في الواجهةمقالات قانونية

مفهوم القانون الجنائي للأعمال

 

مفهوم القانون الجنائي للأعمال

إدريسي سكينة

 الأعمال و المدني القانون الماستر بسلك باحثة طالبة

بطنجة الاقتصادية و القانونية العلوم كلية

 

 

 

المقدمة :

مما لا شك فيه أن تطور الحياة الاجتماعية و الاقتصادية في المجتمعات الحديثة دفعت المشرع الى سن قواعد قانونية تطبق على أشخاص معينين و أنشطة و مهن محددة، و المال و الأعمال و التجارة يعتبر من أهم المجالات التي حظيت باهتمام كبير من طرف المشرع حيث خصها بقوانين ترمي الى تنظيمها، و قواعد جزائية لزجر المخالفين للنظم الاقتصادية و التجارية المعمول بها. بحيث نجد أن هذا التطور الحاصل أدى الى ربط و تشابك العلاقات الاقتصادية و التجارية بين مختلف مكونات المجتمع سواء على المستوى المحلي أو المستوى الوطني أو الدولي. فأصبح الكل يسعى جاهدا للحصول على المال من أجل تحقيق متطلباته و اشباع حاجياته و رغباته كل بحسب الظرفية و الامكانية و الكيفية الخاصة له في ذلك. و هذا السعي المتجه نحو المال أدى الى هوس هدفه الأساسي هو تخزين و تكديس الثروة، و تحقيق الغنى حتى و لو كان بطرق غير مشروعة، و بعيد عن مبادئ النظام العام و الأخلاق الحميدة في المعاملات و التبادلات التجارية و الاقتصادية.

و من هذا المنطلق ظهرت جرائم مختلفة عن الجرائم التقليدية العادية تؤثر بشكل كبير على الاقتصاد الوطني، و تعيبه بالشلل بشكل خفي، و هي ما يطلق عليها بجرائم الاقتصاد أي أنها جرائم ذات طبيعة خاصة، ليس لها أثر واضح على الشعور الجماعي لأفراد المجتمع.

و من هنا نجد أن المشرع تكونت لديه قناعة تامة و واضحة ، و ترسخ له واجب التدخل جنائيا في مجال الأعمال بوجه عام، و في الاقتصاد بوجه خاص، لكون أن هذا الأخير لم يكن وليد الصدفة و انما فرضته ظروف و ضغوط واقعية عجلت بتدخل القانون الجنائي في مجال الأعمال، قصد تنظيمه و الضرب على يد المخالفين بقوة و كذلك توجيهه باليات و ضمانات جنائية و ذلك من أجل الحفاظ على سلامته و شرعية المعاملات المالية و الاقتصادية. بل ان تدخله بالأساس في مجال الأعمال أصبح يتوجه نحو تحقيق النضج المطلوب بعد عدة مراحل من التجارب المتكررة و التي أضحت اختبار واقعي و حقيقي يسهم بشكل كبير في ايجاد نصوص قانونية منظمة جنائيا لمجال قانون الأعمال. فتدخل المشرع في مجال الأعمال يرمي الى اسباغ الحماية الجنائية على مصالح معينة أدى التطور الاجتماعي و الاقتصادي الى وضعها على رأس اهتمامات المسؤولين و الحكومات في كل العالم كيفما كانت توجهاتها السياسية و قناعاتها الاديولوجية.

فمن بين الأوراش التي مر منها نجد انجاز الهيكل و التصميم العام للنصوص القانونية المنظمة جنائيا لمجال الأعمال، و التي دائما ما كانت هذه الأخيرة تحاول خلق ثورة قانونية استثنائية فيها مجموعة من الخطوات التي تخطوها في بناء خصوصياتها.

و تجدر الاشارة أن المشرع الجنائي المغربي بدوره حاول التدخل في مجال الأعمال، و خلق قانون جنائي خاص بالأعمال، له أسسه و خصوصياته و لو بنصوص متناثرة بين مجموعة من القوانين التي لها علاقة وطيدة بمجال المال و الأعمال، ليصبح القانون الجنائي للأعمال هو ذلك الفرع من فروع القانون الجنائي الذي يعاقب من جهة على المس بالنظام المالي الاقتصادي و الاجتماعي و بنمط الحياة، و من جهة أخرى على المس بالثقة و الملكية العامة و الاعتداء المادي على الأشخاص عندما يتصرف الفاعل في اطار مقاولة اما لحسابها أو لحسابه الخاص اذا كانت الجريمة مرتبطة بسلطات القرار داخل المقاولة. و في هذا الاطار فان القانون الجنائي وجد نفسه عاجزا عن ملاحقة تطور جرائم رجال

 

الأعمال، فكان لزاما على المشرع أن يحدث تغييرا في مشهد السياسة الجنائية و يقدم على اصدار العديد من القوانين الخاصة.

ان القانون الجنائي للأعمال يحظى بأهمية كبيرة على مستوى الدراسة، سواء تعلق الأمر بالأهمية التي يكتسيها من الجانب العملي أو من الجانب النظري. فعلى المستوى النظري فان أهمية الموضوع تتمثل في محاولة فك شفرة المقصود من القانون الجنائي للأعمال من زاوية خصوصياته التي يتميز بها عن غيره، و على المستوى العملي فان أهمية الموضوع تتجلى فيما يتميز به القانون الجنائي للأعمال من تطور رهيب في شتى تفرعاته  و ما يستتبعه من تطور في نسبة جرائم الأعمال، كل ذلك في محاولة التقرب من خصوصيات القانون الجنائي للأعمال و قواعد التجريم الخاصة به.

و من خلال ما تم تقديمه نجد أن مصطلح القانون الجنائي للأعمال هو من انتاج الفقه بامتياز، و ليس هناك على أرض الواقع على الأقل بالنسبة للتشريع المغربي قانون اسمه القانون الجنائي للأعمال. و بالقاء اطلالة على النصوص القانونية المغربية يتأكد لنا أن الأمر يتعلق بنصوص قانونية جنائية متعلقة بمجال المال و الأعمال متناثرة و موزعة على مجموعة من القوانين. و من هنا يمكننا طرح الاشكالية كالتالي                                                                                                                               الى أي حد استطاع المشرع المغربي من خلال القوانين المتعلقة بمجال الأعمال و المرتبطة بالاقتصاد ضمان خصوصية ينفرد بها القانون الجنائي للأعمال ؟

و تتفرع عن هذه الاشكالية مجموعة من التساؤلات أهمها : ما مفهوم القانون الجنائي للأعمال ؟ و أين تتجلى خصوصياته ؟ و ما هي خصوصيات المتابعة الجنائية و المسؤولية الجنائية و الجزاء في قانون الجنائي للأعمال

المبحث الأول : النظرية العامة للقانون الجنائي للأعمال

يعتبر القانون الجنائي للأعمال من القوانين الحديثة، و التي تطرح العديد من الاشكاليات، سواء من حيث تطوره التاريخي و ماهيته (المطلب الأول)، أو من خلال أركانه (المطلب الثاني).

 

المطلب الأول : التطور التاريخي للقانون الجنائي للأعمال و ماهيته

ان القانون الجنائي للأعمال له تطوره التاريخي الذي مر منه و الذي ساهم في النقاش حوله (الفقرة الأولى)، كما أنه بخصوص ماهيته (الفقرة الثانية) نجد هناك عدة تعاريف واردة بخصوصه من قبل الفقه.

الفقرة الأولى : التطور التاريخي للقانون الجنائي للأعمال

ان نضج فكرة القانون الجنائي للأعمال على غرار باقي القوانين الأخرى لم يكن وليد الصدفة، و انما مر بمجموعة من المراحل التاريخية التي طبعت مسيرته، و ساهمت بشكل كبير في النقاش الدائر حاليا حول القانون الجنائي للأعمال، كقانون أصبح يفرض وجوده على جل التشريعات الحديثة، و بحكم الارتباط التاريخي بين التشريع المغربي و مصدره الفرنسي كان بديهيا أن ينتقل ارتباط القانون الجنائي بمجال الأعمال الى المغرب، و لكن ليس منذ ثلاثينات القرن الماضي، بعد مرحلة مخاض الميلاد الرسمي للقانون الجنائ للأعمال في القانون الفرنسي، على الرغم من وجود بعض ملامح النصوص الجنائية المنظمة الاقتصاد بالمغرب قبل ذلك منذ سنة 1913 ، عبر القانون التجاري الذي كان ينص على نظام الافلاس و التصفية القضائية، و قانون شركات المساهمة 11 غشت 1922، و الظهير المتعلق بالشركات ذات المسؤولية المحدودة 1 شتنبر 1926، و الظهير المنظم للشيك بتاريخ 19 يناير 1939 و ثم ظهير الملكية الصناعية 23 يونيو 1916[1].

الا أنه على الرغم من ذلك فان القواعد التي تضمنها النظام القانوني المغربي لم ترقى الى درجة التأسيس الحقيقي لبداية قانون جنائي للأعمال بالكيفية التي عليها اليوم هذا القانون بالمغرب، اذ أن ملامح النصوص الجنائية المنظمة لمجال الأعمال بشكل حقيقي لم تظهر الا خلال تسعينات القرن الماضي، من خلال مجموعة من القوانين في مقدمتها مدونة التجارة، قانون الشركات التجارية، بمختلف اشكالها، مونة الشغل، و قانون حماية الملكية الصناعية ، و غيرها من القوانين المنظمة لمجال الأعمال[2].

الفقرة الثانية : ماهية القانون الجنائي للأعمال

سنعالج هذه الفقرة المتعلقة بماهية القانون الجنائي للأعمال وفق مفهوم القانون الجنائي للأعمال (أولا)، و خصوصيته (ثانيا).

 

أولا : مفهوم القانون الجنائي للأعمال

ان القانون الجنائي للأعمال هو يعتبر أحد تخصصات القانون الجنائي العام، اذ يقتصر على مجموعة من القواعد و القوانين التي تبين الجرائم و العقوبات في مجال المال و الأعمال و التجارة و الجزاء المترتب عنها[3].

فهذا القانون الجنائي للأعمال يصعب وضع تعريف له و ذلك ناتج عن الغموض الذي يحيط بكلمة الأعمال و هي عموما يقصد بها عالم الثروة و الأعمال التي تنتج و توزع فيه الثروة و يتم تبادلها، فعبارة القانون الجنائي للأعمال تحتوي على مصطلحين و هما القانون الجنائي الذي يحدد الجرائم و العقوبات المقررة لها، و مصطلح الأعمال الذي لا يخص فرع معين من فروع القانون فحسب و انما تستعمل في أكثر من فرع من فروع القانون، اذ تشتمل كلمة الأعمال أو قانون الأعمال على ( القانون الضريبي، قانون الجمارك، قانون الشغل، قانون المنافسة، القانون التجاري…و ما الى ذلك )، مما يخلق لنا صعوبة في الالمام بكل ما يتعلق بموضوع القانون الجنائي للأعمال على خلاف بعض القوانين الأخرى التي تكون أكثر تحديدا. و هناك جانب من الفقه قام بتقسيم القانون الجنائي للأعمال الى قسمين ( قانون جنائي خاص للأعمال و قانون جنائي عام للأعمال )، و يشمل القانون الجنائي الخاص للأعمال  الجرائم التالية : جريمة السرقة، جرائم الشركات كالتعسف في استعمال أموال الشركة و جرائم القيم المنقولة و جريمة اصدار شيك بدون رصيد و جريمة التفليس بالتدليس، جرائم الصرف.

أما بالنسبة للقانون الجنائي العام للأعمال يشمل الجرائم التالية : الجرائم المتصلة بالقانون الضريبي كالغش الجبائي و التهرب الجبائي، الجرائم الجمركية القائمة على الركن المادي دون المعنوي، جرائم قانون الشغل، جرائم المنافسة، جرائم الصفقات العمومية. فمن خلال هذه الجرائم نجد أن التيار الفقهي قد اكتفى بتقسيم القانون الجنائي للأعمال و فرز أنواع الجرائم التي تشكل القانون الجنائي للأعمال، و في حقيقة الأمر فان القانون الجنائي للأعمال هو فرع من فروع القانون الجنائي و لكن أي فرع نت فروع هذا القانون خاصة أنه بدوره ينقسم الى قسمين (القسم العام و القسم الخاص)، و من هنا يجب التأكيد بأن القانون الجنائي للأعمال هو أكثر فعالية من التدابير المدنية لتطهير مناخ الأعمال من جميع الجرائم و المخالفات التي تعيق السير الحسن للتجارة، و هو مجموعة من القواعد القانونية المنصوص عليها في قانون العقوبات و القوانين الجنائية الخاصة[4].

فمقولة أن القوانين الجنائية للأعمال هي قوانين خاصة بمجال معين لا يمكن الأخذ بها على اطلاقها، فهناك قوانين و ان كانت تتوجه بالخطاب الى رجال الأعمال فانها مع ذلك تهم مجالات اقتصادية عديدة، و من بين هذه القوانين نجد قانون رقم 31.08 المغربي القاضي بتحديد تدابير لحماية المستهلك الذي يتوجه بصفة عامة الى كل رجل أعمال يتصرف في اطار نشاط مهني أو تجاري و هو ما عبر عنه المشرع بالمورد، فقواعد هذا القانون هي قواعد عامة و مجردة، و الأمر خلاف ذلك بالنسبة للقوانين الأخرى الخاصة أو المتخصصة في مجال اقتصادي معين كالقانون التجاري الذي يتوجه بالخطاب الى التاجر[5] .

فيمكن القول بأنه ليس هناك تعريف واحد للقانون الجنائي للأعمال، و كل ما يمكن قوله أنه فرع قانوني يحكم عالما يسمى عالم الأعمال دون امكانية التعرف على حدوده بدقة.

ثانيا : خصوصية القانون الجنائي للأعمال

من بين خصائص القانون الجنائي للأعمال نجد :

1 – أنه يعتمد على على مبدأ الشرعية أي لا جريمة و لا عقوبة و لا تدبير أمن الا بنص ، بمعنى يجب أن يكون هناك نص يجرم الفعل و يقرر له العقوبة المناسبة و بالتالي مبدأ الشرعية يأخذ في القانون الجنائي للأعمال بنفس المفهوم في الفروع الأخرى.

2- أنه عبارة عن نصوص قانونية جنائية و جزائية متناثرة بين عدة فروع قانونية.

3- أنه متعدد المصادر و تظهر تعدديته في أنه لا يكتفي بأحكامه بما ورد في قانون العقوبات، بل يمتد الى باقي الأحكام الجزائية المنصوص عليها في قوانين ليست بالضرورة أن تكون قوانين جنائية.

كما أن قواعد القانون الجنائي للأعمال تتميز بالخصوصية التي تتماشى مع مجال الأعمال و الذي يتميز بالسرعة و المرونة و الصرامة، و يمكن حصر خصائص الجرائم المرتكبة في مجال الأعمال فيما يلي[6] :

ترتكب هذه الجرائم من طرف رجال الأعمال و الأشخاص ذوي النفوذ السياسي و الاقتصادي، و تقع هذه الجرائم في حيز الاخلال بقواعد التجارة و الأعمال، و تختلف عن الجرائم التقليدية التي تخلف أضرارا جسدية و نفسية، و يكون تحقيق الربح المادي غير المشروع في فترة زمنية هو الغاية من جرائم الأعمال (و من بين أبرز مثال عن جرائم الأعمال نجد اصدار شيك بدون رصيد و الاستعمال التعسفي لأموال الشركات و ائتمانها)، أنها تلحق ضررا بالغا بالثقة و المصدقية في القطاع الاقتصادي، و لها تأثير على القطاع الاقتصادي للمجتمع يتعدى مسألة الاعتداء على الأفراد.

المطلب الثاني : أركان القانون الجنائي للأعمال

من بين أركان القانون الجنائي الأعمال نجد الركن القانوني و الركن المادي (الفقرة الأولى)، و الركن المعنوي (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى : الركن القانوني و الركن المادي للقانون الجنائي للأعمال

سنعالج هذه الفقرة من خلال الركن القانوني (أولا)، و الركن المادي (ثانيا).

أولا : الركن القانوني للقانون الجنائي للأعمال

نجد أن الجريمة بمفهومها القانوني هي التي يحددها القانون، و يحدد أركانها العامة و شروطها الخاصة، و قد عرفها القانون الجنائي المغربي في فصله العاشر بأنها ” عمل أو امتناع عن عمل مخالف للقانون الجنائي و معاقب عليه بمقتضاه ” و يستند هذا المفهوم الى مبدأ الشرعية في التجريم و العقاب ، و الذي يتلخص في مبدأ لا جريمة و لا عقاب الا بنص[7]. و الجرائم على أنواع مختلفة بحسب موضوعها و بحسب مرتكبها و هي قد تكون جرائم أخلاقية أو جرائم سياسية أو جرائم مالية اقتصادية أو جرائم الأعمال …و ما الى ذلك  من أنواع الجرائم و صورها. و جرائم رجال الأعمال شأنها شأن باقي الجرائم تتخذ أشكالا و صور عديدة تبعا لتطبيق مبدأ الشرعية و العقاب.

ثانيا : الركن المادي للقانون الجنائي للأعمال

بالنسبة للركن المادي للقانون الجنائي للأعمال نجد جرائم رجال الأعمال تجمع بين السلوك الاجرامي الايجابي و السلبي و هو ما يمثل حسب التعريف أعلاه ” عمل أو امتناع عن عمل ” أو ما يطلق عليه ” الفعل أو الترك “، و بالرجوع الى نصوص القانون الجنائي للأعمال يتبين أن أغلب الجرائم المنصوص عليها في هذا القانون هي جرائم ايجابية و من بين صورها نجد تضمين عقد الشركة  اقرارات كاذبة تتعلق بنوزيع حصص رأس المال، أما الجرائم ذات الفعل السلبي فهي قليلة و من بين صورها نجد اغفال المراقب وقائع جوهرية عمدا في التقرير الذي يدم للجمعية العامة وفقا لأحكام الشركات[8] . و قد تكون جرائم رجال الأعمال بسيطة، و قد تكون معقدة عندما تتم على مراحل و تتضمن أنشطة مادية متعددة، و قد تكون لها تفاعلات دولية عندما تتم في نطاق أكثر من دولة و بمساعدة العديد من الأشخاص من جنسية مختلفة، و هي غالبا ما تتخذ صور الجريمة المنظمة و ترتكب في اطار مشروع اجرامي قائم على أشخاص يوحدون جهودهم من أجل القيام بأنشطة اجرامية على أساس دائم و مستمر[9] .

الفقرة الثانية : الركن المعنوي للقانون الجنائي للأعمال

فيما يخص الركن المعنوي للقانون الجنائي للأعمال نجد أن جرائم  رجال الأعمال قد تكون عمديةأو غير عمدية، فالجرائم العمدية تتطلب لقيامها توافر الركن المعنوي مثل جريمة اساءة استعمال أموال و اعتمادات الشركة التي نصت عليها المادة 384 من القانون رقم 17.95  المتعلق بشركات المساهمة المغربي، و كذلك جريمة توزيع أرباح وهمية، فهاتين الجريمتين هما خير مثال على مسايرة المشرع المغربي لأحدث الجرائم و السلوكات الجرمية الواقعة على الذمة المالية للشركة المرتكبة من طرف رجال الأعمال أو مسيرو الشركات، و يأتي تجريم مثل هذه الأفعال في اطار حرص المشرع الجنائي على حماية الحقوق و المصالح المتواجدة في المشروع و على رأسها حقوق المساهمين و الدائنين و كل المتعاملين معه و حقوق المشروع أو المؤسسة نفسها. و قد تكون جرائم رجال الأعمال غير عمدية يكفي فيها الركن المادي و منها جريمة عدم تعيين مراقب الحسابات أو عدم استدعائه الى جمعيات المساهمين طبقا للمادتين 170 و 403 من القانون رقم 17.95 المذكور أعلاه، و هي جرائم تقوم بمجرد اثبات التصرفات المادية المكونة لها و ذلك لعدم ورود أية عبارة صريحة في النص المعاقب عليها تفيد ضرورة قيام الركن المعنوي للجريمة و من تم فان اهمال المتصرف القيام بالواجبات المفروضة عليه دون حاجة لاقتراف ذلك بسوء نية، يكفي في حد ذاته لقيام الجريمة، و هنا يجب الاشارة الى أن التجريم في اطار القواعد العامة يشترط العمد ما عدا في حالة الخطأ، أما في القواعد الخاصة بجرائم رجال ال‘مال فان العمد ليس ضروريا في كل جرائم الأعمال[10] .

 

المبحث الثاني : خصوصيات المتابعة والمسؤولية الجنائية في القانون الجنائي للأعمال

يتميز القانون الجنائي للأعمال بمجموعة من المميزات خاصة في اطار المتابعة (المطلب الأول)، و كذلك من حيث المسؤولية الجنائية و الجزاء (المطلب الثاني).

المطلب الأول : المتابعة الجنائية في القانون الجنائي للأعمال

فيما يتعلق بالمتابعة الجنائية في القانون الجنائي للأعمال سيتم التطرق فيها الى مميزات مساطر هذه المتابعة (الفقرة الأولى)، و تحريك المتابعة الجنائية من طرف جهاز النيابة العامة (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى : مميزات مساطر المتابعة الجنائية في القانون الجنائي للأعمال

ن بين مميزات مساطر المتابعة الجنائية في القانون الجنائي للأعمال نجد مؤسستي الصلح و التحكيم (أولا)، و الاختصاص القضائي (ثانيا).

أولا : مؤسستي الصلح و التحكيم

بالنسبة للصلح نجد المشرع المغربي اتجه الى اقرار حل الصلح  في الميدان الجزري بالنسبة لبعض الجرائم البسيطة التي لا تترك أي أثر سيئ، و لقد حدد المشرع المغربي في اطار الفصل 41 من قانون المسطرة الجنائية الصلح في الجنح التي لا تتجاوز عقوبتها سنتين حبسا و غرامة مالية أقصاها 5000 درهم، و هذا المقتضى القانوني فتح مجالا واسعا أمام بعض جرائم الأعمال خاصة جرائم الشركات و الجرائم الجمركية كبديل لحل النزاع على خلاف الجرائم المتعلقة بالعنف و التي تسري عليها المسطرة القضائية العادية[11].

أما بالنسبة للتحكيم فنجده ظهر كبديل لفض و حل النزاعات التجارية نظرا للمزايا التي يوفرها، باعتباره يضمن للمتقاضين عدالة فعالة و سريعة لاقتناء حقوقهم، و ذلك أن سرعة الحسم في النزاعات التجارية أصبح أمرا ضروريا خصوصا في ظل التطور الهائل ذي الوتيرة السريعة الحاصلة في ميدان التكنولوجيا و العلم، حيث ينعكس على الاقتصاد و السوق و على العقود التجارية التي يتنامى حجم التزاماتها مع ما يتطلب ذلك من وجوب سرعة حسم النزاعات الناشئة عنها[12].

ثانيا : الاختصاص القضائي

لا جدال بأن القضاء يعتبر أحد ركائز التنمية و بات القاضي غير مقتصر على الفصل في المنازعات فقط، بل أصبح القاضي الاقتصادي يتدخل بموجب هذه القوانين في حياة الشركات و تسيير المقاولات، و هو مطالب بمنح الثقة اللازمة لكل الفاعلين الاقتصاديين و المستثمرين ، و بغية تحقيق هذه الغايات راهن المغرب على قضاء تجاري متخصص و رفيع المستوى، و هو ما استلزم احداث محاكم تجارية، و بتتبع المرامي البعيدة للمشرع من وراء احداث المحاكم التجارية يتبين أن المشرع المغربي تبنى مفهوما جديدا لعمل النيابة العامة في ميدان الأعمال و التجارة، و يظهر ذلك بصفة خاصة في ميدان مساطر معالجة صعوبات المقاولة، اذ تعتبر مؤسسة النيابة العامة هي صلة الوصل بين المحكمة التجارية و المحيط الاقتصادي و الاجتماعي لهذه المحاكم[13] .

الفقرة الثانية : تحريك المتابعة من طرف جهاز النيابة العامة 

تنص المادة 2 و المادة 3 من القانون المحدث للمحاكم التجارية رقم قانون 53.95 على أن جهاز النيابة العامة من بين هياكل هذه المحاكم، لذلك ظهرت اشكالية بهذا الخصوص تتعلق بالدور الوظيفي للنيابة العامة لدى المحاكم التجارية بخصوص مباشرة الدعوى العمومية عن الجرائم الاقتصادية التي تصل الى علمها بمناسبة تدخلها في المساطر القضائية التجارية (اأولا)، أم أنه لا بد في جميع المتابعات المتعلقة بجرائم الأعمال من الرجوع فيها الى النيابة العامة لدى المحاكم العادية (ثانيا).

أولا : النيابة العامة لدى المحاكم التجارية

جاء في نص المادة 436 من مدونة التجارة على أنه الى أن يتم احداث محاكم متخصة في النزاعات التي تنشأبين التجار أو لتطبيق هذا القانون وفق النصوص التشريعية الجاري بها العمل، كما جاء في المادة 454[14] من القانون رقم  17.95 و المادة 131[15] من القانون 5.96 جاءت تأكيد نفس المقتضى، و هو ما يستخلص من أن الاختصاص للبث في المنازعات التي تضمنتها هذه القوانين تسند الى المحاكم العادية الى حين انشاء قضاء مختص، و هذا ما حدث بالفعل بعد احداث القضاء التجاري و حصر الاختصاص المنوط بها في الخلافات التجارية ذات الطابع المدني.

لكن جهاز النيابة العامة بالمحاكم التجارية ظل محدود في المادة 5 من القانون 53.95 دون القضايا الجنحية، و بالتالي لا يمكن للنيابة العامة بالمحاكم التجارية تحريك الدعوى العمومية، هذا و في الوقت الذي اعتبر فيه البعض الاخر من الفقه[16] أن النيابة العامة يمكن في مجال الأعمال أن تتخذ التدابير في ميدان ردع الممارسة لتي قد تظهر لها، و استدل بالتجربة الفرنسية حيث قامت النيابة العامة أمام المحاكم التجارية في سبعينات القرن العشرين بمجموعة من المبادرات كرست بالتدريج سياسة جنائية في المادة الاقتصادية و المالية، و بذلك تكون النيابة العامة لدى المحاكم التجارية بالمغرب لا تملك حق تحريك المتابعة الجنائية في مواجهة الأشخاص الذين قد يكشف البحث على أنهم مرتكبون لجرائم اقتصادية كل ما يمكنها أن تفعل هو احالة الملف على النيابة العامة المختصة لدى المحاكم العادية قصد اجراء المتابعة وفقا لما يقتضيه القانون. و بالتالي يؤكد الفقه كذلك [17] على اقتصار دور النيابة العامة على الاخبار بالجرائم التي تكتشفها بمناسبة دراسة الملفات التي تحال عليها، مما يؤدي للتقليص من حجمها و يجعلها مجرد أداة اخبارية تقوم بدور اعلامي فقط، كما أن جانب اخر من الفقه[18] أشار الى أن ضمان حسن سير العدالة كان يقضي اسناد السهر على اجراءات البحث التمهيدي الى النيابة العامة لدى المحاكم التجارية، على أن تحيل البحث بعد انجازه الى المحكمة المختصة، الا أنه مع ذلك فان مثل هذا الاقتراح يحاول فقط البحث عن وظيفة جنائية للنيابة العامة لدى المحاكم التجارية في ظل القانون الحالي، في حين أن الاشكال هو غياب نص قانوني يخول لها القيام بالاختصاص الأصلي للنيابة العامة و الذي هو مباشرة و تحريك الدعوى العمومية. و لعل هذا ما جعل بعض الفقه[19] يعتبر النيابة العامة لدى المحاكم التجارية مؤسسة كبيرة ذات صلاحيات ضيقة مادام لم يتم التفكير في اسناد تحريك الدعوى العمومية في الجرائم اللاقتصادية ال هذه المحاكم ، علما أنه من مصلحة المتقاضين أن تبث المحكمة التجارية في الملفات الممتضمنة لوقائع جنحية تجارية لعدة اسباب أهمها أن القضاء التجاري قضاء مختص و المسطرة أمامه فعالة و سريعة فضلا عن أنه يمكن من حماية النسيج الاقتصادي و الحفاظ على توازن الدورة الاقتصادية[20] .

ثانيا : النيابة العامة لدى المحاكم العادية

النيابة العامة لدى المحاكم العادية تبقى هي المختصة بتحريك الدعوى العمومية المتعلقة بتطبيق النصوص الجنائية للأعمال، و هذا الأمر يجد سنده في كون المشرع المغربي لم ينشأ محاكم اقتصادية مختصة في الجرائم الاقتصادية.

هكذا نجد النيابة العامة لدى المحاكم العادية تعالج الملفات المحال عليها بخصوص الجرائم العادية و تقوم بنفس الأمر بخصوص الملفات المتعلقة بالجرائم الاقتصادية أو جرائم الأموال ، فنفس قضاة النيابة العامة يقومون بالاشراف على البحث التمهيدي المتعلق بالجرائم الاقتصادية، و الغريب في الأمر أنه على مستوى التنظيم القانوني لجرائم الأعمال بالمغرب أن هناك جرائم يرجع أمر الكشف عنها للنيابة العامة لدى المحاكم التجارية أو لقضاء الحكم بها، الا أن تحريك الدعوى العمومية فيها و البث في الأفعال المنسوبة للمخالف جنائيا راجع و بشكل حصري للنيابة العامة لدى المحاكم العادية و قضاة الحكم لديها[21]، و من الأمثلة على ذلك نجد جرائم المقاولات[22] التي يتم اكتشافها في اطار صعوبات المقاولة و فيها قد تكتشف النيابة العامة لدى المحكمة التجارية المختصة جرائم للأعمال لها علاقة بالمقاولة و صعوبات المقاولة ، الا أنها و مع ذلك لا يحق لها اجراء متابعة جنائية في الموضوع، و كل ما تملكه هو احالة ما اكتشفته على المحكمة العادية و هي المحكمة الابتدائية أو محكمة الاستئناف التي تقوم بواسطة النيابة العامة لديها بتحريك الدعوى العمومية.

و مثال ذلك نجد الأحكام التجارية المتعلقة بتحريف أو تزييف حق من حقوق الملكية الصناعية و التجارية خاصة العلامة التجارية، تصدر بحضور ممثل النيابة العامة لدى هذه المحاكم [23] بل انها تدلي بملتمساتها و مستنتجاتها في الملف موضوع النازلة و تحديد مطالبها التي لا تخرج عن المطالب مدنيا بتطبيق القانون، و هذا ما أكده حكم صادر عن المحكمة التجارية بمكناس[24] .

المطلب الثاني : المسؤولية الجنائية و الجزاء في القانون الجنائي للأعمال

سنعالج في هذا المطلب المسؤولية الجنائية في القانون الجنائي للأعمال (الفقرة الأولى)، و مميزات الجزاء (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى : المسؤولية الجنائية في القانون الجنائي للأعمال

سنتطرق للمسؤولية الجنائية لرجال الأعمال (أولا)، و نطاق هذه المسؤولية (ثانيا).

أولا : المسؤولية الجنائية لرجال الأعمال

ان سوء تسيير المشروع الاقتصادي أو المالي يكتسي خطورة بالغة على استقرار المعاملات المالية و الاقتصادية، و للحد من عواقب و أخطار سوء الادارة و التسيير في هذا الميدان، و من أجل حث رجال الأعمال على بدل قصارى جهدهم في تدبير معاملاتهمو أعمالهم و العمل بحسن نية، فقد تدخل المشرع للنص على جزاءات صارمة تطال كل رجل أعمال ثبتت في حقه افعال محددة لها أثر سلبي على الاقتصاد الوطني بصفة عامة و على مصالح المتعاملين معه بصفة خاصة، فالمسؤولية المدنية كالمسؤولية عن الديون الناتجة عن الخطأ في التسيير و لم تعد كافية للحد من سوء التسيير مما جعل المشرع يقرر مسؤولية رجال الأعمال الجنائية. فالمسؤولية الجنائية لرجال الأعمال تخضع في احكامها للقواعد العامة المنصوص عليها بالقانون الجنائي للأعمال، لأن هذا الأخير يحدد نطاق المسؤولية الجنائية من حيث الشروط الخاصة للجرائم، في حين أن القانون الجنائي العام يبقى هو الأصل في تحديد مسؤوليتهم الجنائية من حيث المبادئ و الأحكام العامة، و من حيث الفاعل الأصلي و المساهم و المشارك في الجريمة و المحاولة، و من حيث عناصر المسؤولية المبنية على سلامة العقل و القدرة على التمييز و اسباب انعدامها. فرجل الأعمال شأنه شان باقي الأشخاص يمكنه أن يسأل في اطار القانون الجنائي عن كل فعل مجرم من طرف المشرع أثناء أدائه لمهامه كالتزوير و النصب و الاحتيال و خيانة الأمانة …و هي الجرائم التي تخضع في تطبيقاتها للقواعد العامة في الزجر و العقاب ، و في نفس الوقت فهو يسأل في اطار القوانين الخاصة أو القانون الجنائي للأعمال عن الاخلال بالالتزامات المفروضة عليه قانونا، و الجرائم المرتكبة من طرفه بمناسبة نشاطه و أعمالهكما هو الحال بالنسبة للالتزامات المنصوص عليها بالقانون التجاري و قانون الشركات[25] .

و تبعا لذلك فان نطاق المسؤولية لرجال الأعمال تتحدد في كل المخالفات التي لها علاقة بنشاطهم و أعمالهم المالية و التجاريةو غيرها…، و تبدأ من مرحلة التأسيس مرورا بالتسيير و اللادارة و المراقبة وصولا الى رأس المال و جمعيات المساهمين و حل المشروع أو المؤسسة، و المشرع يهدف من كل ذلك الى ارساء و ترسيخ نوعا من الانضباط و سد كل الثغرات في مجال الأعمال لينضبط لأهداف و غاية السياسة الجنائية في البلاد.

ثانيا : نطاق المسؤولية الجنائية لرجال الأعمال

قد وسع المشرع من نطاق المسؤولية الجنائية لرجال الأعمال لتطال رج الأعمال باعتباره جهازا جماعيا كما هو الأمر بالنسبة للشركات التجارية حيث تكون الادارة للممثل أو ممثلين عنها كمجلس الادارة مثلا و الذي يتمتع في هذه الحالة بصفة الشخص المعنوي الذي له حق التسيير و الادارة، و يسأل جنائيا مثله مثل الشخص الطبيعي مع فارق على مستوى العقوبات. و هنا نجد المسؤول القانوني الذي يتولى مهام الادارة و التسيير لاعماله و هو رجل الأعمال، كما نجد المسؤول الفعلي و هو الذي ينصب نفسه في اطار سياسة الأمر الواقع و بعيد عن الضوابط القانونية. كما أن نطاق المسؤولية الجنائية يمتد للشخص الطبيعي و الشخص المعنوي الى كل من المسؤول القانوني و الفعلي و الواقعي ، فكل منهم يتعرض للجزاء حال اتيانه لأفعال ذات طابع جرمي لها علاقة بمجال أعماله. اضافة الى ذلك فان نطاق المسؤولية يمتد ليطال حتى المسؤول الواقعي و هو ما يسمى بالمسؤول المستتر الذي لا يظهر في وثائق المشروع الرسمية بل يكلف شخصا بدله ليظهر بمظهر المالك أو المسير القانوني و يبقى هو يعمل في الخفاء اما بسبب حظر أو منع ممارسة بعض الأعمال المالية عليه كما هو الحال بالنسبة للموظف العمومي الذي تتنافى وظيفته مع ممارسة النشاط التجاري … فلكي يخرج من هذه الحالة يجب عليه تأسيس شركة أو مشروعا تجاريا أو ماليا في اسم أحد المقربين له كزوجته أو أحد أبنائه، و متى ثبتت مسؤولية هذا الشخص الا و تعرض للجزاء كفاعل اصلي أو مساهم أو شريك بحسب الاحوال و الظروف[26].

الفقرة الثانية : مميزات الجزاء في القانون الجنائي للأعمال

سنتطرق في هذه الفقرة عن الجزاء فيما يتعلق بجرائم رجال الأعمال (أولا)، و فيما يتعلق بالظروف المؤثرة في العقوبة (ثانيا).

أولا : فيما يتعلق بجرائم رجال الأعمال

ان جرائم رجال الأعمال لا تستهدف روح الانسان و حريته بقدر ما ترمي الى الحصول على الأموال بطرق غير مشروعة او الاعتداء على السياسة الاقتصادية و المالية المتبعة، فلما كان الأمر كذلك نجد أغلب التشريعات تخصص عقوبة خاصة تواجه بها مرمي الأعمال و هي العقوبة المالية، و لذلك فان أهم ما يتميز به القانون الجنائي للاعمال هي خصوصية العقوبة التي غالبا ما تتخذ صورة الغرامة، و هذه الغرامة هي العقوبة الكفيلة بردع هؤلاء المجرمين ما دامت أهدافهم الاجرامية تكمن في الحصول على المال بطرق غير مشروعة، غير أن ذلك لا يعني بالضرورة اقصاء العقوبات السالبة للحرية، و يجب الاشارة ان العقاب بالغرامة يعفي النيابة العامة من اثبات اتجاه ارادة الجاني الى ارتكاب الجريمة، لكن فداحة الأعمال الاجرامية في مجال الأعمال جعلت المشرع المغربي لا يقتصر على الغرامات لوحدها، بل نص على على عقوبات سالبة للحرية تناسب خطورة الجريمة و المجرم كجريمة النصب حسب الفصل 540 من القانون الجنائي و جريمة اصدار شيك بدون رصيد[27].

ثانيا : فيما يتعلق بالظروف المؤثرة على العقوبة 

بالنسبة للظروف المؤثرة على العقوبة فانها تتجلى في ظروف التشديد و ظروف التخفيف و وقف التنفيذ، و هي لها خصوصية تميزها عن القواعد العامة. فالبانسبة لظروف التشديد نلاحظ أن العود كظرف مشدد له مفهوم خاص في هذا القانون و نستنتج صرامة المشرع المغربي في معاملة العائدين الى الجريمة مما يدل على رغبته في فرض مظلة جنائية كبيرة لحماية الاقتصاد الوطني بصفة عامة، و تتميز أحكام وقف التنفيذ و ظروف التخفيف بخاصية أساسية في هذا المضمار مؤداها أن النزول عن الحد الأدنى للغرامات يعتبر محظورا على المحكمة و لا يمكن لهذه الأخيرة الأمر بايقاف التنفيذ في الغرامات[28].

 

و في الختام  يتبين لنا من خلال دراسة مفهوم القانون الجنائي للأعمال أنه مفهوم واسع و شائك يعتريه غموض، و يصعب تحديد تعريف له. كما يتبين لنا من حيث خصوصياته أن النصوص القانونية المتعلقة به تتضمن مزايا تميزه و تتماشى مع طبيعة مجال المال و الأعمال ، الشيء الذي يؤدي الى كبح الانحراف الاقتصادي المهيمن في مجال الأعمال.

اضافة الى ذلك و على الرغم من تأكد الادارة التشريعية الهادفة للضرب على أيدي أشخاص القانون الاقتصادي بقوة.. تسمح بالحد من ممارساتهم و أفعالهم المهددة لميدان الأعمال، و على سد الفراغ الحاصل في الجرائم المرتكبة أثناء تداول الثروة و المال التي ظلت بعيدة عن المساءلة لمدة طويلة، و الحرص على اشعار رجال الأعمال الفاسدين بأنهم غير معفيين من الملاحقة الجنائيية.

و عليه فان المقتضيات المتعلقة بالقانون الجنائي للأعمال يعتريها نوع من الفشل و المحدودية و عدم الفاعلية في محاربة الانحراف الاقتصادي لأنها مرتبطة بالخيارات التشريعية في المجال الجنائي للأعمال، الشيئ الذي أدى بنا الى ابداء مجموعة من النتائج التي يمكن تلخيصها في ما يلي :

عدم فعالية القانون الجنائي للأعمال بسبب ظاهرة تضخم نصوصه.

اهدار فعالية نصوص القانون الجنائي للأعمال عن طريق الية التفويض التشريعي.

الاستعمال غير العقلاني لتقنية الاحالة من نص لاخر.

افشال العقوبة الجنائية في مجال الأعمال من خلال الية الصلح حيث يستهدف الدعوى العمومية باسقاطها الشيء الذي يؤدي الى تعطيل انفاذ الجزاءات الجنائية.

 

لائحة المراجع :

الكتب :

-فؤاد معلال، كتاب بعنوان ” الملكية الصناعية و التجارية، دراسة في القانون المغربي و الاتفاقيات الدولية “، الطبعة الاولى دار الافاق المغربية للنشر و التوزيع بالدار البيضاء.

-عبد السلام بنحدو، كتاب بعنوان ” الوجيز في القانون الجنائي المغربي “، المطبعة و الوراقة الوطنية بمراكش، الطبعة الخامسة لسنة 2005.

-حسيني أحمد الجندي، كتاب بعنوان ” القانون الجنائي للمعاملات التجارية، الكتاب الأول القانون الجنائي للشركات “، دار النهضة العربية سنة 1989.

-محمد أمين الرومي، كتاب بعنوان ” غسل الأموال في التشريع المصري و العربي “.

-محمد جوهر، كتاب بعنوان ” منشورات القانون الجنائي للأعمال “، جامعة حسن الثاني بعين الشق كلية العلوم القانونية و و الاقتصادية و الاجتماعية بالدار البيضاء.

-نور الدين لعرج، كتاب بعنوان ” مبادئ القانون التجاري “، مطبعة السليكي اخوان، الطبعة الأولى 2004-2005.

-عبد المجيد غميجة، كتاب بعنوان ” دور العدالة الجنائية في ميدان الأعمال و الاقتصاد، المقاولة و السياسة الجنائية.

-لحسن بيهي، كتاب بعنوان ” الشكلية في ضوء قانون الشركات التجارية المغربي “، مكتبة دار السلام بالرباط 2005.

المقالات :

-السعدي عبد الهادي، مقال بعنوان ” القانون الجنائي للأعمال بين التجريم و الخصوصية “، منشور بمجلة القانون و الأعمال الدولية

-مقال بعنوان ” شرح معنى القانون الجنائي للأعمال “، منشور عبر الموقع الالكتروني :

Hbarabic.com

-مقال بعنوان ” شرح مفهوم و تطور القانون الجنائي للأعمال “، منشور عبر الموقع الالكتروني :

Zemmora.yoo7.com

-اطراسي محمد الصديق، مقال بعنوان ” مدخل لدراسة القانون الجنائي للأعمال “، منشور بمجلة القانون و الأعمال الدولية.

-أحمد اشمارخ، مقال بعنوان ” اختصاصات النيابة العامة لدى المحاكم التجارية “، منشور بمجلة المحاكم المغربية.

-عبد الله درميش،مقال بعنوان ” الاشكاليات التي يطرحها قانون المحاكم التجارية “، منشور بمجلة المحاكم المغربية.

-أنس الشتيوي، مقال بعنوان ” اشكالية تدخل النيابة العامة في قضايا الشركات التجارية “، منشور بمجلة المتوسط للدراسات القانونية و القضائية 2016.

القوانين :

-القانون الجنائي المغربي.

-قانون رقم 17.95 المتعلق بشركات المساهمة.

-قانون رقم 5.96 المتعلق بشركة التضامن و شركة التوصية البسيطة و شركة التوصية بالأسهم و الشركة ذات المسؤولية المحدودة و شركة المحاصة.

-قانون رقم 15.95 المتعلق بمدونة التجارة.

-قانون رقم 73.17 المتعلق بصعوبات المقاولة.

-قانون رقم 53.95 المتعلق باحداث المحاكم التجارية.

القرارات أو الأحكام المنشورة أو غير المنشورة :

-قرار رقم 669 الصادر بتاري 26/05/2010 في الملف التجاري عدد 1803/10/09 عن محكمة استئناف التجارية بمراكش، منشور بمجلة المحاكم التجارية عدد 8 و 9 شتنبر .

-الحكم عدد 119 و الصادر بتاريخ 2008/05/29 في الملف التجاري عدد 1044- 07 – 04 غير منشور.

 

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى