاعدادي والتكوين المستمر، ووضع برامج للتكوين المتخصص، وتكوين المكونين، والاهتمام بالتكوين الجهوي، مع نهج عملية التقييم لبرامج التكوين والانفتاح على التجارب الناجحة في مجال تأهيل الموارد البشرية، وتحديث إدارة التكوين. كما أن المعهد العالي للقضاء على أبواب إصلاح عميق وشامل، سواء على مستوى هيكلته أو على مستوى نظام التكوين الأساسي والتكوين المستمر والتكوين التخصصي، وسيكون للمعهد مقر جديد، يعتبر مركبا ضخما يستجيب لمتطلبات التأهيل القضائي المعاصر.

وعن الرقمنة ودورها في تصريف العدالة، جاء كذلك من ضمن كلمة السيد الوزير محمد اوجار: “وإني لأعتبر أن انطلاق مقومات المحكمة الرقمية، من حيث التأهيل البشري، ينطلق من هذا المعهد، وذلك من خلال نشر الثقافة الرقمية بين رواده، والاستجابة لمتطلبات مجتمع المعرفة الإعلام في مناهج وبرامج تكوينه. وإني لأدعوكم إلى الاندماج في مسلسل استعمال التكنولوجيا الحديثة في تصريف مهامكم القضائية، سواء من خلال طبع الأحكام بالحاسوب، أو البحث في ميادين الاجتهاد القضائي والتشريعات المقارنة وذلك في إطار الانفتاح على مختلف الأنظمة القانونية والقضائية المعاصرة. وأكيد أنكم واعون بأن التكوين لا يتوقف في هذه المرحلة من مساركم المهني، بل إني متيقن بأنكم ستواصلون ولا شك الاطلاع على المستجدات القانونية والقضائية من خلال برامج التكوين المستمر”.

وفي كلمة أخرى لنفس الوزير، بمناسبة تخرج الفوج رقم 41 من الملحقين القضائيين، أكد السيد الوزير أن الوزارة “تتتبع وبحرص شديد، أوراش النهوض ببنايات المحاكم، واستكمال مقومات مشروع المحكمة الرقمية، وتكثيف استغلال التكنولوجيا الحديثة في عمل القضاء والمهن القضائية، لاسيما فيما يتعلق بالتبادل الالكتروني للمذكرات والوثائق والمستندات المنصوص عليها في صلب القوانين المستقبلية للمسطرتين الجنائية والمدنية”.

ولا يفوتنا ونحن بصدد الحديث عن الرقمنة، الإشارة إلى أن مشروع التنظيم القضائي نص وبصراحة في المادة 22 منه على اعتماد المحاكم الإدارة الالكترونية للإجراءات والمساطر القضائية، وفق برامج تحديث الإدارة القضائية التي تنفذها الوزارة المكلفة بالعدل.

وتحفيزا للقضاة على الاهتمام بالتكوين الأساسي والتخصصي، متعهم القانون بتعويضات عن هذين التكوينين، حيث جاء في المادة 27 من النظام الأساسي للقضاة ما يلي: ” يستفيد القضاة بمناسبة مزاولتهم لمهامهم من:

تعويض عن الديمومة؛

تعويض عن التنقل والإقامة للقيام بمهام خارج مقار عملهم أو من أجل

المشاركة في دورات التكوين المستمر والتكوين التخصصي.

يحدد مبلغ التعويضين المذكورين وشروط الاستفادة منهما بنص تنظيمي.

ونظرا للمهمات الجسام المخولة للمسؤولين القضائيين، ومنها دورهم في تسيير الإدارة القضائية، ألزمهم المشرع بضرورة تلقي تكوين خاص في الإدارة القضائية، وذلك بموجب المادة 50 من النظام الأساسي للقضاة.

ومما يحسب للمشاركين في إصدار ميثاق إصلاح منظومة العدالة، تأكيدهم في التوصية رقم 159 من الميثاق، على ربط المسار المهني بالتكوين المستمر واعتباره سبيلا للترقية، ولتولي مناصب المسؤولية بالنسبة للقضاة وموظفي هيئة كتابة الضبط.

وقد تم تنزيل التوصية أعلاه تشريعيا، حيث باعتبار المجلس الأعلى للسلطة القضائية مؤسسة تعنى بمهام منها تدبير الوضعية المهنية للقضاة، فإن هذه المؤسسة وهي أثناء تدبيرها لهذه الوضعية تراعي معايير عامة نصت عليها المادة 66 من القانون التنظيمي رقم 13-100 المتعلق بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية، ومن هذه المعايير: التكوين التخصصي للقضاة، والمشاركة الفعلية في دورات وبرامج التكوين المستمر. وتشجيعا للملحقين القضائيين على الانضباط والعطاء الأمثل أثناء حصص التكوين الأساسي، نص القانون التنظيمي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية في المادة 69 منه على المعايير التي يراعيها المجلس عند تعيينه للقضاة الجدد، ومن هذه المعايير ترتيب القضاة حسب نتائج امتحان نهاية التكوين.

ب: تكوين المفوضين القضائيين:

تعد مهنة المفوضين القضائيين مهنة مساعدة للقضاء، ويناط بممتهنيها مهام لها ارتباط وثيق بحقوق المرتفقين، كالقيام بعمليات التبليغ وبإجراءات تنفيذ الأوامر والأحكام والقرارات وكذا كل العقود والسندات التي لها قوة تنفيذية، وتسليم استدعاءات التقاضي…

وقد حدد المرسوم رقم 2.08.378 المتعلق بتطبيق أحكام القانون رقم 81.03 المتعلق بتنظيم مهنة المفوضين القضائيين مدة التكوين الأساسي لهؤلاء المفوضين، وهذه المدة هي ستة أشهر بالمعهد العالي للقضاء، وبتنسيق مع مديرية الشؤون المدنية.

ولا شك أن ما تشهده الساحة القانونية والقضائية من رهانات وتحديات، تجعل مدة التكوين المشار إليها غير كافية، وهذا ما تفطن له المشاركون في إعداد ميثاق إصلاح منظومة العدالة، الشيء الذي ترتب عنه الخروج بالتوصية رقم 155، والتي بموجبها سترفع مدة تكوين المفوضين القضائيين المتمرنين إلى سنة.

ج: تكوين موظفي هيئة كتابة الضبط:

لا يعتبر مبالغة وصف كتابة الضبط بأنها أكثر المهن مساعدة للقضاء وحفظا لحقوق المرتفقين، فالقاضي الذي أسند إليه أمر الفصل بين المتقاضين، لا يمكن له وحده أن يقوم بجميع الإجراءات التي يتطلبها منه سير الدعوى، كما لا يمكن أن تترك له بالمقابل حرية مطلقة في تسيير الإجراءات، لذلك كان من اللازم إيجاد مؤسسة تساعده في تسييرها، بحيث إذا ترك لهيئة القضاء أمر البت في القضايا، يبقى لمؤسسة كتابة الضبط شغل وظيفة أخرى مستقلة تتمثل في تجهيز ذات القضايا  وتوثيق جميع المقررات لصادرة عن القضاة، تأكيدا لصحة ما يصدر عنهم من أحكام وحفاظا على حقوق المتقاضين.

وللرفع من قدرات الموارد البشرية لهيئة كتابة الضبط، خرج المشاركون في إعداد ميثاق إصلاح منظومة العدالة بمجموعة من التوصيات منها: اعتماد مبدأ إلزامية التكوين الأساسي للموظفين الجدد الملتحقين بهذه الهيئة، واعتماد إلزامية القيام بتدريب حول الإدارة القضائية لتولي منصب المسؤولية الإدارية.

ومن أجل تعزيز إنماء القدرات المؤسسية لمنظومة العدالة، تمت التوصية من قبل المشاركين في إعداد ميثاق إصلاح منظومة العدالة على إحداث مركز للبحوث والدراسات القانونية والقضائية بمعهد تكوين القضاة، وكذا إحداث مدرسة وطنية لكتابة الضبط، وإحداث مؤسسة لتكوين المحامين، ومعهد وطني للتوثيق، مركز لتكوين العدول والمفوضين القضائيين والخبراء القضائيين.

ج: تكوين المحامين:

إن ما يلاحظ على مسودة تعديل القانون المتعلق بمهنة المحاماة، هو التنصيص على جعل التكوين من واجب المحامي، ولذلك بُوب الباب الرابع بعنوان: واجبات المحامين، فنصت المادة 37 على خضوع المحامي لزوما لتكوين مستمر وفق برنامج سنوي يحدده النظام الداخلي للهيئة التي ينتمي إليها. وزيادة في التأكيد على أهمية التكوين المستمر اعتبرت المادة 39 من المسودة أن كل إخلال من طرف المحامي ببرنامج التكوين المستمر يعد مخالفة مهنية.

ومن المهام الجديدة التي تم تخويلها لمجلس الهيئة، وضع نظام إجباري للتكوين الأساسي والمستمر لفائدة المحامين والمحامين المتمرنين، وهذا هو ما أشارت إليه المادة 98 من مسودة تعديل قانون المحاماة. وحسب المادة 14 من المسودة فقد تم تخفيض مدة التمرين من ثلاث سنوات إلى سنتين.

د: تكوين الأطباء الشرعيين:

يعتبر الطب الشرعي أحد الطرق العلمية التي تساعد على كشف عوالم الجريمة والتعرف على الحقائق وجمع الأدلة والقرائن والكشف عن مرتكبي الجرائم وتقديمهم للمحاكمة، لذلك يبقى دوره هاما في تحقيق العدالة الجنائية من خلال المساعدة على الإدارة الفعلية والفعالة لسير القضايا الزجرية.

وقد صادق المجلس الحكومي يوم 20 شتنبر 2018 على مشروع القانون رقم 77.17 المتعلق بتنظيم ممارسة مهام الطب الشرعي، هذا المشروع الذي تقدم به السيد وزير العدل، ويهدف إلى وضع إطار قانوني متكامل لممارسة مهام الطب الشرعي، والتنصيص على المقتضيات القانونية الكفيلة بإعطاء مصداقية أكبر للشواهد وتقارير الخبرة الطبية التي تعرض على القضاء في إطار النزاعات التي يبث فيها، مما سيساهم في تعزيز ضمانات المحاكمة العدالة وتطويرها، وتعزيز سياسة المغرب في مناهضة التعذيب وفقا للمعايير الأممية.

وعلاقة بموضوع التكوين، فقد تم بموجب مشروع القانون أعلاه، إحداث مجلس وطني للطب الشرعي، يتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي، ويهدف هذا المجلس إلى تنظيم عمل الطب الشرعي، ورفع مستوى وكفاءة العاملين به وتطوير مهامهم لمساعدة العدالة. ومن صلاحيات المجلس الوطني وضع المعايير العلمية والمهنية لممارسة مهنة الطب الشرعي، وتأطير الأطباء الشرعيين الممارسين ووضع برامج لمراقبة وتقييم جودة عملهم والجوانب الفنية         المتعلقة بإنجاز الخبرات.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق