
تأملات حول المنهج في بناء القول المعرفي
إنجاز: عبد الصمد نيت أكني
بسم الله الرحمان الرحيم
ليس هناك أي مانع من إبداء القول المعرفي في أمر لا تضيق فيه وجوه التأويل، ولا سبيل إلى حسم مادة الحكم فيه، لعدم وضوح الأصول المعتمدة في الحقل الذي ينتمي إليه الأمر، إلا أن إبداء القول مُسَوَّر بكليات منهجية توجهه للارتقاء به من مجرد الطرح، إلى غاية التأسيس، والتأصيل.
وقد وهم من سيظن أن إبداء القول مستغن عن قيد المنهج، مستمسكا بأن الأصل في الباحث الاستقلال والتجرد، والتقيدُ بالمنهج خلاف الأصل، ومعولا على مقاصده وحِكَمه فيما يراد منه من استثارة أنظار الباحثين، ولا يكون ذلك إلا عند التعالي عن الموجهات المنهجية، والاتكالِ على ما لدى الباحث من قدرة معرفية اكتسبها من النظر الواسع، والدائم في أصول حقل ما، وفصوله.
والحقُّ أن بناء القول ليس له باب سوى التقيد بموجهات منهجية (ولكن ليطمئن قلبي) [البقرة: من الآية 259]، يتفطن إلى معالمها كل من دقق النظر في الأقوال المعرفية التي صاغها، ويصوغها العلماء في مختلف حقول المعرفة، إذ لازم تجاوز المنهج عدمُ وضوح السبيل الذي سيسلك في التفاعل مع القول نقدا، وتقويما، فلا بد من وضوح الأساس المنهجي الذي اعتُمد عليه في بناء القول، حتى يكون المتفاعل بالنقد على بينة منه، للتأكد من تحقق مناطات ذلك الأساس فيما توصل إليه الباحث من أقوال.
ودونك بعضَ هذه الموجهات المنهجية التي أنصح بها نفسي أولا قبل غيري:
- الموجه الأول: قصد تبيّن الحقيقة
من خصال الباحث المُجَرَّذ المجرِّب سعيُه إلى تبيّن الحقيقة في الأمر الذي يراد بناء القول فيه، وهو ضامن للدقة في التأسيس، والجدة في المضمون، فهذا الباحث لا يستصحب توجها مسبقا في الموضوع، وإنما يستصحب براءة الموضوع من أي حكم معياري إلى أن يثبت بدليل يعبر عنه في قوله، فالمستصحِب الأول تبريري، والمستصحِب الأخير تأصيلي، فلا يستويان.
- الموجه الثاني: الاستقراء
ومعناه هنا محاولة الإحاطة بالمسألة وما يتصل بها من أصول، تختلف باختلاف الحقول المعرفية، ومن الصعب تحقيق الاستقراء التام في المسألة، وإنما المعولُ عليه هو بذل الوسع في جمع كل ما يفيد في دراستها، ومناقشة جزئياتها.
فأما الإحاطة بالمسألة؛ فالغرض منها استيعاب المسألة في إطارها الكلي، والجزئي، وتحصيل ما فيها من أقوال سابقة للعلماء.
وأما حصر الأصول التي لها تعلق بها؛ فالغرض منه توصيف المسألة، لاستجلاء القول المعرفي فيها.
وكلُّ تسرع في ضبط متعلقات المسائل؛ لا ينتج إلا قولا عقيما، لا يثلج صدرا، ولا يشفي أُوَاما.
- الموجه الثالث: رعي خصوصية الحقل المعرفي
لكل حقل معرفي أدبياته، وخصوصياته، اتفق علماؤه على ضرورة رعيها، وعدم الميل عنها، إذ بها تعرف هوية الحقل، ويتميز عن غيره من الحقول، وكلُّ قول حائد عنها فهو قول خارج الحقل، لا يُلتفت إليه، ولا يصرف الجهد لنقده، وتقويمه.
فإن قيل: يجوز إبداء القول في أدبيات الحقل، وخصوصياته، بدليل جريان عمل العلماء على ذلك.
أجيب : إبداء الرأي فيها جائز من باب فهم الأصول المنطقية للأسس المرجعية، والمنهاجية التي يستند إليها الحقل، ومن باب ترصينها، وتبيّن قيمتها، كما جرى بذلك عمل العلماء، وكما يبدو لكل من شدا طرفا من علم العلوم (الابستيمولوجيا)، وعلم مناهج العلوم (الميتودولوجيا)، ولا تناقض بين هذا وما ذكرناه ٱنفا، إذ بناء القول فيها لابد فيه –في الأخير- من رعي أدبيات علم العلوم، وعلم مناهجها، ولا يتصدر لهذا إلا خواص العلماء.
- الموجه الرابع: الانفتاح على مختلف الحقول المعرفية
لم يجد العلماء مانعا من مطالعة كل حقل معرفي سواء أ تعلق بالتخصص أم لم يتعلق، وذلك لما فيها من فوائد نفيسة تجعل القول أكثر دقة، وانسجاما، ولا يخفى ما يكون في قول مَن كان مقتصرا على حقل واحد مِن ضؤولة يلحظها الأكياس من العلماء.
فقد تظهر أمور في الموضوع لواسع الاطلاع لا يصل إليها نظر صاحب الحقل الواحد.
- الموجه الخامس: وجود إشكال حقيقي
من الحكمة اهتمام الباحث بالمسائل التي تحمل إشكالا حقيقيا، لا مفترضا، إذ من جنس العبث صرف النظر إلى تخييلات لا ينتفع بها سوى صاحبها، ولا تقدم أي إضافة للحقل المقصود، وحسْبُه من المسائل ما في صوغ القول فيها فائدة حقيقية للحقل، وللباحثين فيه، وغيرُ ذلك عِـــيٌّ، وحَصَرٌ.
- الموجه السادس: فهم الأسيقة واعتبارها
يحسن بالباحث في مسائل مخصوصة، وفي حقول مخصوصة، أن يفهم المسألة في سياقها، وأن يكون معتبرا لحيثياتها، طلبا للتناسب، والانسجام في القول المعرفي.
وفي عدم اعتبار الأسيقة ما فيه من انفصال القول عن مقتضيات السياق، ومتطلبات القرائن والأحوال.
والمقصود بالمسائل هنا كل ما له ارتباط بسياق ما، سواء أ كان ذلك متصلا بالأصول أم بالمحيط.
فأما مثال الأصول؛ فكفهم النصوص المرجعية، والأقوال المعرفية السابقة للعلماء في كل حقل، وضابطُ تنزيل موجه السياق هنا تابع لطبيعة الحقل المقصود، وأدبياتــه.
وأما مثال المحيط؛ فكرعي الزمان، والمكان، والأحوال، والذمم.
- الموجه السابع: عدم الخوض في أمور تنفرد المؤسسات بالنظر فيها
هناك مسائل يبنى القول فيها مؤسساتيا، لا انفراديا؛ للأسباب التالية:
- تعلقها بالنظام العام (الأمن العام- الصحة العامة- السكينة العامة).
- ارتباطها بالمصالح العامة، وبالسياسات العمومية، وبالأبعاد الاستراتيجية.
- تشعب جزئياتها، واتصالها بحقول معرفية أخرى، وبمقتضيات السياق المعاصر.
والخوضُ في مثل هذه المسائل من قبل الأفراد مهما علا الشأن المعرفي للفرد، لا يمكن أن يشفي الغلة، ولا أن ينتهي إلى ثلج اليقين، لاستقلال هذه المسائل بوضع خاص.
- الموجه الثامن: تخليق القول المعرفي
لا قيمة لقول بُني على منطق الاستعلاء، والإقصاء، واعتبارِ الذات مركزا للمعرفة، ومَن كان هذا حاله فقوله صيحة في واد، ونفخة في رماد، لأن الأصل في القول أنه عمل اجتهادي، والعملُ الاجتهادي ظني، وإفراغُ القول من الموجه القيمي مفضٍ بالضرورة إلى وثوقية، ودوغمائية ظاهرتين في لغة الباحث المتسمة بالقطعية والجزمية فيما يحتمل ويحتمل.
ومن هذا الباب كذلك: ضرورة تنزيه القول عن التجرؤ على علماء حقل ما، بأن يسعى الباحث إلى تخطئتهم أو تأثيمهم في مسائل تتسع فيها الأقوال، وتتنوع فيها الأنظار، فقد يكون لكل قول مسوغاته لا تظهر للمُخَطِّئ إلا بعد حين، إما لقلة الزاد، وإما لدواعٍ نفسية، وكلُّ ذلك من التسرع الذي لا نتيجة له سوى الخطأ غالبا، وفي المثل السائر: “الخطأ زاد العجول”.
- الموجه الأخير: تبعيد القول عما تأباه مسالك العقول
تجنيبُ القول كل ما لا يلائم مسالك العقول مما لا يجد الباحث عنه محيصا، لأنها مما اتفق العقلاء على مدحها، ووجوب الأخذ بها، والطريقُ إلى تحصيلها مَهْيَعٌ لمن أراد.
صحيح أن هذه المسالك منقوشة في ذهن كل فرد فرد، بدليل أنه حين يخالفها، أو يُنبَّه عليها يحس بذلك، ولكن هذا لا يمنع الباحث أن ينفتح على مفرداتها في مظانّها المعلومة، التي أحكمت صياغتها في قوانين سائرة، ككتب علم المنطق، وباقي العلوم التي تستثمر فيها كلياته، لا سيما ما له علاقة بالعلوم التي تورَد فيها الحجج، والاعتراضات، والبينات، والدفوعات.
ومما لا يلائم مسالك العقول في الأقوال مثلا: التناقض، والتعميم الفاسد، وعدم التفرقة بين عدم الوجدان وعدم الوجود، وعدم اعتبار قواعد التلازم والملزوم، وغيرُ ذلك مما هو بيِّنٌ لدى العلماء، والحَزَمَة من الباحثين.
واعلم بأن المتجاوز في قوله لمسالك العقول ذو زمانة محروم من المداخل المعتبرة للبناء، والتأسيس، والتأصيل.
هذه موجهات منهجية من موجهات كثيرة، يحتاج أمر ضبطها، وحصرها إلى تظافر الجهود بين الباحثين، بتتبع عمل العلماء في سبك الأقوال، وصوغها، مع رعي خصوصيات كل حقل حقل، إذ لا محيص عن درك هذه الموجهات، والسعي إلى التخلق بها عند العزم على بناء الأقوال، وتقويمها، دون إهمال ما تقتضيه أخلاقيات البحث من ضرورة التريث، والتبيّن في جميع مراحل البناء، والتأسيس، وأغلبُ الزلل في البناء إنما هو من جهة عدم التريث، والتبيّن، واللـــه أعلـــم.
ألهمنا الله الرشاد، وأصحبنا السداد، وجنبنا الخلاف، وحبّب إلينا الإنصاف.
والحمد لله رب العالمين.





