في الواجهةمقالات قانونية

نزع الملكية من أجل المنفعة العامة

 

 

ذ.عبد القادر الادريسي العرابي .محام متمرن بهيئة سطات سابقا

كاتب راي وفاعل جمعوي .باحث في المنازعات الادارية

حاصل على ماستر العمل السياسي و العدالة الدستورية

نزع الملكية من أجل المنفعة العامة

 

خلق الله الإنسان وجعله خليفته في الأرض إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وقد أقر الإسلام حق الإنسان الفرد في الملكية، فهي أساس حريته واستقلاله، وأنها الحافز والدافع للعمل والإنتاج والاستقرار والسلام في المجتمع (1)حيث  حظي حق الملكية بقدسية أغلب التشريعات، فالملكية بمقتضى المادة 17 من الإعلان العالمي لحقوق الانسان الصادر سنة 1789 تعتبر حقا مقدسا لا يجوز انتهاك حرمته ، ولا يجوز حرمان صاحبه منه، إلا إذا قضت بذلك ضرورة مصلحة عامة تبثت قانونا وبشرط التعويض العادل والمدفوع مقدما، كما أن دستور المملكة المغربية لفاتح يوليوز 2011 الذي يعتبر أسمى قانون في المملكة نص في الفصل 35 في فقرته الاولى: ”يضمن القانون حق الملكية، ويمكن الحد من نطاقها وممارستها بموجب القانون، إذا اقتضت ذلك متطلبات التنمية الاقتصادية والاجتماعية للبلاد، ولا يمكن نزع الملكية إلا في الحالات ووفق الاجراءات التي ينص عليها القانون”.

وقد عرفت المادة 14 من قانون 39.08 الصادر بتنفيذه الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.11.178 الموافق ل 25 من ذي الحجة 1432 المتعلق بمدونة الحقوق العينية الملكية العقارية بأنها حق يخول لمالك العقار دون غيره سلطة استعماله واستغلاله والتصرف فيه ولا يقيده في ذلك إلا القانون أو الاتفا ق.

ويتميز هذا الحق عن غيره  من الحقوق بأنه جامع لثلاث سلط: الاستعمال والاستغلال والتصرف.  ولا يقيده في ذلك إلا القانون أو الاتفاق.  وملكية الأرض تشمل ما فوقها وما تحتها إلى الحد المفيد في التمتع بها.

ومالك العقار يملك كل ملحقاته وما يدره من ثمار أو منتجات وما يضم إليه أو يدمج فيه بالالتصاق.

 

 

ولمالك العقار أن يطلب استحقاقه ممن يكون قد استولى عليه دون حق، وله أن يطالب من تعرض له فيه بالكف عن تعرضه، كما أن له أن يطالب برفع ما قد يحصل له فيه من تشويش (7) .

غير أن هذا الحق ليس مطلقا وأبديا، إذ يمكن الحد من مداه واستعماله إذا دعت ضرورة النمو الاقتصادي والاجتماعي ذلك ووفق الإجراءات المنصوص عليها قانونا, حيث ثمتل هذه العملية-نزع الملكية- أحد مظاهر عدم المساواة بين الإدارة التي تتولى الدفاع عن المصلحة العامة، والخواص الذين يدافعون عن مصالحهم الخاصة (5).

ويقترن حق ممارسة نزع الملكية بالسلطة العامة ممثلة في الدولة التي يمكنها أن تخول هذا الحق إلى أشخاص معنويين أو طبيعيين بشرط أن يتسم العمل المقرر إنجازه بصبغة المنفعة العامة.

ولعل أهم تحول جاء به القانون المحدث للمحاكم الإدارية في موضوع نزع الملكية، هو الإقرار باختصاص هذه المحاكم بالنظر في النزاعات المتعلقة بنزع الملكية من أجل المنفعة العامة، وذلك بموجب المادة الثامنة من القانون السالف الذكر.

وللإحاطة بكل الجوانب المتعلقة بموضوع نزع الملكية من أجل المنفعة العامة، ارتأيت تقسيم هذا العرض الى مبحثين أساسيين:

مبحث أول :شروط نزع الملكية

مبحث ثاني : مسطرة نزع الملكية

 

مبحث أول : الثاني: شروط نزع الملكية

تطرق المشرع المغربي من خلال القانون رقم 7.81 المتعلق بنزع الملكية لأجل المنفعة العامة وبالاحتلال المؤقت، وكذا المرسوم التطبيقي له (8) إلى شروط نزع الملكية من أجل المنفعة العامة.

أولا: نزع الملكية منوط بتحقيق المصلحة العامة.

إن مسطرة نزع الملكية يجب أن تهدف في جميع الحالات إلى القيام بأشغال وأعمال تكتسي صبغة المنفعة العامة.

وقد تفادت التشريعات تحديد مفهوم المنفعة العامة معتبرة ذلك من اختصاص الفقه والقضاء، على أن الإدارة في مختلف الأنشطة التي تمارسها في الحقيقة، من المفروض أن تسعى إلى تحقيق هدفين أساسيين: هما المحافظة على النظام وتحقيق المصلحة العامة.

وإذا كان مما لا جدال فيه أن قصد المشرع من إيجاد مسطرة نزع الملكية هو تسهيل إنجاز المشاريع التي تتسم بطابع المنفعة العامة، فإن هذا المفهوم قد عرف تطورا مستمرا نتيجة تزايد تدخل الدولة لإنشاء مرافق متعددة لم يكن لها شأن بها من قبل، ولا شك أن واضعي ظهير 31 غشت 1914 حول نزع الملكية لأجل المنفعة العامة قد تأثروا إلى حد بعيد بالخطوط العريضة للاجتهاد القضائي الفرنسي في نهاية القرن التاسع عشر بخصوص مفهوم المنفعة العامة، ولذلك تفادى المشرع تعريف هذا المفهوم واقتصر على الإشارة إلى بعض العمليات أو الأشغال التي تكتسي صبغة المنفعة العامة (9).

ثانيا: نطاق نزع الملكية.

إن نزع الملكية يستهدف العقارات والحقوق العينية العقارية دون المنقولات، إلا إذا أصبحت هذه الأخيرة تكتسي صبغة عقارية عن طريق الضم والإدماج.

وبالرجوع إلى مدونة الحقوق العينية، تنقسم العقارات إلى عقارات بطبيعتها وعقارات بالتخصيص. والعقار بطبيعته هو كل شيء مستقر بحيزه ثابت فيه لا يمكن نقله من دون تلف أو تغيير في هيئته. أما العقار بالتخصيص فهو المنقول الذي يضعه مالكه في عقار يملكه رصدا لخدمة هذا العقار واستغلاله أو يلحقه به بصفة دائمة (10).

وينصب نزع الملكية على العقارات التي يملكها الأفراد بالإضافة إلى أملاك الدولة الخاصة. غير أن المشرع استثنى صراحة (11) نزع ملكية المباني ذات الصبغة الدينية المعدة لإقامة مختلف الشعائر وكذا المقابر والعقارات التابعة للملك العام والمنشآت العسكرية.

المبحث الثاني: مسطرة نزع الملكية

تتم مسطرة نزع الملكية على مرحلتين: مرحلة إدارية صرفة ومرحلة قضائية (12) .

أولا: المرحلة الإدارية لنزع الملكية.

تتولى هذه المرحلة السلطة الإدارية، وذلك باحترام مسطرة قانونية معينة تتوقف عليها مشروعية القرار الذي يقضي بنزع الملكية. وهذه المسطرة تبتدىء بالإعلان عن المنفعة العامة ثم القيام بإجراء بحث إداري وتنتهي بمحاولة اتفاق بالتراضي بين المالك والسلطة الإدارية المختصة بنزع الملكية, وتخضع هذه المسطرة لرقابة القضاء للتأكد من مشروعيتها.

 1)الإعلان عن المنفعة العامة ومقرر التخلي:

 أ‌-       الإعلان عن المنفعة العامة:

 يتم الإعلان عن المنفعة العامة بمرسوم يتخذ باقتراح من الوزير المعني بالأمر، ويكون بمثابة تعيين للمنطقة التي يمكن نزع ملكيتها.

ويمكن أن تشمل هذه المنطقة بالإضافة إلى العقارات اللازمة لإنجاز المنشآت أو العمليات المعلن أنها ذات منفعة عامة على الجزء الباقي من هذه العقارات وعلى العقارات المجاورة لها إذا تبين أن نزع ملكيتها ضروري لتحقيق هدف المنفعة العامة المنشود أو إذا كان إنجاز الأشغال يؤدي إلى زيادة ملحوظة في قيمة العقارات المذكورة (13) .

هذا، ويمكن للمرسوم المصرح بالمنفعة العامة أن يعين مباشرة الأملاك التي يشملها نزع الملكية، وإلا فإن هذا التعيين يقع بموجب مقرر إداري يدعى »مقرر التخلي« .

لذا، وإعمالا لمنطق الاستنتاج فإذا عين المرسوم القاضي بإعلان المنفعة العامة الأملاك المقرر نزع ملكيتها اعتبر من جراء ذلك بمثابة مقرر للتخلي.

وتتخذ بشأن المرسوم القاضي بإعلان المنفعة العامة تدابير الإشهار التالية:

* نشر المرسوم بكامله في الجريدة الرسمية، وكذا نشر إعلان بشأنه في جريدة أو عدة جرائد مأذون لها في نشر الإعلانات القانونية؛

* تعليق نصه الكامل بمكاتب الجماعة التي تقع فيها المنطقة المقرر نزع ملكيتها.

وبالإضافة إلى ما سبق، هناك نصوص تشريعية وتنظيمية تعلن المنفعة العامة بمجرد نشرها، نذكر على الخصوص القانون رقم 12.90 المتعلق بالتعمير (14) الذي ينص في المادة 28 على أنه يعتبر النص القاضي بالموافقة على تصميم التهيئة بمثابة إعلان عن المنفعة العامة.

كما نصت المادة 29 من نفس القانون على أنه يمكن أن يكون تصميم التهيئة بمثابة قرار تعين فيه الأراضي المراد نزع ملكيتها. وقد أضافت المادة 34 بأنه تعتبر قرارات تخطيط حدود الطرق العامة بمثابة إعلان بأن المنفعة العامة تقتضي بإنجاز العمليات المنصوص عليها فيها.

وإعمالا لمنطق الاستنباط، فإن وثائق التعمير تكون بمثابة إعلان للمنفعة العامة، وبالتالي لا حاجة لاتخاذ مرسوم إعلان المنفعة العامة في إطار قانون نزع الملكية بالنسبة للمناطق المحددة، وبالتالي يكفي الشروع مباشرة في اتخاذ مقرر التخلي لتعيين الأملاك المقرر نزع ملكيتها (15).

 ب-مقرر التخلي:

إذا ثبت أن الإعلان عن المنفعة العامة يقتصر على منطقة ما، فإنه يتعين على السلطة الإدارية المختصة تحديد الأراضي المراد نزع ملكيتها بكل دقة وأن تصدر بذلك مقررا إداريا يسمى  »مقرر التخلي«.

ويجب اتخاذ مقرر التخلي في أجل سنتين، تبتدىء من تاريخ الإعلان عن المنفعة العامة، وإذا انصرم هذا الأجـل دون أن يتم إصـدار هذا المقرر فإنه يتعين تجديــد إعلان المنفعـة العامة. وتتمثل السلطة المختصة بإصدار قرار التخلي في عامل العمالة أو الإقليم، و رئيس المجلس الجماعي، ويجوز لهذه السلطات تفويض الاختصاص المذكور لأي شخص آخر. وفي باقي الحالات فإن السلطة المختصة تتمثل في الوزير المعني بالأمر بعد استشاره وزير الداخلية. ويودع كذلك مشروع التخلي لدى المحافظة على الأملاك العقارية التابع لها موقع العقارات.

وبناء على هذا الإيداع، يتعين على المحافظ تسليم نازع الملكية شهادة تثبت أن مشروع المقرر المذكور قد تم قيده إما في الرسوم العقارية بالنسبة للعقارات المحفظة أو في سجل التعرضات فيما يتعلق بالعقارات في طور التحفيظ، وفي هذه الحالة يجب أن تتضمن الشهادة جميع التحملات المثقل بها العقار. وإذا كان الأمر يتعلق بعقارات غير محفظة فإن مشروع مقرر التخلي يودع لدى كتابة ضبط المحكمة الإدارية الواقع العقار في نفوذها الترابي.

2) البحث الإداري:

تتولاه السلطة الإدارية المختصة قبل اتخاذ مرسوم إعلان المنفعة العامة ومقرر التخلي.

وينبغي إشهار بحث مشروع تعيين الملاك المراد نزع ملكيتها عن طريق:

  • نشره في الجريدة الرسمية، وفي جريدة أو عدة جرائد مأذون لها في نشر الإعلانات القانونية؛
  • إيداع البحث مشفوعا بتصميم لدى الجماعة حتى يتمكن المعنيون بالأمر من الاطلاع عليه وإبداء ملاحظاتهم بشأنه خلال أجل شهرين يبتدئ من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية؛
  • إيداع المشروع كذلك لدى مصلحة المحافظة على الملاك العقارية بالنسبة للأملاك المحفظة أو التي في طور التحفيظ. أما بالنسبة للأملاك غير المحفظة فإن المشروع المتعلق بشأنها يودع بكتابة ضبط المحكمة الابتدائية.

والهدف من هذه الإجراءات الشكلية لمشروع تعيين نزع الملكية هو تلقي الاعتراضات المرتبطة بعملية نزع الملكية، وكذا التعرف على أصحاب الحقوق الذين تهمهم هذه العملية.

3)   الاتفاق بالتراضي:

إن محاولة الاتفاق بالتراضي بشأن نزع الملكية لأجل المنفعة العامة، كانت مسألة إجبارية في ظهير سنة 1951 ، أما بمقتضى القانون رقم 7.81 السالف الذكر فإنها أصبحت إختيارية .

وفي حالة اتفاق الطرفين على تحديد مبلغ التعويض عن طريق التراضي، فإن ذلك يعفي من الخوض في المرحلة القضائية لنزع الملكية للمنفعة العامة.

والجدير بالذكر، أن القضاء يراقب مشروعية المسطرة الإدارية لنزع الملكية عن طريق دعوى الإلغاء للشطط في استعمال السلطة، إذا أثبت المعنيون بالأمر أن الغرض من نزع الملكية لا ينصب على تحقيق المنفعة العامة.

ثانيا: المرحلة القضائية لنزع الملكية

 تتم هذه المرحلة في حالة عدم حصول الاتفاق بين السلطة الإدارية ومالك العقار المراد نزع ملكيته. وهي تشمل ثلاثة (3) عناصر: الحيازة، نقل الملكية وتحديد التعويض.

1)    الحيازة:

يتعين على طالب نزع الملكية التوجه إلى المحكمة الإدارية الواقع العقار في دائرة نفوذها لتقديم طلب لأجل الحكم له بحيازة العقار مقابل إيداع أو دفع مبلغ التعويض المقترح، الذي يكون بمثابة تعويض احتياطي، ولا يجوز للقاضي (قاضي المستعجلات) أن يرفض هذه الحيازة إلا إذا كانت المسطرة التي تتبعها الإدارة في ذلك قابلة للإبطال.

2)    نقل الملكية:

طبقا للمادة 37 من القانون رقم 41.90 المحدث للمحاكم الإدارية، يتم نقل الملكية بإيداع نازع الملكية طلبا لدى المحكمة الإدارية الواقع الملك في نفوذها. فيتولى رئيس المحكمة المختصة أو القاضي المفوض من قبله إصدار حكم يقضي بنقل الملكية.

وعلى المحكمة الإدارية قبل إصدار حكم بنقل الملكية التأكد أساسا من أمرين ، الأول يتعلق بتقديم الطلب داخل الأجل القانوني والمحدد في سنتين من تاريخ نشر مرسوم الإعلان عن المنفعة العامة، والثاني بإتمام نازع الملكية للإجراءات الإدارية التي تطرقنا إليها خلال معالجتنا للمرحلة الإدارية لنزع الملكية.

واستنادا إلى ما سبق، فإن مراقبة قاضي نزع الملكية للإجراءات الواجب على نازع الملكية القيام بها قبل رفع الدعوى تعتبر من النظام العام، وله أن يثيرها تلقائيا، حتى ولو لم يثرها المدعى عليه المنزوع ملكيته.

3)    تحديد التعويض عن نقل الملكية:

تختص المحاكم الإدارية بتقدير قيمة التعويض عن نقل الملكية، مراعية في ذلك مجموعة من الاعتبارات مستمدة أساسا من الفصل 20 من قانون رقم 7.81 المشار إليه أعلاه، وهي كالتالي:

أ‌) يجب ألا يشمل التعويض إلا الضرر الحالي والمحقق:

ومفاده أن التعويض يجب ألا يشمل إلا الضرر الحال Préjudice certain وليس الاحتمالي، أي أنه لا يجوز البحث عن الأضرار المستقبلية أو تلك التي لم تحدث فعلا من أجل تقدير تعويض المنزوعة ملكيتهم؛

ب‌) يحدد قدر التعويض حسب قيمة العقار يوم صدور قرار نزع الملكية:

أي أنه يراعى في تقدير قيمة العقار يوم نشر مقرر التخلي أو تبليغ مقرر إعلان المنفعة المعين للعقارات التي ستنزع ملكيتها.

