تشكيل الحكومة القادمة.. قراءة موجزة في مسطرة التعيين والتنصيب على ضوء الفصلين 47 و88 من دستور 2011. – أيوب نشاط

تشكيل الحكومة القادمة.. قراءة موجزة في مسطرة التعيين والتنصيب على ضوء الفصلين 47 و88 من دستور 2011.
الباحث أيوب نشاط
بعد إفراز صناديق الاقتراع لخريطة سياسية جديدة ومعرفة الحزب المتصدر لانتخابات أعضاء مجلس النواب، تدخل الحياة الدستورية في مرحلة دقيقة، هي مرحلة تشكيل الحكومة، والتي يؤطرها الفصل 47 من دستور 2011 بشكل أساسي، بالإضافة إلى الفصل 88 الذي يتمم ويكمل عملية إفراز حكومة جديدة.
ينص الفصل 47 في فقرته الأولى بوضوح: «يعين الملك رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها…».
واستعمال المشرع الدستوري لعبارة «يعين» لا «يكلف»، كما يروج له كثيراً داخل «القنوات الإعلامية»، هو تعبير دقيق له حمولته القانونية، فالتعيين يتم بظهير شريف يمنح المعني بالأمر الصفة الدستورية الكاملة كرئيس للحكومة مباشرة.
واليوم، يثار نقاش حول مدلول مصطلح «رئيس الحكومة» الوارد في الفصل 47 من الدستور، خصوصاً مع تصدر حزب الأصالة والمعاصرة لهذه التشريعيات، وهو حزب بقيادة جماعية تضم امرأة. فهل صيغة «رئيس» كما وردت في الوثيقة الدستورية تفيد المذكر والمؤنث معاً باعتبارها صفة وظيفية محايدة ؟ أم أنها صيغت بصيغة المذكر فقط، مما قد يفتح الباب للقول بضرورة تأويل دستوري أو حتى تعديل يكرس صراحة إمكانية تعيين امرأة على رأس الحكومة، تكريساً لمبدأ المساواة والمناصفة المنصوص عليه في الفصل 19 من الدستور؟
بعد تعيين رئيس الحكومة، ينتقل دوره إلى الدخول في المشاورات مع الأحزاب السياسية لتشكيل أغلبية حكومية. وإن الأغلبية المطلوبة هنا هي الأغلبية المنصوص عليها في الفصل 88 من الدستور والمادة 156 من النظام الداخلي لمجلس النواب، والمحددة في الأغلبية المطلقة لأعضاء مجلس النواب. حيث إن مجلس النواب يتكون من 395 عضواً حسب القانون التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بمجلس النواب، فإن الأغلبية المطلقة تحسب بقسمة العدد الإجمالي على اثنين وإضافة واحد: (395 / 2) + 1 = 198. أي أن الحكومة تحتاج الى 198 صوتاً فما فوق لنيل الثقة.
بعد التوافق حول الأغلبية، تأتي مرحلة اقتراح أعضاء الحكومة. فالفصل 47 في فقرته الثانية ينص: «ويعين أعضاء الحكومة باقتراح من رئيسها». أي أن رئيس الحكومة هو من يقترح لائحة الوزراء على جلالة الملك الذي يعينهم بظهير شريف أيضاً.
فبعد تعيين رئيس الحكومة وأعضائها، وهنا تجدر الإشارة إلى أن الحكومة، وفق الفصل 87 من الدستور، تتكون من رئيس الحكومة والوزراء، ويمكن أن تضم كتاب دولة. كما يؤطر القانون التنظيمي رقم 065.13 المتعلق بتنظيم وتسيير أشغال الحكومة والوضع القانوني لأعضائها، باعتباره مكملاً ومفسراً للدستور، يؤطر مختلف القواعد المتعلقة بتنظيم عمل الحكومة وتسيير أشغالها، وضبط العلاقات بين أعضائها، وتحديد وضعهم القانوني…، فإن الحكومة تضم في تركيبتها، بالإضافة إلى ما سبق ذكره، الأمين العام للحكومة باعتباره وزيراً…
بعد ذلك، يعرض رئيس الحكومة المعين البرنامج الذي يعتزم تطبيقه أمام مجلسي البرلمان مجتمعين، ويكون هذا البرنامج موضوع مناقشة أمام كلا المجلسين، يعقبها تصويت في مجلس النواب وحده. وهنا تتجلى الطبيعة المزدوجة لمسار تنصيب الحكومة في النظام الدستوري المغربي، وهو ما يستفاد من مقتضيات الفصل 88 من دستور 2011، الذي ينص على أن «البرنامج المشار إليه أعلاه، موضوع مناقشة أمام كلا المجلسين، يعقبها تصويت في مجلس النواب»، وأن الحكومة تعتبر منصبة بعد حصولها على ثقة مجلس النواب، المعبر عنها بتصويت الأغلبية المطلقة للأعضاء الذين يتألف منهم، لصالح البرنامج الحكومي.
وعليه، يمكن التمييز بين مستويين:
أولاً: التعيين الملكي: ويتمثل في تعيين رئيس الحكومة وأعضاء الحكومة من طرف الملك، وفق المقتضيات الدستورية ذات الصلة.
ثانياً: تنصيب برلماني: يتمثل في منح الثقة من طرف مجلس النواب باعتباره ممثلاً للإرادة الشعبية وسيادة الأمة. أما مجلس المستشارين فإنه يناقش البرنامج دون أن يصوت على الثقة، لأن الحكومة مسؤولة أمام مجلس النواب فقط طبقاً للفصلين 88 و105 من الدستور. وتعتبر الحكومة منصبة بعد حصولها على ثقة مجلس النواب، المعبر عنها بتصويت الأغلبية المطلقة للأعضاء الذين يتألف منهم (198 صوتاً).
وبذلك، فإن الفصل 88 يجمع بين مناقشة البرنامج الحكومي أمام مجلسي البرلمان من جهة، واقتصار التصويت على الثقة على مجلس النواب من جهة أخرى، وهو ما يشكل إحدى الخصائص المميزة لمسار تنصيب الحكومة في النظام الدستوري المغربي.
وبناءً على ما سبق أطرح تساؤلاً: ماذا لو فشل رئيس / رئيسة الحكومة الذي سيعين في الساعات القادمة في تشكيل الأغلبية؟ هنا نستحضر السيناريو الذي وقع سنة 2016 عندما عين جلالة الملك الأستاذ عبد الإله بنكيران رئيساً للحكومة، وتعذر عليه جمع أغلبية رغم مرور أكثر من خمسة أشهر من المشاورات. والحقيقة هنا أننا أمام ثغرة حقيقية في الفصل 47، فالدستور المغربي لم يحدد أي أجل قانوني لتشكيل الحكومة. فبالعودة إلى الدساتير المقارنة، مثلاً، نجد أنها سدت هذه الثغرة:
– الدستور التونسي (الفصل 89): حدد المدة في شهر قابل للتجديد مرة واحدة، أي شهرين على الاكثر لتشكيل الحكومة، وإلا يكلف رئيس الجمهورية شخصية أخرى.
– الدستور الإسباني (المادة 99): حدد مدة شهرين، وإذا لم تحصل الحكومة على الثقة، يتم حل البرلمان والدعوة إلى انتخابات جديدة.
وهو ما يفتح نقاشاً دستورياً حول ضرورة تحديد أجل دستوري لتشكيل الحكومة في المغرب في أفق أي تعديل دستوري قادم، لتفادي تكرار (سيناريو البلوكاج) وما نتج عنه شلل مؤسساتي تمثل في الأساس في توقف شبه تام لعملية التشريع.
وفي الختام، فإن الحكومة القادمة، بغض النظر عن مكوناتها الحزبية أو عن كون رئيسها رجلاً أو امرأة، يجب أن تكون حكومة قادرة على بلورة سياسات عمومية ناجعة تستجيب لمتطلبات وانتظارات المواطنات والمواطنين.
أيوب نشاط
باحث في القانون العام والعلوم السياسية
المصادر :
- دستور 2011
- القانون التنظيمي رقم 11.27 المتعلق بمجلس النواب
- القانون التنظيمي رقم 13 .065 المتعلق بتنظيم وتسيير اشغال الحكومة والوضع القانوني لأعضائها
- النظام الداخلي لمجس النواب





