تدبير الزمن القضائي في ضوء مستجدات قانون المسطرة المدنية رقم 58.25 عبد المالك الحريري

تدبير الزمن القضائي في ضوء مستجدات قانون المسطرة المدنية رقم 58.25
Management of Judicial Time in Light of the Developments Introduced by Civil Procedure Code No. 58.25
الاسم الشخصي: عبد المالك
الإسم العائلي: الحريري
الصفة: طالب باحث بسلك الماستر بكلية العلوم القانونية والسياسية – جامعة ابن زهر بأكاديرـ تخصص المنازعات والمهن القانونية والقضائية.
Family name : Elhariri
First name: Abdelmalek
apacity: Master’s Student Researcher at the Faculty of Legal and Political Sciences – Ibn Zohr University, Agadir – Specialization in Legal and Judicial Disputes and Professions
ملخص المقال:
تتناول هذه الدراسة مختلف المستجدات التي جاء بها قانون المسطرة المدنية رقم 58.25، والتي تروم تدبير الزمن القضائي من خلال إصلاحات بنيوية وإجرائية وتنظيمية تهم مختلف مراحل الدعوى. وقد تبين من خلال الدراسة أن المشرع المغربي عمل على إعادة تنظيم البناء الإجرائي وتوحيد القواعد المنظمة للمحاكم، بما يعزز وضوح الإطار القانوني ويحد من تشتت المقتضيات وتضارب التفسيرات، كما أرسى آليات للرقمنة شملت تقديم المقالات والطعون والتبليغ الإلكتروني، وعقد الجلسات عن بعد، وأداء الرسوم إلكترونيا، بما يساهم في تسريع الإجراءات وتقليص آجالها.
إلى جانب ذلك، جاء القانون رقم 58.25 بمجموعة من الآليات الرامية إلى تبسيط المساطر وتعزيز دور القاضي في تسيير الدعوى، من قبيل إلزامية تحديد عناصر الدفاع، وتمكين القاضي من التصدي للدفع بعدم الاختصاص، وتعزيز القضاء الرئاسي، وتوسيع صلاحيات قاضي التنفيذ. وتؤكد هذه المستجدات مجتمعة أن تدبير الزمن القضائي لم يعد رهين تخفيض الآجال فقط، بل أصبح رهين حسن التنظيم الإجرائي، وتكامل الوسائل التكنولوجية، وتعزيز فعالية مختلف الفاعلين في المنظومة القضائية.
الكلمات المفتاحية: تدبير الزمن القضائي، قانون المسطرة المدنية رقم 58.25، الرقمنة، تبسيط المساطر، دور القاضي، القضاء الرئاسي، قاضي التنفيذ.
Abstract:
This study examines the various developments introduced by Civil Procedure Law No. 58.25, which seek to manage judicial time through structural, procedural, and organizational reforms affecting the different stages of litigation. The study reveals that the Moroccan legislator has worked to restructure the procedural framework and unify the rules governing the courts, thereby enhancing the clarity of the legal framework and reducing the fragmentation of provisions and conflicting interpretations. It has also established digitalization mechanisms covering the electronic filing of claims and appeals, electronic notification, remote hearings, and online payment of court fees, thus contributing to expediting procedures and shortening their timeframes.
In addition, the law introduced a set of mechanisms aimed at simplifying procedures and strengthening the judge’s role in managing proceedings, such as the mandatory identification of defense elements, empowering the judge to address objections to jurisdiction, reinforcing presidential jurisdiction (référé), and expanding the powers of the enforcement judge. Taken together, these developments confirm that the management of judicial time is no longer contingent solely on shortening deadlines, but has become dependent on sound procedural organization, the integration of technological tools, and the enhanced effectiveness of the various actors within the judicial system.
Keywords: Judicial time management, Civil Procedure Law No. 58.25, Digitalization, Simplification of procedures, Role of the judge, Presidential jurisdiction (référé), Enforcement judge.
يشكل الزمن القضائي أحد أهم المعايير التي يقاس بها مدى نجاعة العدالة وجودتها، ذلك أن العدالة، مهما كانت عادلة في مضمونها، قد تفقد الكثير من قيمتها ومصداقيتها إذا لم تقدم في الوقت المناسب. ومن هذا المنطلق، أصبح تدبير وعقلنة الزمن القضائي من أبرز الرهانات التي تواجه منظومة العدالة، باعتباره مدخلا أساسيا لتعزيز الثقة في المرفق القضائي وضمان فعالية الحماية القانونية للمتقاضين.
ويقصد بالزمن القضائي، في مفهومه الضيق، الأمد الذي تستغرقه الخصومة القضائية، والممتد من تاريخ تقييدها في السجلات الرسمية للمحكمة إلى غاية استيفاء الحق المحكوم به عبر مسطرة التنفيذ. أما في مفهومه الواسع، فيشمل حتى المرحلة التحضيرية للخصومة، السابقة لتاريخ تسجيل الدعوى رسميا، والتي يتدخل فيها بعض الهيئات والأشخاص المكلفين بتقديم الخدمة القضائية لمساعدة الأطراف على تأسيس دعواهم وصياغتها في قالب قانوني سليم. ونظرا لصعوبة ضبط هذه المرحلة الأخيرة بشكل دقيق، رغم أهميتها وتأثيرها المباشر على زمن الخصومة، بالنظر لتعدد المتدخلين فيها ولغياب تأطير شامل ومعقلن لها سواء من الناحية الإجرائية أو البشرية[1]، فإن التعاطي مع موضوع الزمن القضائي يغدو أكثر موضوعية متى اقتصر البحث على المرحلة الظاهرة للخصومة، الممتدة من تاريخ دخولها رسميا للمحكمة إلى حين انتهاء إجراءات التنفيذ المتعلقة بالحق المترتب عنها.
ويتميز النظام القضائي المغربي، شأنه في ذلك شأن العديد من الأنظمة القضائية المماثلة، بتركيزه أساسا على الشق الإجرائي للدعوى، الذي يقتضي اتباع سلسلة من الإجراءات المسطرية لتجهيز الدعاوى، بغية تمكين المتقاضي من كامل حقه في التوصل والحضور وبناء الحجج. وبما أن هذه الإجراءات تستلزم وقتا ليس باليسير، فإنها قد تتحول إلى سبب مباشر في المساس بضمانة دستورية كفلها المشرع للمتقاضي، ألا وهي حقه في الحصول على عدالة سريعة وميسرة.
وإدراكا من المشرع المغربي لحجم هذا الإشكال، جاء القانون رقم 58.25[2] المتعلق بالمسطرة المدنية بإعادة النظر في مجموعة من الآليات المؤطرة لسير الخصومة، من خلال مراجعة البناء الإجرائي، وتوحيد جانب من القواعد المنظمة لمختلف مكونات القضاء، إلى جانب إدماج الوسائط الرقمية في مراحل متعددة من الدعوى، لاسيما تقديم المقالات والطعون، والتبليغ وعقد الجلسات، وإجراءات التنفيذ. ويعكس ذلك توجها تشريعيا يرمي إلى معالجة أسباب البطء من خلال تطوير البنية الإجرائية ذاتها، بما يجعل ترشيد الزمن القضائي أحد الاعتبارات الحاضرة في تنظيم الخصومة.
تجلى أهمية الموضوع في بعدين اثنين: أهمية نظرية تتمثل في كون الموضوع يروم الوقوف على أهم المستجدات التي جاء بها القانون رقم 58.25 فيما يخص تنظيم الزمن القضائي، وأهمية عملية تكمن في انعكاس هذا الموضوع بشكل مباشر على واقع التقاضي وحقوق المتقاضين، بما يجعل من دراسته مدخلا لفهم مدى استجابة النص التشريعي الجديد لمتطلبات النجاعة القضائية.
وتتبلور إشكالية هذا الموضوع في التساؤل الاتي: كيف ساهم القانون رقم 58.25 المتعلق بالمسطرة المدنية في إرساء آليات ناجعة لترشيد الزمن القضائي، مع تحقيق التوازن الدقيق بين متطلبات النجاعة القضائية والسرعة في الفصل في القضايا من جهة، وضمانات المحاكمة العادلة وحقوق الدفاع من جهة أخرى؟
وعليه، سنتناول في هذه الدراسة، من خلال محورين اثنين، أهم هذه المستجدات؛ إذ سنقف في المحور الأول عند المستجدات البنيوية وانعكاساتها على تنظيم الزمن القضائي، على أن نخصص المحور الثاني للمستجدات الإجرائية ودورها في ترشيد الزمن القضائي.
المحور الأول: المستجدات البنيوية وانعكاساتها على تنظيم الزمن القضائي
جاء القانون رقم 58.25 المتعلق بالمسطرة المدنية بإعادة النظر في مجموعة من الآليات المؤطرة لسير الخصومة، من خلال مراجعة البناء الإجرائي، وتوحيد جانب من القواعد المنظمة لمختلف مكونات القضاء، إلى جانب إدماج الوسائط الرقمية في مراحل متعددة من الدعوى، لاسيما تقديم المقالات والطعون، والتبليغ وعقد الجلسات، وإجراءات التنفيذ. ويعكس ذلك توجها نحو معالجة أسباب البطء من خلال تطوير البنية الإجرائية ذاتها، بما يجعل ترشيد الزمن القضائي أحد الاعتبارات الحاضرة في تنظيم الخصومة المدنية.
وعليه، سنخصص في إطار دراستنا لهذا المحور للحديث عن مختلف المقتضيات التي تروم إعادة تنظيم البناء الإجرائي وتوحيد القواعد المنظمة للمحاكم (الفقرة الأولى)، ثم ننتقل بعد ذلك إلى (الفقرة الثانية) للوقوف على رقمنة الإجراءات والمساطر القضائية وأثرها على الزمن القضائي.
الفقرة الأولى: إعادة تنظيم البناء الإجرائي من خلال توحيد القواعد المنظمة للمحاكم
لما كان التنظيم الإجرائي للمسطرة المدنية، في صيغتها السابقة، يقوم على تعدد النصوص وتوزع المقتضيات المنظمة للإجراءات، الأمر الذي أفرز صعوبات عملية في التطبيق، سواء بالنسبة للقضاة أو المحامين أو المتقاضين، نتيجة تداخل المراجع وتعدد مصادر القاعدة الإجرائية، وفي هذا الصدد، اتجه المشرع المغربي من خلال سنه للقانون رقم 58.25 إلى إعادة تنظيم هذا الإطار عبر توحيد المرجعية القانونية، وذلك بجمع القواعد الإجرائية الأساسية ضمن نص واحد شامل[3].
ويأتي هذا التوجه في إطار سعي المشرع المغربي إلى توحيد القواعد المؤطرة للعملية الإجرائية، من خلال إدراج بعض المساطر التي كانت تخضع لتشريعات خاصة ضمن قانون المسطرة المدنية، ما يكفل توحيد القواعد الإجرائية وتعزيز وضوح المقتضيات المنظمة للتقاضي. كما امتد الإصلاح إلى مراجعة عدد من المقتضيات من حيث اضافة ونسخ وتعويض وإلغاء عدد من المقتضيات، وقد شمل هذا الإصلاح إعادة صياغة عدد من المقتضيات القانونية، من خلال توضيح مدلولها وضبط صياغتها، بما يحد من الغموض الذي قد يثير اختلافا في تفسيرها وتطبيقه ، تفاديا لكل غموض قد يفتح المجال لاختلاف التأويلات وتباين الاتجاهات القضائية، الأمر ما من شأنه أن يؤثر سلبا على الزمن القضائي من خلال إطالة أمد النزاعات وإهدار الجهد[4].
وعلاقة بما سلف، وتكريسا لوحدة القواعد الإجرائية والحد من تشتتها، عمل المشرع على توحيد الإطار القانوني المنظم للإجراءات والاختصاص، من خلال إخضاع المقتضيات الخاصة بقضاء القرب والمحاكم الإدارية ومحاكم الاستئناف الإدارية والمحاكم التجارية ومحاكم الاستئناف التجارية لأحكام ق م م، بعد أن كانت موزعة بين نصوص متفرقة. ويعكس هذا الاختيار التشريعي توجها نحو توحيد المرجعية الإجرائية لهذه الجهات القضائية. وفي المقابل، استبعد المشرع أحكام التحكيم والوساطة الاتفاقية من ق م م، وأفرد لها تنظيما قانونيا مستقلا.
يتضح من هذه المقتضيات أن المشرع المغربي اتجه إلى توحيد الإطار القانوني المنظم للقواعد الإجرائية، من خلال جمع مختلف الأحكام المرتبطة بالاختصاص والمساطر ضمن قانون المسطرة المدنية، بعدما كانت بعض هذه الأحكام موزعة بين نصوص متفرق، وقد شمل هذا التوحيد مختلف درجات التقاضي، بحيث خصصت المواد من 35 إلى من 37 من ق م م لتنظيم اختصاص المحاكم الابتدائية التجارية والأقسام المتخصصة في القضاء التجاري، بينما تناولت المواد من 38 إلى 59 من ذات القانون اختصاص المحاكم الابتدائية الإدارية والأقسام المتخصصة في القضاء الإداري، في حين خصص المشرع القسم الثالث، من المادة 76 إلى المادة 224، لتنظيم المسطرة أمام محاكم الدرجة الأولى، وأفرد القسم السادس، من المادة 351 إلى المادة 374، للمساطر أمام محاكم الدرجة الثانية.
كما شمل هذا التنظيم أحكام قضاء القرب، التي أدرجت ضمن المواد من 328 إلى 334، بعدما كانت منظمة بموجب القانون رقم 42.10 المتعلق بتنظيم قضاء القرب وتحديد اختصاصاته [5]. ويستفاد من هذه المقتضيات اتجاه المشرع نحو توحيد المرجعية القانونية للقواعد الإجرائية والحد من تعدد النصوص المنظمة لها.
الفقرة الثانية: رقمنة الإجراءات والمساطر القضائية وأثرها على الزمن القضائي
أفرز التطور التكنولوجي المتسارع تحولات عميقة في مختلف مناحي الحياة، بما فيها المجال القضائي، الأمر الذي أضحى معه إدماج الوسائط الرقمية في تدبير الإجراءات القضائية خيارا تشريعيا يهدف إلى تجاوز الإكراهات المرتبطة بالمساطر التقليدية، وفي هذا الإطار، جاء القانون رقم 58.25 المتعلق بالمسطرة المدنية بمقتضيات جديدة تروم رقمنة مختلف مراحل المسطرة القضائية، بما يجعل الرقمنة إحدى الآليات الحديثة لإعادة تنظيم الزمن القضائي وتحقيق قدر أكبر من النجاع القضائية. وقد خصص المشرع القسم الحادي عشر من القانون، من المادة 623 إلى المادة 639 من ق م م، لتنظيم «رقمنة الإجراءات والمساطر القضائية»[6].
أولا: رقمنة إجراءات تقديم الدعوى والطعون
أتاح القانون الجديد رقم 58.25 إمكانية تقديم مقال الدعوى إلكترونيا الى الجانب الطريقة التقليدية، طبقا لمقتضيات الفقرة الأولى من المادة 76 من ق م م [7]، كما سمح بإيداع مقال الطعن بالنقض ومرفقاته بالطريقة الإلكترونية وفقا للمادة 378[8]، مع تخصيص محكمة النقض لنظام معلوماتي مستقل لتدبير المساطر والإجراءات القضائية المتعلقة بها، حسب ما يستفاد من مضمون المادة 624 في فقرتها الأخيرة على “أن محكمة النقض تتولى من خلال نظامها المعلوماتي مهمة تدبير المساطر والإجراءات القضائية المتعلقة بها”. والملاحظ من خلال هذا المقتضى أنه استثناء لمحكمة النقض من النظام المعلوماتي الخاص بمحاكم الدرجة الأولى ومحاكم الدرجة الثانية، بعلة كون محكمة النقض تحظى بنظام معلوماتي خاص بها.
ومن شأن اعتماد هذه الآليات تجاوز عدد من الإجراءات المادية المرتبطة بإيداع الملفات، وتقليص الوقت المستغرق في تسجيلها وتدبيرها، لاسيما مع اعتماد التقييد الإلكتروني وترتيب القضايا بحسب تسلسل ورودها، ويعين رئيس المحكمة القاضي أو المستشار المقرر أو القاضي المكلف بطريقة الكترونية، حسب الحالة، باعتباره مكلفا بتجهيز القضية تفعيلا لمقتضيات الفقرة الثالثة من المادة 628 من ق م م.
كما امتدت الرقمنة لتشمل أداء الرسوم والمصاريف القضائية، حيث أقر المشرع إمكانية أدائها إلكترونيا بالنسبة إلى المقالات والطلبات والطعون[9]، وهو ما نصت عليه الفقرة الأولى من المادة 628[10]، فضلا عن إمكانية أداء الرسم القضائي المتعلق بالطعن بالنقض بالطريقة الإلكترونية طبقا للمادة 379[11].
وإذا كان اعتماد الأداء الإلكتروني يندرج ضمن تبسيط إجراءات التقاضي، فإنه يساهم، من الناحية العملية، في اختصار الإجراءات المرتبطة بأداء الرسوم وتسجيل الدعاوى والطعون، بما يحد من الزمن المستغرق في هذه المرحلة ويعزز سرعة مباشرة المسطرة.
ثانيا: رقمنة إجراءات التبليغ وطرق عقد الجلسات
لقد شكل إدماج الوسائل الإلكترونية أحد أبرز مظاهر التحول الرقمي، بالنظر إلى ما يترتب عن وسائل التبليغ التقليدية التي تعتمد التبليغ الورقي، العديد من الإشكالات الناجمة عن بط ء هذه الوسائل وكثرة التكاليف فضلا عما تقتضيه من تنقل، الأمر الذي قد يؤدي إلى تأخير الإجراءات اللازمة لسير الدعوى. وفي المقابل، يتيح التبليغ الإلكتروني سرعة أكبر في توجيه الاستدعاءات والمقررات القضائية، مع إمكانية تتبع عمليات التبليغ والتحقق منها، بما يسهم في تقليص الزمن اللازم لاستكمال الإجراءات، دون الحاجة الى متدخلين مساعدين في هذه العملية فضلا عن انخفاض تكلفته [12].
ومن ثم، بات إدماج التبليغ الإلكتروني ضرورة تفرضها مواكبة التطورات الحديثة، بما يضمن حسن سير إجراءات التقاضي وتعزيز نجاعتها.[13]
وتأكيدا على ما سبق، لم يقتصر المشرع المغربي على إقرار التبليغ الإلكتروني فحسب، بل عمد إلى تنظيم كيفيات إجرائه والآثار المترتبة عنه ضمن القانون رقم 58.25 المتعلق بالمسطرة المدنية، إذ نصت المادة 629 من ق م م على أن توجيه الاستدعاء يتم بطريقة إلكترونية إلى المدعي أو وكيله أو محاميه، بحسب الحالة، كما يوجه إلى المدعى عليه وفقا للمقتضيات المشار اليها في المواد من 81 إلى 87 من ق م م، مع إشعار المعني بالأمر بواسطة رسالة نصية، وإصدار المنصة الإلكترونية إشعارا بالتوصل[14].
كما شمل هذا التنظيم المقررات القضائية، بحيث يجوز تبليغها هي الأخرى بطريقة إلكترونية، وذلك ما يستفاد من المقتضيات المقررة في المادة 633 من ق م م، والتي خولت إمكانية تبليغ المقررات القضائية بشكل تلقائي إلى الأطراف عبر المنصة الإلكترونية، وذلك متى نص القانون على اعتماد التبليغ التلقائي، إلى جانب ذلك يمكن تبليغ المقررات القضائية عبر الحساب المهني الإلكتروني للمحامي بناء على موافقته[15].
ولا يقتصر أثر الرقمنة على تسريع إجراءات التبليغ، بل يمتد إلى عقد الجلسات، إذ منح المشرع للمحكمة إمكانية عقد جلساتها بطريقة إلكترونية متى توفرت الشروط التقنية اللازمة لذلك، استنادا لما جاء في المادة [16]630 من ق م م. ويتيح هذا المقتضى تجاوز بعض الإكراهات المرتبطة بحضور الأطراف، وتقليص الوقت والتكاليف المرتبطة بالتنقل، مع ضرورة توفير الضمانات التقنية والإجرائية الكفيلة بحماية حقوق الدفاع وضمان حسن سير الإجراءات، وفي هذا الصدد، سبق للقضاء المغربي أن راكم تجربة في اعتماد تقنية الاتصال عن بعد، ولا سيما خلال فترة جائحة كورونا، حيث أظهرت هذه التجربة إمكانية توظيف هذه التقنية في العمل القضائي، رغم ما أثير بشأنها من بعض الإكراهات التقنية التي رافقت عملية تطبيقها[17].
ثالثا: رقمنة إجراءات التنفيذ
امتد اعتماد الوسائل الرقمية كذلك إلى مرحلة تنفيذ المقررات القضائية، بحيث خص القانون رقم58.25 هذه المرحلة بمقتضيات تروم رقمنة مختلف إجراءاتها، وذلك بحسب ما أقرته المادة 634 من ق م م ، والتي تقر في طياتها بأن إجراءات تنفيذ المقررات القضائية تباشر عبر النظام المعلوماتي، مع تضمين مختلف الإجراءات المتخذة في هذا الشأن، وتوجيه وثائق التبليغ أو التنفيذ إلى المفوض القضائي المعني عبر حسابه المهني الإلكتروني، على أن يقوم هذا الأخير بإرجاع نتيجة التبليغ أو التنفيذ إلى المحكمة عبر المنصة الإلكترونية ،كما يتولى قاضي التنفيذ مهمة الاشراف ومراقبة سير إجراءات التنفيذ من خلال النظام المعلوماتي.
ويمكن هذا التنظيم تتبع مختلف مراحل التنفيذ والحد من التأخير المرتبط بتداول الوثائق والإجراءات بالوسائل التقليدية.
وبالرجوع إلى المقتضيات الناظمة للمادة 449 من ق م م، نجد بأنها سمحت باعتماد النسخة التنفيذية والوثائق والمعطيات المدلى بها إلكترونيا في جميع إجراءات التنفيذ، بغض النظر، عن عدد الأطراف المنفذ عليهم، فضلا عن تضمين المعطيات والبيانات ذات الصلة بمسطرة التنفيذ في النظام المعلوماتي لمرة واحدة، وتعتمد مع الوثائق المدلى بها إلكترونيا أمام جميع محاكم المملكة[18]. ويلاحظ أن المقتضى ذاته تم التنصيص علي بموجب المادة 635 [19]من القانون نفسه، بما يعكس توجها نحو توحيد المعطيات والوثائق المرتبطة بمسطرة التنفيذ، والحد من تكرار الإدلاء بها أمام المحاكم.
وبالموازاة مع ذلك، فقد همت الرقمنة أيضا إجراءات البيع بالمزاد العلني، وذلك ما يستفاد من مقتضيات المادة 636 من ق م م، والتي أتاحت المشاركة في إجراءات البيع بالمزاد العلني إما بشكل حضوري أو عن بعد عبر المنصة الإلكترونية، بما يسمح للمعنيين بالأمر بالمشاركة في هذه الإجراءات عن بعد، دون تكبد عناء التنقل، وما يترتب عن ذلك من استهلاك للوقت والجهد وتحمل تكاليف إضافية.
كما شملت الرقمنة عملية الحصول على الوثائق والمستندات والمقررات القضائية المحفوظة إلكترونيا، تفعيلا لمقتضيات المادة637 من ق م م[20]. وتكتسي هذه المقتضيات أهمية عملية، بالنظر إلى ما تؤديه من تيسير الولوج إلى الوثائق والمستندات والمقررات القضائية، واستخراجها أو تسليم نسخ منها، الأمر الذي ينعكس على تبسيط إجراءات التنفيذ واختصار الوقت والجهد، وتعزيز النجاعة في تدبيرها.
هذا، وقد راعى المشرع المغربي خصوصية البيئة الرقمية عند تنظيم الآجال المرتبطة بالإجراءات القضائية، وذلك من خلال ما جاءت به المادة 639 من ق م م في فقرتها الثانية، بأنه في حالة تعذر الولوج إلى المنصة الإلكترونية في اليوم الأخير من الأجل القانوني، مع تمديدها إلى أول يوم يلي استئناف المنصة الإلكترونية تقديم خدماتها بصورة عادية، في حال تعذر الولوج إليها. وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على التوجه التشريعي الرامي إلى ملائمة قواعد احتساب الآجال مع متطلبات الرقمنة وضمان حقوق المتقاضين.
ومجمل القول، إن رقمنة إجراءات التنفيذ لا تقتصر على اعتماد الوسائل الإلكترونية في مباشرة الإجراءات، وإنما تمتد إلى مختلف مراحلها، بما يساهم في الحد من تكرار العمليات، واختصار الوقت والجهد، وتيسير الولوج إلى الوثائق والمعطيات، وهو ما يجعل منها إحدى الآليات التي من شأنها ترشيد الزمن القضائي وتعزيز النجاعة في تنفيذ المقررات القضائية[21].
المحور الثاني: المستجدات الإجرائية ودورها في ترشيد الزمن القضائي
لم يقتصر تدخل المشرع المغربي من خلال القانون رقم 58.25 على إعادة تنظيم البناء الإجرائي ورقمنة المساطر، بل امتد إلى مراجعة عدد من القواعد الإجرائية بما يستهدف تبسيط الخصومة والحد من أسباب إطالة أمدها. ويتجلى ذلك أساسا من خلال تحديث بعض الإجراءات، وتعزيز دور القاضي في تدبير الدعوى، إلى جانب تطوير آليات القضاء الرئاسي بما ينسجم مع متطلبات البت داخل أجل معقول.
وعليه سنتناول في إطار دراستنا لهذا المحور للوقوف على أهم التحديثات الي طرأت على القواعد الإجرائية وأثرها في ترشيد الزمن القضائي (الفقرة الأولى)، تم نأتي بعدها للحديث عن آليات التدخل القضائي في الحد من هدر الزمن القضائي (الفقرة الثانية).
الفقرة الأولى: تحديث القواعد الإجرائية وأثره في ترشيد الزمن القضائي
استهدف المشرع من خلال تحديث القواعد الإجرائية تجاوز بعض مظاهر التعقيد التي كانت تؤثر في سرعة الفصل في المنازعات، وذلك من خلال تبسيط مجموعة من الإجراءات، وضبط بعض المنازعات الإجرائية، وإقرار آليات تحد من تكرار مراحل التقاضي.
أولا: تبسيط المساطر والإجراءات القضائية
يبرز هذا التوجه، بصفة خاصة، في إعادة تنظيم مسطرة التبليغ، باعتبارها من الإجراءات المؤثرة بصورة مباشرة في الزمن القضائي، إذ إن تعذر التبليغ أو تكراره قد يؤدي إلى تأخير انعقاد الخصومة وسريان آجال الطعن. وفي هذا الإطار، أسند المشرع المغربي بموجب المادة 83 من ق م م، مهمة تبليغ الاستدعاء، كقاعدة عامة، إلى المفوض القضائي، مع إبقاء إمكانية اللجوء إلى وسائل أخرى عند الاقتضاء[22]، كما حددت المادة 84 الأشخاص المؤهلين لتسلم الاستدعاء[23].
كما اعتمد المشرع آلية جديدة للحد من حالات تعذر التبليغ، من خلال الرجوع إلى المعلومات المتوفرة بقاعدة المعطيات المتعلقة بالبطاقة الوطنية للتعريف الإلكترونية عند تعذر التبليغ بالعنوان الوارد في الاستدعاء، مع ترتيب الآثار القانونية على التبليغ بالعنوان المعتمد وفق الشروط المنصوص عليها في المادة 86. ويستهدف هذا المقتضى الحد من تعطيل الدعوى بسبب صعوبات الوصول إلى المدعى عليه، مع إبقاء المحكمة مطالبة باستنفاد الإجراءات القانونية قبل البت عند استمرار تعذر التبليغ[24].
ومن مظاهر تبسيط المساطر كذلك إعادة تنظيم الدفع بعدم الاختصاص النوعي. فبالرجوع الى مقتضيات المادة 27 من ق م م نجد بأنها أقرت قواعد موحدة لإثارته والبت فيه أمام محاكم الدرجة الأولى، مع إقرار آجال محددة للبت في الدفع واستئناف الحكم وإحالة الملف والبت فيه أمام محكمة الدرجة الثانية. وتكتسي هذه المقتضيات أهمية من زاوية الزمن القضائي، لأنها تحول دون استمرار المنازعة في الاختصاص دون سقف زمني محدد، وتساهم في حسمها داخل آجال معقولة[25].
ثانيا: تسريع الفصل في النزاع وتقليص أمد التقاضي
إلى جانب تبسيط الإجراءات، جاء القانون رقم 58.25 آليات تستهدف الحد من تكرار المساطر وتسريع الوصول إلى مرحلة التنفيذ. وفي مقدمتها إحداث مؤسسة قاضي التنفيذ، الذي أسندت إليه اختصاصات تتعلق بالإشراف على إجراءات التنفيذ ومراقبتها والبت في الصعوبات الوقتية المرتبطة بها، بما يساهم في معالجة الإشكالات التي قد تعترض تنفيذ المقررات القضائية داخل إطار قضائي متخصص.[26]
وبالموازاة مع ذلك، تعد مؤسسة قاضي التنفيذ من المستجدات المهمة التي أقرها المشرع في قانون المسطرة المدنية، سعيا إلى تجاوز الإكراهات التي تعترض تنفيذ الأحكام القضائية وضمان إنجازها داخل أجل معقول، وذلك من خلال إسناد مجموعة من الاختصاصات إلى قاضي التنفيذ، تشمل الإشراف على عمليات التنفيذ ومراقبتها، ومعالجة الصعوبات المادية التي قد تعترض سيرها، والبت في المنازعات والصعوبات الوقتية المثارة بشأن إجراءات التنفيذ من قبل الأطراف أو الغير.
وفي هذا الإطار، نجد المادة 474 من ق.م.م، نصت على كيفية تعيين قاضي التنفيذ[27] ويجرى التعيين بمناسبة عقد الجمعية [28]العامة للمحكمة بعد اعداد مكتب المحكمة لبرنامج تنظيم العمل بالمحكمة خلال السنة القضائية الموالية على نهج مقتضيات المادة 26 من القانون رقم 38.15 للتنظيم القضائي.
تبعا لذلك، نظمت المادة 475 من ذات القانون اختصاصه المحلي، بحيث ينعقد الاختصاص لقاضي التنفيذ بالمحكمة المصدرة للحكم، أو المحكمة التي يوجد بدائرة نفوذها المنفذ ضده أو المحكمة التي توجد بها أمواله. أما عن الاختصاص النوعي لقاضي التنفيذ فقد أصبح يمارس اختصاصات واسعة تتعلق بمجال التنفيذ، حيث يتولى إصدار أوامر التنفيذ والإشراف على إجراءات التنفيذ ويعمل على مراقبة حسن سيرها وضمان تنفيذها وفق ما يقتضيه القانون[29]، والتنفيذ يكون بواسطة كتابة الضبط أو بواسطة المفوضين القضائيين، ويجوز لصاحب المصلحة عرض الأمر على قاضي التنفيذ في حالة امتناع المكلف بالتنفيذ عن القيام بأي إجراء من إجراءات التنفيذ[30].
كما يختص رئيس المحكمة طبقا لمقتضيات المادة 477 من نفس القانون، النظر في بعض صعوبات التنفيذ الوقتية ومنح الأجل الاسترحامي اذا اقتضت الضرورة ذلك على ألا يتعدى أجل الشهرين مع عدم قابلية هذا الامرالصادر بمنح هذا الاجل السالف الذكر لاي طعن. وكذا يختص بالبت في صعوبات التنفيذ الوقتية المثارة بشأن إجراءات التنفيذ التي تم القيام بها، رئيس المحكمة المصدرة للحكم حيت يجري التنفيذ، أو رئيس المحكمة التي يجري بدائرة نفذها المنفذ ضده، أو رئيس المحكمة التي توجد بدائرة نفوذها أموال المنفذ ضده، حسب الحالة[31].
ومن شأن هذا التنظيم أن يساهم في الحد من العراقيل التي قد تحول دون تنفيذ الأحكام، وضمان حسن سير إجراءات التنفيذ، وتعزيز فعالية الحق في التنفيذ داخل أجل معقول[32].
كما أعاد المشرع تنظيم حق التصدي أمام محكمة الدرجة الثانية، إذ أوجب عليها، متى أبطلت أو ألغت الحكم المطعون فيه، أن تتصدى للحك في الجوهر، وذلك بمقتضى المادة 221 من ق م م، ويفهم من هذا المستجد أن غاية المشرع من تنظيم حق التصدي تتمثل في تعزيز النجاعة القضائية وتسريع البت في القضايا، من خلال تقليص الإجراءات المتكررة وتفادي إعادة الإحالة، بما ينسجم مع هدف ترشيد الزمن القضائي.
ويتميز هذا التنظيم الجديد بحذف عبارة «إذا كانت الدعوى جاهزة للبت فيها» التي كانت واردة في الفصل 146 من القانون السابق، وهو ما من شأنه الحد من إعادة الملفات إلى محكمة الدرجة الأولى وتكرار الإجراءات، وبالتالي تقليص أمد الخصومة[33].
ويكشف هذا المستجد عن توجه تشريعي واضح نحو الاقتصاد في الإجراءات، غير أن تفعيله يظل مرتبطا بضرورة احترام الضمانات الأساسية للتقاضي، ولا سيما حقوق الدفاع ومبدأ التقاضي على درجتين، حتى لا يتحول السعي إلى السرعة إلى مساس بالضمانات الإجرائية للأطراف.
الفقرة الثانية: آليات التدخل القضائي في الحد من هدر الزمن القضائي
ارتبط ترشيد الزمن القضائي، إلى جانب إصلاح القواعد الإجرائية، بتعزيز الدور المنوط بالقاضي في تدبير الخصومة وضبط سيرها، بما يحد من الممارسات والإجراءات التي قد تؤدي إلى إطالة أمد التقاضي. كما اتجه المشرع إلى دعم القضاء الرئاسي لما يوفره من إمكانية للتدخل القضائي السريع في الحالات التي تستوجب حماية عاجلة أو يخشى فيها من فوات الوقت. ويعكس هذا التوجه إرادة تشريعية في جعل تدبير الزمن القضائي جزءا من العمل القضائي ذاته.
أولا: تكريس الدور الإيجابي للقاضي في تدبير الدعوى
يتجلى هذا التوجه في منح القاضي دورا أكثر فعالية في تجاوز بعض العوائق الشكلية التي قد تؤدي إلى إنهاء الدعوى دون الوصول إلى مناقشة موضوعها. وفي هذا السياق، نصت الفقرة الأخيرة من المادة 11 من ق م م على عدم جواز التصريح بعدم قبول الدعوى، في الحالات المحددة قانونا، إلا بعد إنذار الطرف المعني بتصحيح المسطرة داخل أجل تحدده المحكمة، ما لم يكن الدفع قد أثير من أحد الأطراف واطلع عليه الطرف الآخر دون أن يستجيب له.
وتكتسي هذه المقتضيات أهمية واضحة من زاوية ترشيد الزمن القضائي، لأنها تتيح تصحيح الخلل الإجرائي داخل الدعوى نفسها بدل إنهائها شكلا وإجبار صاحب المصلحة على إعادة سلوك المسطرة من جديد. وبذلك ينتقل دور القاضي من مجرد التصدي للعيب الإجرائي إلى المساهمة في تجاوز آثاره متى كان قابلا للتصحيح[34].
ثانيا: القضاء الرئاسي ودوره في مواجهة بطء التقاضي
يقوم القضاء الرئاسي على توفير حماية قضائية سريعة في الحالات التي لا تسمح طبيعتها بانتظار المسار العادي للدعوى، دون أن يمتد ذلك، من حيث الأصل، إلى الفصل في أصل الحق. وقد نظم القانون رقم 58.25 الأوامر المبنية على طلب ومسطرة الامر بالاداء وقضايا الأمور المستعجلة ضمن قواعد إجرائية تقوم على السرعة والفعالية بمفهومها الضيق المنصوص عليها في المواد من 225 إلى 243 من قانون المسطرة المدنية.[35]
ومن بين أهم المستجدات التي جاء بها هذا القانون، فيما يتعلق بتنظيم الاختصاص في مجال القضاء الرئاسي، سواء تعلق الأمر بالأوامر الولائية الصادرة في إطار الولاية العامة، أو بالأوامر الاستعجالية، فقد أصبح هذا الاختصاص موزعا بين عدة جهات على مستوى محاكم الدرجة الأولى.
ومن جهة أخرى، أعاد المشرع تنظيم الطعن في الأوامر الرئاسية وذلك بموجب التعديلات التي همت قانون المسطرة المدنية، والتي جاء بها القانون الجديد رقم 58.25، فبالنسبة للطعن في الأوامر المبنية على طلب، جعل المشرع الأمر الذي لا يستجيب للطلب قابلا للاستئناف داخل أجل سبعة أيام، مع استثناء بعض الحالات، وألزم كتابة الضبط بإحالة مقال الاستئناف والوثائق المرفقة داخل أجل ثلاثة أيام، على أن يبت الرئيس الأول أو رئيس القسم المتخصص، بحسب الحالة، داخل أجل سبعة أيام من تاريخ توصل كتابة الضبط بالملف.[36]
كما حددت المادة 230 أجل الاستئناف في الأوامر الاستعجالية في خمسة عشر يوما من تاريخ التبليغ، وألزمت كتابة الضبط بإحالة الملف إلى محكمة الاستئناف داخل أجل أقصاه سبعة أيام، وأسندت البت في الاستئناف إلى الرئيس الأول أو رئيس القسم المتخصص بحسب طبيعة النزاع.
ويعكس هذا التنظيم توجها نحو إخضاع القضاء الرئاسي لمنطق زمني خاص يتلاءم مع طبيعته، من خلال تقصير آجال الطعن والإحالة والبت، وتحديد الجهة القضائية المختصة، بما يحد من التأخير الذي قد يفقد الحماية القضائية المؤقتة فعاليتها. ومن ثم، فإن تطوير القضاء الرئاسي يشكل إحدى الآليات الإجرائية التي اعتمدها المشرع لمواجهة هدر الزمن القضائي وتحقيق حماية قضائية أكثر سرعة وفعالية.
وبذلك يتبين أن المستجدات الإجرائية التي جاء بها القانون رقم 58.25 تقوم على مقاربة متكاملة لترشيد الزمن القضائي، تجمع بين تبسيط المساطر، وضبط المنازعات الإجرائية بآجال محددة، وتعزيز الدور الإيجابي للقاضي، وتطوير القضاء الرئاسي، بما يساهم في الحد من التأخير غير المبرر دون إهدار الضمانات الأساسية للمحاكمة العادلة.
خاتمة
بناء على ما سبق عرضه من خلال م هذه الدراسة، يتضح أن القانون رقم 58.25 المتعلق بالمسطرة المدنية يشكل محطة تشريعية بارزة في مسار إصلاح منظومة العدالة، ذلك أنه لم يقتصر على مراجعة شكلية للنصوص القائمة، بل سعى إلى معالجة إشكالية بطء التقاضي وتدبير الزمن القضائي من خلال مقاربة تشريعية شمولية، جمعت بين البعد البنيوي والبعد الإجرائي على حد سواء.
فعلى المستوى البنيوي، تبين أن المشرع اتجه إلى معالجة أسباب البطء المرتبطة بتشتت النصوص القانونية، من خلال توحيد القواعد الإجرائية المنظمة لمختلف المحاكم ضمن نص واحد شامل، الأمر الذي من شأنه الحد من صعوبات التطبيق الناجمة عن تعدد النصوص وتضاربها. كما أن إدماج الوسائط الرقمية في مختلف مراحل الدعوى، من تقديم المقالات والطعون إلى التبليغ وعقد الجلسات وصولا إلى إجراءات التنفيذ، يعكس توجها تشريعيا واضحا نحو تجاوز الإكراهات المرتبطة بالمساطر التقليدية وترشيد الزمن القضائي بالوسائل التقنية الحديثة.
أما على مستوى الإجراءات والمساطر، فإن المشرع لم يكتف بالإصلاح البنيوي، بل عمل على تبسيط عدد من المساطر الإجرائية، لا سيما ما يتعلق بالتبليغ والدفع بعدم الاختصاص، فضلا عن استحداث مؤسسة قاضي التنفيذ وإعادة تنظيم حق التصدي، بما يحد من تكرار مراحل التقاضي. كما تعزز دور القاضي في تدبير الدعوى وتجاوز العوائق الشكلية القابلة للتصحيح، إلى جانب تطوير آليات القضاء الرئاسي عبر تقصير آجال الطعن والإحالة والبت، بما يستجيب لمتطلبات الحماية القضائية المؤقتة والسريعة.
وإذا كانت هذه المستجدات تعكس إرادة تشريعية حقيقية في ترشيد الزمن القضائي، فإن تفعيلها الأمثل يظل رهينا بجملة من التحديات العملية، يأتي في مقدمتها مدى تأهيل البنية التحتية الرقمية للمحاكم وتعميمها على مختلف ربوع المملكة، وضرورة تكوين القضاة وكتاب الضبط والمحامين على استعمال الأنظمة المعلوماتية الجديدة، فضلا عن إشكالية الفجوة الرقمية التي قد تحرم بعض المتقاضين من الاستفادة الفعلية من هذه الآليات. كما أن السعي إلى اختصار الآجال وتبسيط المساطر ينبغي أن يظل محكوما بضرورة الحفاظ على الضمانات الأساسية للمحاكمة العادلة، وفي مقدمتها حقوق الدفاع ومبدأ التقاضي على درجتين، حتى لا يتحول ترشيد الزمن القضائي إلى مساس بجوهر الحق في التقاضي.
وتأسيسا على ما تقدم، يمكن اقتراح مجموعة من التوصيات، نجملها فيما يلي:
– التعجيل بإصدار النصوص التنظيمية المؤطرة للمنصة الإلكترونية والأنظمة المعلوماتية المنصوص عليها في القانون رقم 58.25، ضمانا لتوحيد تطبيقها أمام مختلف المحاكم؛
– العمل على تعميم التجهيزات التقنية وتأهيل الموارد البشرية القضائية والإدارية، بما يكفل حسن استيعاب هذه المستجدات وتطبيقها على الوجه الأمثل؛
– إخضاع تجربة رقمنة المساطر ومؤسسة قاضي التنفيذ لتقييم دوري، يسمح بالوقوف على الإكراهات العملية التي تعترض تطبيقها ومعالجتها بشكل تدريجي؛
– مراعاة التوازن، عند تفعيل آليات تسريع البت والتبسيط الإجرائي، بين مقتضيات النجاعة القضائية وضمانات المحاكمة العادلة، تفاديا لأي مساس بحقوق أطراف الدعوى.
وختاما، يبقى تقييم مدى نجاعة هذه المستجدات في ترشيد الزمن القضائي مرتبطا بالممارسة العملية لهذه المقتضيات أكثر من ارتباطه بصياغتها النظرية، الأمر الذي يستدعي متابعة تطبيقها ميدانيا واستقراء أثرها الفعلي على أمد التقاضي .
الكتب:
- المعزوز البكاي، المختصر في قانون المسطرة المدنية، د ذ ط، مط sijelmassa، س 2024.
- عبد الرحمان الشرقاوي، قانون المسطرة المدنية في ضوء القانون الجديد رقم 58.25، سنة 2026.
- عبد العزيز إدزني: قانون المسطرة المدنية المغربي” دراسة تحليلية في ضوء مستجدات القانون الجديد رقم 58.25 “، ط 4، مط دار العرفان، سنة2026.
- عبد الكريم الطالب، الشرح العملي لقانون المسطرة المدنية وفق القانون 58.25، سنة 2026.
- أمل فوزي، أليات تطوير المنظومة القضائية وتحديات التحول بالعدالة إلى الرقمية، ط1، مط المركز الديمقراطي العربي برلين-ألمانيا، س 2022.
المقالات العلمية:
- ادريس كركين، العوامل المؤثرة في تعديل قانون المسطرة المدنية، مقال منشور بمجلة المنبر، سنة 2025.
- لبنى الفريالي، نجاعة الزمن القضائي، مقال منشور بالمجلة المغربية للحكامة القانونية والقضائية- العدد الثاني، سنة2017.
- عبد الإلاه المحبوب، ترشيد الزمن القضائي، مجلة الأبحاث والدراسات القانونية، ع 28، س 2024.
- فاطمة اليعقوبي، رقمنة إجراءات التقاضي في ضوء مشروع قانون المسطرة المدنية معالم التحول وإشكالات التطبيق، مجلة المنبر القانوني، ع28،سنة 2025.
- رضوان العنبي، مدى محدودية طرق التبليغ وفق أخر المستجدات، مقال منشور بمجلة المنبر، سنة 2024.
- حسناء تمياس، مؤسسة قاضي التنفيذ كألية لتعزيز التنفيذ القضائي في ضوء القانون رقم 58.25 المتعلق بالمسطرة المدنية، مقال منشور بالمجلة المغربية الأبحاث العلمية، العدد السادس عشر- أبريل 2026.
- حسن أيت موح، نظرات حول مؤسسة قاضي التنفيذ في ضوء قانون المسطرة المدنية الجديد، مجلة مغرب القانون، مقال منشور على الموقع الالكتروني: https://maroclaw.com/%D9%86%D8%B8%D8%B1%D8%A7%D8%AA
- – لبنى الفريالي، نجاعة الزمن القضائي، مقال منشور بالمجلة المغربية للحكامة القانونية والقضائية- العدد الثاني، سنة، ص101. ↑
- – ظهير شريف رقم 1.26.07 صادر في 22 من شعبان 1447 (11 فبراير 2026) بتنفيذ القانون رقم 58.25 المتعلق بالمسطرة المدنية؛ الجريدة الرسمية عدد 7485 بتاريخ 5 شعبان 1447 (23 فبراير 2026)، ص. 1092 وما يليها. ↑
- –إدريس كركين، العوامل المؤثرة في تعديل قانون المسطرة المدنية، مقال منشور بمجلة المنبر القانوني، سنة2025، ص 5. ↑
- –عبد الإلاه المحبوب، ترشيد الزمن القضائي، مجلة الأبحاث والدراسات القانونية، ع 28، س 2024، ص 125. ↑
- – ظهير شريف رقم 1.11.151 صادر في 16 من رمضان 1432 (17 أغسطس 2011) بتنفيذ القانون رقم 42.10 المتعلق بتنظيم قضاء القرب وتحديد اختصاصاته، الجريدة الرسمية عدد 5975 بتاريخ 6 شوال 1432 (5 سبتمبر 2011)، ص 4392. ↑
- – فاطمة اليعقوبي، «رقمنة إجراءات التقاضي في ضوء مشروع قانون المسطرة المدنية: معالم التحول وإشكالات التطبيق»، مجلة المنبر القانوني، العدد 28، سنة 2025، ص. 184. ↑
- – تنص الفقرة الأولى من المادة 76 من ق م م على أنه تقدم الدعوى أمام محاكم الدرجة الأولى، مالم ينص القانون على خلاف ذلك، بمقال مكتوب يودع بكتابة ضبط المحكمة أو بطريقة إلكترونية، ويكون مؤرخا وموقعا من قبل المدعي أو وكيله أو محاميه. ↑
- – نصت الفقرة الثانية من المادة 378 من ق م م، على أنه يودع المقال ومرفقاته لدى كتابة الضبط، مقابل وصل، كما يمكن ايداعه بالطريقة الالكترونية. ↑
- – فاطمة اليعقوبي، مرجع سابق، ص186 ↑
- – تنص الفقرة الأولى من المادة 628 من ق م م، على أنه: تودع المقالات والكلبات والطعون عبر المنصة الالكترونية، وتؤدى عنها الرسوم والمصاريف القضائية بطريقة الالكترونية، وفق الكيفيات المحددة بنص تنظيمي. ↑
- – تنص المادة 379 من ق م م، على أنه” يتعين على طالب النقض أن يؤدي الرسم القضائي بصندوق المحكمة أو بواسطة الأداء الالكتروني. ↑
- – رضوان العنبي، مدى محدودية إجراءات التبليغ وفق اخر المستجدات، مقال منشور بمجلة المنارة، سنة 2025، ص133. ↑
- – فاطمة اليعقوبي، مرجع سابق، ص189 ↑
- – تنص الفقرة الثانية من المادة 629 من ق م م، على أنه” بمجرد توجيه التبليغ إلى المعني بالامر عبر حسابه الالكتروني المهني المنصوص عليه في المادة 625 أعلاه، وإشعاره بذلك من خلال رسالة نصية، تصدر المنصة الالكترونية إشعارا بالتوصل”. ↑
- – الفقرة الأخيرة من المادة 633 من ق م م. ↑
- – الفقرة الأولى من المادة 630 من ق م م. ↑
- – فاطمة اليعقوبي، مرجع سابق، ص190 ↑
- – الفقرة الأخيرة من المادة 449 من ق م م. ↑
- – تنص المادة 635 من ق م م “إذا تمت مباشرة إجراءات التنفيذ من خلال النظام المعلوماتي، اعتمدت النسخة التنفيذية المدلى بها في جميع إجراءات التنفيذ، بغض النظر عن عدد الأطراف المنفذ عليهم، كما تضمن المعطيات والبيانات ذات الصلة بمسطرة التنفيذ في النظام المعلوماتي لمرة واحدة، وتعتمد مع الوثائق المدلى بها إلكترونيا أمام جميع محاكم المملكة. ↑
- – تنص المادة 637 من ق م م “يمكن إستخرج وتسليم نسخ من الوثائق والمستندات والمقررات القضائية المحفوظة في النظام المعلوماتي، وذلك عبر المنصة الإلكترونية، وتتضمن هذه النسخ مراجع حفظها، التي تتيح التأكد من صدفيتها”. ↑
- – فطمة اليعقوبي، رقمنة إجراءات التقاضي في ضوء مشروع قانون المسطرة المدنية: معالم التحول وإشكالات التطبيق، مجلة المنبر القانوني، ع. 28، سنة 2025، ص. 191. ↑
- – تنص الفقرة الثانية من المادة 83 من ق م م على أنه” يمكن للمحكمة أن تأمر عند الاقتضاء، بتبليغ الاستدعاء بواسطة أحد موظفي كتابة الضبط أو بالطريقة الإدارية أو عن طريق البريد المضمون. ↑
- – عبد العزيز إدزني، قانون المسطرة المدنية المغربي: دراسة تحليلية في ضوء مستجدات القانون الجديد رقم 58.25، ط 4، دار العرفان، 2026، ص 69 وما بعدها ↑
- – عبد الإله المحبوب، «ترشيد الزمن القضائي»، مجلة الأبحاث والدراسات القانونية، ع 28، السنة 2024، ص 128 ↑
- – عبد الكريم الطالب، الشرح العملي لقانون المسطرة المدنية وفق القانون 58.25، ط 13، مكتبة المعرفة، مراكش، 2026، ص 211 ↑
- – عبد العزيز إدزني، المرجع السابق، ص 180 وما بعدها؛ عبد الكريم الطالب، المرجع السابق، ص 80 ↑
- – تنص الفقرة الأولى من المادة 474 من ق م م ” يعين قاضي التنفيد من بين قضاة محكمة الدرجة الأولى وفق مقتضيات قانون التنظيم القضائي. ↑
- – حسن أيت موح، نظرات حول مؤسسة قاضي التنفيذ في ضوء قانون المسطرة المدنية الجديد، مجلة مغرب القانون، مقال منشور على الموقع الالكتروني: https://maroclaw.com/%D9%86%D8%B8%D8%B1%D8%A7%D8%AA- ، تم الاطلاع عليه بتاريخ 07/05/26، على الساعة 10:28. ↑
- – حسناء تمياس، مؤسسة قاضي التنفيذ كألية لتعزيز التنفيذ القضائي في ضوء القانون رقم 58.25 المتعلق بالمسطرة المدنية، مقال منشور بالمجلة المغربية الأبحاث العلمية، العدد السادس عشر- أبريل 2026، ص149. ↑
- – طبقا للمادة 476 ق م م. ↑
- – المادة 478 من القانون رقم 58.25 المتعلق بالمسطرة المدنية. ↑
- – عبد الرحمان الشرقاوي، قانون المسطرة المدنية في ضوء القانون الجديد رقم 58.25، ص 8 ↑
- – المعزوز البكاي، المختصر في قانون المسطرة المدنية، دون ذكر الطبعة، مطبعة Sijelmassa، 2024، ص 139-140. ↑
- – المادة 11 من القانون رقم 58.25 المتعلق بالمسطرة المدنية ↑
- – عبد الكريم الطالب، الشرح العملي لقانون المسطرة المدنية وفق القانون 58.25، ط 13، مكتبة المعرفة، مراكش، 2026، ص 99. ↑
- – انظر الفقرات 6 و7 و8 من المادة 225 من القانون رقم 58.25. ↑