وعليه، فإنه لا تؤخذ بعين الاعتبار عند تحديد التعويض قيمة البناءات والأغراس والتحسينات المنجزة دون موافقة نازع الملكية منذ نشر أو تبليغ مقرر إعلان المنفعة العامة.

وفي اعتقادنا (16) فإن المشرع المغربي كان موفقا في اعتبار تاريخ نشر مقرر التخلي أو تبليغ مقرر إعلان المنفعة العامة، تلافيا لكل مضاربات تأتي بعد هذا التاريخ، وكذا المصاريف الإضافية التي لا قيمة فنية أو تقنية لها إلا الرغبة في رفع التعويض؛

ج) يجب ألا يتجاوز التعويض قيمة العقار يوم نشر مقرر التخلي أو تبليغ مقرر إعلان المنفعة العامة؛

د) يغير التعويض، عند الاقتضاء، باعتبار ما يحدثه الإعلان عن الأشغال أو العملية المزمع إنجازها من فائض القيمة أو ناقصها بالنسبة لجزء العقار الذي لم تنزع ملكيته:

وصورته أن السلطة نازعة الملكية قد تلجأ إلى نزع ملكية جزء من العقار أو العقارات الكفيلة بإنجاز المشروع وتترك الباقي لأصحابها. ومن تم فإن قيمة هذه الأجزاء إما أن ترتفع بسبب المشروع أو تنخفض.

وهكذا، إذا ما قامت الإدارة نازعة الملكية بتشييد مدينة الملاهي على القطعة الأرضية المنزوعة ملكيتها مع ما يتبع ذلك من ربطها بطرق ومواصلات وشبكات الري والإنارة والماء والهاتف، فإنه ومما لا شك فيه ترتفع قيمة القطع الرضية المجاورة وكذا الأجزاء المتبقية من تلك القطعة المنزوعة ملكيتها، وفي المقابل إذا كان المشروع الذي ستنجزه السلطة نازعة الملكية عبارة عن موقف للحافلات العمومية أو منطقة صناعية أو مطرح للنفايات، فإنه ولا شك ستنخفض قيمة العقارات المجاورة بسبب الضجيج أو التلوث الذي ستحدثه هذه المنشآت.

والحاصل أن الشخص المنزوعة ملكيته جزئيا، يستفيد من ارتفاع قيمة جزء العقار المتبقى لديه أو على العكس يتضرر من ذلك حسب الأحوال بسبب ظروف خارجة عن إرادته.

لذلك أوجب المشرع على المحكمة الإدارية وهي تنظر في تحديد التعويض الواجب دفعه للمنزوعة ملكيته أن تأخذ بعين الاعتبار كل زيادة أو نقصان في قيمة الجزء المتبقى بفعل نزع الملكية.

على أن المحكمة قد تكتفي بالتعويض المقترح من طرف نازع الملكية وقد تعدله بناء على طلب المنزوع ملكيته، كما أنها قد تلجؤ إلى انتداب خبير في الموضوع.

وبناء على التقرير الذي ينجزه هذا الأخير يتم تحديد التعويض. غير أن هذا لا يعني بالضرورة أن المحاكم الإدارية تتقيد بالمبلغ الذي يحدده التقرير بحرفيته، فلها أن تعتمد على خبرة واحدة أو أكثر دون التقيد بما جاء فيها لأجل تحديد التعويض المستحق للمنزوع ملكيته. وإذا ما حددت الخبرة القضائية مبلغ التعويض عن نزع ملكية عقار أقل من مبلغ التعويض المعروض من طرف الإدارة نازعة الملكية يجعل المبلغ الأخير هو الواجب الأخذ به.

كما أن للمحكمة السلطة التقديرية لتعديل التعويض المقترح من طرف الخبير كلما تبين لها عدم انسجام النتيجة التي انتهى إليها هذا الأخير مع المعطيات الواقعية والمادية المستقاة من تقريره (17).

غير أنه إذا ما تم التراضي بين المنزوع ملكيته ونازع الملكية حول التعويض المقترح من طرف هذا الأخير، فإن المحكمة لا يسعها إلا الإشهاد على الاتفاق المبرم بين الطرفين.

وفي جميع الحالات فإن الكلمة الأخيرة في تحديد التعويض تبقى للمحاكم الإدارية، وهذا ما تم تأكيده من طرف جل الاجتهادات القضائية (18).

في الختام، ومن خلال استعراض مختلف المراحل والإجراءات المتعلقة بنزع الملكية، يلاحظ أن المسطرة المتبعة تتسم بطول المدة، لاسيما المرحلة القضائية، مما يبقى معه المنزوع ملكيته دون تعويض نهائي لمدة جد طويلة، فضلا عن التأخر في إنجاز المشاريع ذات النفع العام. وهذا ما يستوجب، في نظرنا، تدخل المشرع قصد تحديد آجال قصيرة لإجراءات التقاضي.

ولا يفوتنا كذلك في الأخير التأكيد على أن التعويض عن نزع الملكية يجب أن يكون عادلا، سواء بالنسبة للسلطة نازعة الملكية أو المنزوعة ملكيته، لأن التعويض في جميع الأحوال يبقى مالا عاما لا يجب أن يثري على حسابه أحد، وأن يتم التعويض بقدر الضرر مع الأخذ بعين الاعتبار أن المنزوعة ملكيته قد يستفيد من المشروع المنجز في إطار نزع الملكية، إما ماديا إذا ترتب عن هذه العملية زيادة في قيمة الجزء المتبقى من العقار، أو اجتماعيا واقتصاديا بالنظــر إلى طبيعــة وأهمية المنشآت والمرافق المستهدفـة من خلال نزع الملكيــــة.

خلاصة

وفي ختام مقالنا هذا ندرك أن المشرع كان حريصا على وضع مجموعة من الشروط و الاجراءات الواجب تحققا لسلوك مسطرة نزع الملكية ، غاية منه في ضمان الحماية للمعنيين بها في جميع أبعادها على اعتبار المكانة الهامة التي يحتلها حق الملكية في استقرار المعاملات الاقتصادية و الاجتماعية.

الهوامش:

(1) الأستاذ السيد عبد الوهاب عرفه ” حق الملكية والحقوق العينية الأصلية والتبعية”/المكتب الفني للموسوعات القانونية – الاسكندرية.

(2) المادة 17 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

(3) الفصل 35 من الدستور الجديد للمملكة المغربية الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.11.91 بتاريخ 29 يوليو 2011 .

(4) المادة 23 من القانون رقم 39.08 المتعلق بمدونة الحقوق العينية الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.11.178 الصادر في 22 نوفمبر 2011.

(5) د.محمد الأعرج والأستاذ سمير أحيذار ” اختصاص القضاء الإداري الشامل في مادة نزع الملكية ” العدد 71 من منشورات المجلية المغربية للإدارة المحلية والتنمية-2006 .

(6) الفصل الأول من القانون رقم 39.08 المتعلق بمدونة الحقوق العينية .

(7) الفصول من 14 إلى 23  من القانون رقم 39.08 .

(8) المرسوم رقم 2.82.382 الصادر في 2 رجب 1403 (16 أبريل 1983) ج.ر عدد 3685 بتاريخ 15 يونيو 1983

(9) د.محمد الأعرج وذ. سمير أحيدر – نفس المرجع.

(10) المادتين 6 و7 من مدونة الحقوق العينية .

(11) المادة 12 من الظهير الشريف رقم 1.93.51 المعتبر بمثابة قانون يتعلق بإحداث الوكالة الحضرية.

(12) الدكتورة مليكة الصروخ ” العمل الإداري” الطبعة الأولى 1434-2012 .

(13) الفصل 6 من القانون رقم 7.81 المتعلق بنزع الملكية لأجل المنفعة العامة وبالاحتلال المؤقت.

(14) القانون رقم 12.90 المتعلق بالتعمير الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.92.31 بتاريخ 17 يونيو  1992 ج.ر عدد9514 .

(15) الحق في التعويض العادل عن نزع الملكية لأجل المنفعة العامة” الدكتور العربي محمد مياد”-سلسلة الالتزام بالتنصير-الطبعة الأولى 2009.

(16) الدكتور العربي محمد مياد- نفس المرجع.

(17) حكم عدد 134 بتاريخ 19/6/2002 صادر عن المحكمة الإدارية بمراكش.

(18) د.محمد الأعرج وذ.سمير أحيذار. نفس المرجع ص24 .

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق