في الواجهةمقالات قانونية

خطاب عيد العرش خريطة طريق حقيقية نحو تنزيل المخطط الجديد لإصلاح الاستثمار  

 

شكل الخطاب الذي وجهه جلالة الملك مساء يوم الأحد 29 يوليوز 2018 بمناسبة الذكرى التاسعة عشرة لتربع جلالته على عرش أسلافه المنعمين، رسالة واضحة وقوية للحكومة من أجل تفعيل المخطط الجديد لإصلاح الاستثمار الذي تم إطلاقه يوم 4 يوليوز 2016، على اعتباره آلية لتوفير مناخ تنافسي وجذاب للاستثمار والابتكار، إذ أكد جلالته في خطابه على أنه: “لا يمكن توفير فرص الشغل أو إيجاد منظومة اجتماعية عصرية ولائقة، إلا بإحداث نقلة نوعية في مجالات الاستثمار ودعم القطاع الإنتاجي الوطني. ولهذه الغاية، فإنه يتعين، على الخصوص، العمل على إنجاح ثلاثة أوراش أساسية:

أولها: إصدار ميثاق اللاتمركز الإداري داخل أجل لا يتعدى نهاية شهر أكتوبر المقبل، بما يتيح للمسؤولين المحليين اتخاذ القرارات، وتنفيذ برامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية في انسجام وتكامل مع الجهوية المتقدمة؛

وثانيها: الإسراع بإخراج الميثاق الجديد للاستثمار، وبتفعيل إصلاح المراكز الجهوية للاستثمار وتمكينها من الصلاحيات اللازمة للقيام بدورها مثل الموافقة على القرارات بأغلبية الأعضاء الحاضرين عوض الإجماع المعمول به حاليا، وتجميع كل اللجان المعنية بالاستثمار في لجنة جهوية موحدة، وذلك لوضع حد للعراقيل والتبريرات التي تدفع بها بعض القطاعات الوزارية؛

وثالثها: اعتماد نصوص قانونية؛ تنص من جهة على تحديد أجل أقصاه شهر لعدد من الإدارات، للرد على الطلبات المتعلقة بالاستثمار، مع التأكيد على أن عدم جوابها داخل هذا الأجل يعد بمثابة موافقة من قبلها”.

من هنا يتضح، أن الخطاب الملكي بمناسبة عيد العرش أطلق رزمانة من الإصلاحات الجوهرية التي تنم على وجود رغبة قوية وملحة في التنزيل السريع لعدد من المشاريع الاجتماعية  والاقتصادية. غير أن تحليلنا لهذا الخطاب سوف ينصب على الجانب الاقتصادي فقط، ذلك أنه بسط ثلاثة مداخل رئيسية لإصلاح مناخ الاستثمار ببلادنا، وهي:

أولا: إصدار ميثاق اللاتمركز الإداري

دعى جلالة الملك الحكومة إلى التعجيل بإصدار ميثاق اللاتمركز الإداري داخل أجل أقصاه نهاية شهر أكتوبر المقبل؛ بهدف تمكين المسؤولين على المستوى الترابي من سلطة تقرير حقيقية واتخاذ المبادرة فضلا عن تأهيل الإدارة الجهوية كقاطرة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية للجهة عبر رفع مستوى تمثيلية القطاعات المساهمة في السياسات العمومية وضمان انخراط مختلف القطاعات الحكومية وجميع الفرقاء الاقتصاديين والاجتماعيين في مخطط تطوير التدبير العمومي الجهوي.

ونشير إلى أن ميثاق اللاتمركز الإداري شرع التفكير في إصداره منذ سنة 2014 لكنه لم يرى النور إلى يومنا هذا، إلا أن الحكومة الحالية قد أدمجته ضمن التدابير الاستعجالية التي تهم هذا القطاع تنفيذا للبرنامج الحكومي برسم الولاية التشريعية العاشرة (2016-2021)، وذلك في إطار تنزيل الجهوية المتقدمة وتكريس الحكامة الترابية؛ والغاية من هذا الورش هو “مساهمة الجهوية المتقدمة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية للبلاد وتقوية جاذبية وتنافسية الجهات، واستنهاض إرادة الإبداع والمبادرة لدى الفاعل المحلي في تعاون وثيق بين الحكومة ومجالس الجهات”.

وفي هذا الإطار وضعت الحكومة مشروع ميثاق اللاتمركز الإداري الذي تتوخى من اعتماده إحداث قطيعة حقيقية مع نظام المركزية من خلال الحد من تمركز اتخاذ القرار على مستوى الإدارات المركزية وحصر نشاطها في الوظائف الإستراتيجية المتجسدة في بلورة تصور السياسات والبرامج العمومية مع ترك تنفيذها وتنزيلها على المستوى الترابي إلى المصالح اللاممركزة.

ونظرا للطابع الاستعجالي لميثاق اللاتمركز الإداري يتعين على الحكومة التعجيل بإصداره خلال الأجل المسطر لها وتضمينه الآليات القانونية الملائمة لحكامة ترابية تخول للولاة والعمال الصلاحيات اللازمة للسهر على الممارسة الفعلية والمتناسقة لاختصاصات أجهزة الدولة على المستوى الترابي، وسيشكل هذا الميثاق لا محالة نقلة نوعية في إعادة هيكلة وتنظيم الإدارة اللاممركزة من خلال:

– دعم الديمقراطية المحلية؛

– تطوير الخدمات الإدارية وملاءمتها والانتظارات المحلية؛

– تدعيم مهام الإدارة اللاممركزة وتعضيدها بالوسائل والإمكانات المادية والبشرية اللازمة.

ثانيا: اعتماد الميثاق الجديد للاستثمار

شدد العاهل المغربي على ضرورة الإسراع بإخراج ميثاق جديد للاستثمار من شأنه تجاوز مكامن الخلل التي تعتري القانون الإطار رقم 18.95 بمثابة ميثاق للاستثمارات المؤرخ في 29 نونبر 1995 بما يصب نحو الرفع من جاذبية المغرب للاستثمارات الأجنبية وتوطيد ثقة مختلف الفاعلين الاقتصاديين واكتساب المقاولة المغربية للريادة على المستوى الجهوي والقاري والعالمي.

ومن المعلوم أنه تم الإعلان عن مشروع مراجعة ميثاق الاستثمار بمناسبة انعقاد اللجنة الوطنية لمناخ الأعمال بتاريخ 22 ماي 2012، ويضم هذا المشروع جانبين؛ الجانب القانوني يهم مراجعة القانون الإطار رقم 18.95 وتهدف هذه المراجعة إلى:

– تجميع المقتضيات الخاصة بالامتيازات الممنوحة للمستثمرين في الإطار التعاقدي في نص واحد؛

– اقتراح نظام امتيازات أفقي موحد وأنظمة قطاعية وجهوية تكميلية حسب خصوصية كل قطاع وكل جهة؛

– إمكانية منح امتيازات إضافية بالنسبة للمشاريع التي لها طابع استثنائي  بحكم المبلغ المستثمر أو المناصب التي سيتيحها المشروع الاقتصادي؛

–  إصدار المرسوم التطبيقي للقانون الإطار ينظم على وجه الخصوص شروط الولوج إلى الإطار التعاقدي لمشاريع الاستثمار، ومسطرة تقديم ملفات الاستثمار ومعالجتها، وأجهزة الحكامة على الصعيدين المركزي والجهوي ثم مسطرة المصادقة على اتفاقيات الاستثمار ومنح الامتيازات والتسهيلات.

أما الجانب المؤسساتي، فيهم مراجعة القانون المنظم للوكالة المغربية لتنمية الاستثمارات من حيث الاختصاصات وعلاقتها بالمتدخلين والفاعلين الآخرين وموقعها المؤسساتي من جهة، ومن جهة أخرى تقييم المراكز الجهوية للاستثمار كآلية فعالة للدفع بالاستثمار في إطار ورش الجهوية المتقدمة.

وتم وضع برمجة زمنية للمصادقة على مشروعي القانونين المذكورين والمرسوم التطبيقي للقانون الإطار قبل نهاية شتنبر 2012 وإعداد تصور للإصلاح المؤسساتي قبل نهاية أكتوبر من نفس السنة، كما تم تكوين لجنة تضم ممثلي الوزارات المعنية لتسريع وثيرة استكمال صياغة النصين والمصادقة عليهما قبل  إحالتهما على الأمانة العامة للحكومة؛ لكن هذه البرمجة لم يتم احترامها وكل ما تتحقق على أرض الوجود لحد اليوم هو صدور القانون رقم 60.16 المحدثة بموجبه الوكالة المغربية لتنمية الاستثمارات والصادرات بتاريخ 30 غشت 2017؛ وهي مؤسسة عمومية أدمجت فيها ثلاث مؤسسات؛ ويتعلق الأمر بالوكالة المغربية لتنمية الاستثمارات، والمركز المغربي لإنعاش الصادرات، وكذا مكتب الأسواق والمعارض بالدار البيضاء.

وقد أكد رئيس الحكومة في كلمته بمناسبة انعقاد مجلس إدارة الوكالة المغربية لتنمية الاستثمارات والصادرات يوم الأربعاء 20 دجنبر 2017 على أن: “إحداث هذه الوكالة من خلال دمج المؤسسات الثلاث، يندرج ضمن الأوراش المهيكلة المعلن عنها أمام صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، كما أنه يأتي تفعيلا لمبادئ الحكامة الجيدة والنجاعة المؤسساتية وتعزيز التنسيق فيما يخص عروض الترويج للاقتصاد الوطني. كما ينسج هذا الدمج مع توصيات التقارير الصادرة عن وزارة الاقتصاد والمالية وعن المؤسسات الدستورية المختصة المتمثلة في المجلس الأعلى للحسابات والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي”.

ويقوم المخطط الجديد لإصلاح الاستثمار الذي تم إطلاقه في 4 يوليوز 2016 بالقصر بالدار البيضاء، على ستة محاور رئيسية في مقدمتها نجد إعادة تقويم ميثاق الاستثمار وإعادة تعريف مضامينه وفق التوجهات الكبرى للمملكة المغربية وكذا الممارسات الفضلى على الصعيد الدولي؛ بشكل يمكن من تجميع التدابير المشتركة بمختلف القطاعات، والتدابير القطاعية الأكثر خصوصية، إلى جانب التدابير الجهوية التي تعطي الأولوية للجهات الأقل نموا.

وفي نفس السياق، أوضح وزير الصناعة والاستثمار والتجارة والاقتصاد الرقمي في كلمة له بمناسبة انعقاد النسخة الأولى من ندوات الغرفة البريطانية برسم سنة 2018 حول موضوع: “الميثاق الجديد للاستثمار: مدى مساهمته وتأثيره في إعادة تفعيل الاستثمار في المغرب؟” أن الميثاق الجديد للاستثمار يعد خطوة مهمة لبناء نموذج اقتصادي تنافسي ويتضمن رؤية واضحة في مجال خلق فرص الشغل وتحسين الخدمات العمومية للمواطن مع الانفتاح على التكنولوجيات الجديدة.

ثالثا: تفعيل إستراتيجية إصلاح المراكز الجهوية للاستثمار

بعدما أقر جلالة الملك في خطاب عيد العرش لسنة 2017 بأن “… من بين المشاكل التي تعيق تقدم المغرب، هو ضعف الإدارة العمومية سواء من حيث الحكامة، أو مستوى النجاعة أو جودة الخدمات التي تقدمها للمواطنين؛ وعلى سبيل المثال، فإن المراكز الجهوية للاستثمار تعد، باستثناء مركز أو اثنين، مشكلة وعائقا أمام عملية الاستثمار، عوض أن تشكل آلية للتحفيز ولحل مشاكل المستثمرين على المستوى الجهوي، دون الحاجة للتنقل إلى الإدارة المركزية. وهو ما ينعكس سلبا على المناطق التي تعاني من ضعف الاستثمار الخاص، وأحيانا من انعدامه، ومن تدني مردودية القطاع العام، مما يؤثر على ظروف عيش المواطنين”.

جاء ليؤكد في خطاب عيد العرش لسنة 2018 على ضرورة تعبئة مختلف الإمكانات من أجل إعادة هيكلة هذه المراكز قائلا: “… وبتفعيل إصلاح المراكز الجهوية للاستثمار وتمكينها من الصلاحيات اللازمة للقيام بدورها مثل الموافقة على القرارات بأغلبية الأعضاء الحاضرين عوض الإجماع المعمول به حاليا، وتجميع كل اللجان المعنية بالاستثمار في لجنة جهوية موحدة، وذلك لوضع حد للعراقيل والتبريرات التي تدفع بها بعض القطاعات الوزارية”.

 

ولعل في إعطاء جلالته المثال بالمراكز الجهوية للاستثمار لتشخيص الوضعية المزرية للإدارة العمومية سواء على المستوى المركزي أو الترابي، لخير دليل على وجود اختلالات تحول دون قيام هذه المراكز بمهامها التي حددتها الرسالة الملكية السامية للوزير الأول المؤرخة في 9 يناير 2002 بشأن التدبير اللامتمركز للاستثمار، وترجع أهم هذه الاختلالات حسب التقرير السنوي للمجلس الأعلى للحسابات برسم سنة 2015 إلى :

– اعتماد خطط عمل خاصة بكل مركز جهوي للاستثمار؛

– غياب النظام الأساسي لموظفي المراكز الجهوية للاستثمار وعدم كفاية الموارد البشرية المرصودة لها؛

– محدودية دور مديرية تنسيق  الشؤون الاقتصادية في توجيه أنشطة المراكز الجهوية للاستثمار؛

– عدم تعميم نظام تدبير الجودة ومحدودية استغلال النظام المعلوماتي؛

– اعتماد المراكز الجهوية للاستثمار على دعم الدولة، فمواردها المالية تتشكل أساسا من مساهمات التسيير أو الاستثمار من الميزانية العامة للدولة.

وعلى إثر ذلك، أصدر جلالة الملك في 24 أكتوبر 2017 تعليماته السامية لرئيس الحكومة للعمل مع مختلف القطاعات المعنية، ومع المجلس الأعلى للحسابات، قصد رفع مقترحات للنظر الملكي السامي داخل أجل لا يتعدى شهرين، بخصوص إصلاح المراكز الجهوية للاستثمار وتأهيلها للقيام بمهامها في تحفيز الاستثمار والنهوض بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية، واستغلال الإمكانات الاستثمارية الكبيرة التي يتيحها الاقتصاد الوطني، ومواكبة التطور الذي يعرفه المغرب في هذا الميدان.

وتفعيلا للرؤية الملكية السامية، صادق المجلس الحكومي يوم الخميس 2 غشت 2018 على مشروع قانون رقم 47.18 يتعلق بإصلاح المراكز الجهوية للاستثمار وبإحداث اللجان الجهوية الموحدة للاستثمار تقدم به وزير الداخلية؛ ويأتي مشروع هذا القانون في إطار تنزيل مشروع إصلاح المراكز الجهوية للاستثمار الذي قدمه رئيس الحكومة بين يدي جلالة الملك يوم الخميس 19 أبريل 2018 بهدف جعل هذه المراكز فاعلا متميزا في تنشيط وتسهيل الاستثمار ومواكبة النسيج المقاولاتي، ويرتكز هذا الإصلاح على ثلاثة محاور أساسية ومتكاملة تتجسد فيما يلي:

1) إعادة هيكلة المراكز الجهوية للاستثمار من خلال تحويلها إلى مؤسسات عمومية يترأسها والي الجهة مع مجالس إدارة منفتحة على مختلف الفاعلين الجهويين في القطاع العام والخاص، وتوسيع نطاق صلاحياتها لتشمل المواكبة الشاملة للمقاولات وخاصة الصغرى والمتوسطة منها والمساهمة في بلورة وتنزيل الاستراتيجيات المتعلقة بإنعاش الاستثمار الجهوي؛

2) إحداث اللجنة الجهوية الموحدة للاستثمار كإطار وحيد وموحد لتقييم ودراسة ومعالجة ملفات الاستثمار بما في ذلك البت وإبداء الرأي حول الطلبات المتعلقة بالقرارات الإدارية والرخص الضرورية لإنجاز المشاريع الاستثمارية؛

3) تبسيط ورقمنة المساطر والإجراءات المرتبطة بملفات الاستثمار على المستويين الجهوي والمركزي.

وتم تشكيل لجنة وزارية للقيادة برئاسة رئيس الحكومة تتكلف بقيادة مشروع إصلاح المراكز الجهوية للاستثمار وتتبع تنفيذه؛ إذ تتولى البت في الطعون، والنظر في اقتراحات المجالس الهادفة إلى تسوية الصعوبات وتبسيط المساطر.

ويشكل مشروع القانون المذكور آلية جوهرية لتقوية القدرات التدبيرية للمراكز الجهوية للاستثمار وتحسين موقعها في إطار مسايرة اللاتمركز الإداري عبر وضع آليات دقيقة للحكامة والتتبع والتقييم التي سينصب جزء كبير من عملها على المقاولات الصغرى والمتوسطة حتى يتسنى لها التركيز على مهمتها الأساسية وهي خلق الثروة وفرص الشغل المنتج؛ إذ أكد جلالة الملك في خطابه على أنه: “… ويبقى الهدف المنشود هو الارتقاء بتنافسية المقاولة المغربية وبقدرتها على التصدير وخلق فرص الشغل، ولاسيما منها المقاولات الصغرى والمتوسطة، التي تستدعي اهتماما خاصا؛ لكونها تشكل 95 في المائة من النسيج الاقتصادي الوطني.

ذلك أن المقاولة المنتجة تحتاج اليوم، إلى مزيد من ثقة الدولة والمجتمع، لكي يستعيد الاستثمار مستواه المطلوب، ويتم الانتقال من حالة الانتظارية السلبية إلى المبادرة الجادة والمشبعة بروح الابتكار.

فاستعادة الحيوية الاقتصادية تظل مرتبطة بمدى انخراط المقاولة، وتجديد ثقافة الأعمال، واستثمار المؤهلات المتعددة التي يتيحها المغرب، مع استحضار رهانات التنافسية الدولية، بل والحروب الاقتصادية أحيانا”.

 

والله ولي التوفيق؛

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock