مشروع قانون المالية 2027: هل تنتقل الميزانية من تدبير الأرقام إلى صناعة الأثر؟ ياسين الفاطمي

مشروع قانون المالية 2027: هل تنتقل الميزانية من تدبير الأرقام إلى صناعة الأثر؟
ياسين الفاطمي
باحث في المالية العامة
إطار بوزارة الصحة والحماية الاجتماعية
لا تقاس أهمية قانون المالية فقط بحجم الاعتمادات التي يرصدها، ولا بنسبة العجز التي يستهدفها، ولا حتى بمعدل النمو المتوقع في نهاية السنة. فالميزانية، في معناها الحديث، هي قبل كل شيء تعبير رقمي عن اختيارات الدولة، ومرآة لأولوياتها الاقتصادية والاجتماعية، وأداة لإعادة توزيع الموارد والفرص بين المواطنين والمجالات الترابية.
ومن هذه الزاوية، يأتي إعداد مشروع قانون المالية لسنة 2027 في سياق استثنائي نسبيًا، بالنظر إلى حجم التحولات التي يعرفها المغرب، وتسارع الأوراش الاجتماعية والاستثمارية، وتزايد الحاجة إلى الماء والطاقة والبنيات التحتية، فضلًا عن ضرورة معالجة تحديات التشغيل والقدرة الشرائية والفوارق المجالية. ولذلك، فإن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يرافق النقاش حول ميزانية 2027 ليس فقط: كم ستنفق الدولة؟ وإنما أساسًا: ما الأثر الذي سيحدثه كل درهم عمومي يتم إنفاقه؟
- ميزانية 2027 واختبار الانتقال من النمو إلى الأثر
تقوم التوجهات المؤطرة لإعداد مشروع قانون المالية لسنة 2027 على أربع أولويات كبرى: توطيد المكتسبات الاقتصادية وتعزيز موقع المغرب ضمن الدول الصاعدة، وإطلاق دينامية جديدة للتنمية الترابية المندمجة، ومواصلة توطيد ركائز الدولة الاجتماعية، وتسريع الإصلاحات الهيكلية مع الحفاظ على توازن المالية العمومية.
وهي اختيارات تعكس إدراكًا بأن المرحلة المقبلة تحتاج إلى الجمع بين الاستثمار والإدماج الاجتماعي والاستدامة المالية. غير أن التحدي الأكبر لن يكون في صياغة هذه الأولويات بقدر ما سيكون في ترجمتها إلى نتائج يلمسها المواطن في حياته اليومية.
فقد أصبح من الضروري تجاوز القراءة التقليدية للنمو الاقتصادي باعتباره غاية في ذاته. قد يرتفع الناتج الداخلي الخام، وقد تتحسن بعض المؤشرات الماكرو-اقتصادية، دون أن يشعر المواطن بالتحسن بالدرجة نفسها، خصوصًا عندما لا ينعكس النمو بالسرعة المطلوبة على فرص الشغل والدخل والخدمات العمومية وتقليص الفوارق.
ومن هنا، ينبغي أن تجعل ميزانية 2027 من جودة النمو سؤالا مركزيا: أي نمو نريد؟ وأي قطاعات ينبغي أن تقوده؟ وكم من فرصة شغل يستطيع خلقها؟ وما نصيب الشباب والمقاولات الصغيرة والمتوسطة والمجالات الأقل استفادة من الدينامية الاقتصادية؟
- الاستثمار العمومي: المطلوب ليس الإنفاق فقط
حقق المغرب خلال السنوات الأخيرة دينامية استثمارية مهمة، مدفوعة بأوراش البنيات التحتية والطاقة والماء والنقل والصناعة والتحول الرقمي. لكن المرحلة المقبلة تفرض الانتقال من سؤال حجم الاستثمار إلى سؤال مردوديته الاقتصادية والاجتماعية والترابية.
فالاستثمار العمومي الناجح ليس بالضرورة المشروع الأعلى كلفة، وإنما المشروع القادر على خلق أكبر قيمة مضافة مستدامة، وتحريك الاستثمار الخاص، وخلق فرص الشغل، وتحسين جاذبية المجالات الترابية.
وهنا تبرز أهمية أن يرتبط توزيع الاعتمادات في مشروع قانون المالية 2027 بمؤشرات قابلة للقياس، حتى تصبح العلاقة واضحة بين الأموال المرصودة والنتائج المحققة. وهذا في جوهره هو المنطق الذي كرسه القانون التنظيمي رقم 130.13 لقانون المالية، عندما دفع نحو الانتقال من ميزانية الوسائل إلى ميزانية البرامج والأهداف والنتائج.
وبالتالي، فإن النقاش البرلماني حول قانون المالية ينبغي ألا يتوقف عند سؤال: كم خصصنا لهذا القطاع؟ بل يجب أن يمتد إلى أسئلة أكثر دقة: ماذا سنحقق بهذه الاعتمادات؟ وفي أي أجل؟ وكيف سنقيس النتيجة؟ ومن يتحمل مسؤولية عدم تحقيقها؟
- الدولة الاجتماعية أمام امتحان الاستدامة
سيكون الورش الاجتماعي أحد أبرز اختبارات ميزانية 2027. فالمغرب راكم خلال السنوات الأخيرة إصلاحات واسعة مرتبطة بالحماية الاجتماعية والدعم الاجتماعي المباشر وإصلاح الصحة والتعليم.
لكن بناء الدولة الاجتماعية لا يمكن اختزاله في زيادة حجم التحويلات المالية. فنجاحها يقتضي بناء خدمات عمومية ذات جودة، وتحسين استهداف المستفيدين، ومحاربة الهدر، وضمان استدامة مصادر التمويل
والتحدي هنا مزدوج: فمن جهة، يتعين حماية القدرة الشرائية للفئات الاجتماعية التي تواجه ارتفاع تكاليف الحياة؛ ومن جهة أخرى، ينبغي تجنب تحول السياسة الاجتماعية إلى مجرد آلية دائمة لتعويض اختلالات اقتصادية كان الأولى معالجتها من الأصل عبر التشغيل والإنتاج وتحسين الدخل.
فأفضل سياسة اجتماعية على المدى الطويل تظل تلك التي تساعد المواطن على الانتقال من الحاجة إلى الدعم نحو القدرة على إنتاج الدخل وتحقيق الاستقلال الاقتصادي.
- التشغيل.. الرقم الذي يجب أن يتقدم على باقي الأرقام
قد يكون التشغيل أحد أكثر الملفات حساسية في ميزانية 2027، خصوصًا بالنسبة للشباب وحاملي الشهادات. ولذلك، ينبغي ألا يبقى التشغيل نتيجة جانبية منتظرة من النمو، بل أن يتحول إلى معيار لتقييم السياسات العمومية والاستثمارات والتحفيزات الجبائية.
فحين تمنح الدولة امتيازًا ضريبيًا أو دعمًا استثماريًا، يصبح مشروعًا التساؤل عن المقابل الاقتصادي والاجتماعي لذلك الامتياز: كم منصب شغل أحدث؟ ما طبيعة هذه الوظائف؟ وهل هي مستدامة؟ وهل استفادت منها المجالات التي تعاني معدلات أكبر من البطالة؟
وهذا يفتح الباب أمام تصور أكثر تقدما للسياسة الميزانياتية، يقوم على ربط جزء من التحفيز العمومي بنتائج قابلة للقياس في مجال التشغيل والاستثمار والإدماج الترابي.
- من العدالة الاجتماعية إلى العدالة الترابية
من أبرز التحولات التي ينبغي التوقف عندها في توجهات 2027 الحضور المتزايد للمجال الترابي داخل السياسة الميزانياتية.
فالمغرب ليس مجالًا اقتصاديا واجتماعيا متجانسا. والحاجيات تختلف بين الجهات، بل وبين الأقاليم والجماعات داخل الجهة الواحدة. لذلك، فإن المساواة الحسابية في توزيع الموارد قد لا تؤدي بالضرورة إلى العدالة.
العدالة الترابية تقتضي توجيه موارد أكبر نحو المجالات التي راكمت خصاصًا أكبر، وربط الاستثمار العمومي بمؤشرات موضوعية تتعلق بالفقر والبطالة والوصول إلى الصحة والتعليم والماء والنقل والاستثمار.
ومن شأن هذه المقاربة أن تمنح الجهوية المتقدمة مضمونًا ماليًا واقتصاديًا أقوى، لأن اللامركزية دون موارد كافية وقدرة على الاستثمار وصناعة القرار التنموي تظل محدودة الأثر.
- الماء والطاقة: من النفقات القطاعية إلى الأمن الاستراتيجي
لم يعد الاستثمار في الماء والطاقة مجرد سياسة قطاعية. لقد أصبح جزءًا من الأمن الاقتصادي والاجتماعي للمغرب.
فالإجهاد المائي يفرض تسريع الاستثمارات في تحلية مياه البحر، والربط بين الأحواض، وترشيد الاستعمال، وإعادة استخدام المياه العادمة، مع ضرورة إخضاع المشاريع لمنطق الفعالية والاستدامة.
والأمر نفسه ينطبق على الطاقة. فكلما نجح المغرب في تطوير مصادره المتجددة وتعزيز النجاعة الطاقية وتقليل التعرض لتقلبات الأسواق الخارجية، تحسن هامش استقلال قراره الاقتصادي والمالي.
لذلك، ينبغي قراءة الاعتمادات المخصصة للماء والطاقة في ميزانية 2027 باعتبارها استثمارات في السيادة الاقتصادية للمستقبل، لا مجرد نفقات تجهيز.





